الأربعاء , أكتوبر 28 2020

“البسطة التحتا ..وموسيقى ..باخ”…بقلم : محمد مجيد حسين

البسطة التحتا… وموسيقا … باخ
شمعةٌ وأشرطة ذكريات تمتد على مدار ستة واربعين عاماً من الهرولة في ذات المكان …
ومنذ أول صورة في ألبوم الذكريات تلك الصورة المتقطعة والتي تشبه إلى حد بعيد الألواح الطينية التي كانت تستخدم لتدوين الأحداث أيام جلجامش وما بعدها تلك الصورة المتقطعة هي لأمي التي أرضعتني الإنسانية مع حليبها النقي كموسيقا ( باخ) ذلك المشهد الأوحد الذي يجمعني بأمي حيث تسيد الألم أركان المشهد عندما لدغت عقربة أمي وما أتذكر من ذلك الموقف عبارة عن أشلاء صور والجزء الذي يمكن قراءته هو قوة التحمل والصبر والعزيمة التي كانت تتمتع بها أمي.
وفي هذا المساء الكثيف من حيث ماهية الاستحضار , الروح , والجسد .. يبدو المشهد صدامياً ومتناغماً في ذات القيمة الزمنية حيث الطفل الذي كنتهُ يوماً حيث كان الفرح والدلال المنغمس بالخوف تارة وبالفشل في تارات أخرى.
الشمعة تمضي في رحلتها صوب الاحتراق وأشرطة الذكريات تسير بترهل وفي مساحات من الفراغ والعبثية .. بداية الفرح المنكسر كانت في بيروت وتحديداً في حي بسيط وشعبي ( البسطة التحتا ) كان شاهداً على أولى خطوات المجازفة في عالم الكتابة الوعر والشائك بالنسبة إلى أصحاب القيم المتمحورة في متنها على الإنسانية التي يفترض أن نعيش بها !!!!! … حيث كانت هناك مطبعة متواضعة في ذلك الحي تناسب إمكانياتي البسيطة حيث قمت بطباعة مجموعتي الشعرية الأولى الطبعة الأولى (آخين ونوايا البدايا ) تلك الذكرى منقوشة في ذاكرتي … حيث أعتبر هذا الحي بمثابة ولادتي الفكرية والتي أثبتت في ما بعد أحقيتي في الحياة كمميز أي أنها كانت بداية الاحتفاء بتمردي غير المؤطر …
والآن وأنا على بعد أكثر من عشرين عاماً عن تلك الذكرى لا أزال أحتفل في داخلي بذلك الانتصار على الرتابة والعبثية والفشل الذي رافقني قسراً معظم مراحل حياتي … وما هذه السطور إلا رسالة عرفان ووفاء لذلك الحي الشعبي ولتلك المدينة التي أستنشقتُ فيها عبق الحياة المختلف وفي فضاءاتها المفتوحة على الآخر رغم كثرة التابوهات.
نعم أيُّها الأصدقاء اليوم حسب أمانة السجل المدني يُصادف أول صرخة لي في هذا العالم الموحش … ففي مثل هذا اليوم من عام 1974 ولدتُ وعندها أمتزجت دموع أمي مع فرحتها العارمة التي تماهت معها حتى العصافير المُسافرة .
محمد مجيد حسن _ سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: