الأحد , أكتوبر 25 2020

أسماء الحويلي تكتب ل ‘العربي اليوم’ لا تخف ولكن احذر عندما تقرأ لها حتى لا تصيبك اللعنة فتصبح مدمن لنصوصها

هي كاتبة تربعت على عرش آداب الرعب، متطوره وصاحبه أفكار جديدة، لها اسلوب خاص في السرد والحوار ستعيش أحداث الرواية وكأنك احد أبطالها، لا تقلق ستدمن أدب الرعب على يدها ولن تستطيع الإفلات بعد ذلك، هي الكاتبة سوزان خليفة وروايتها المرسلون ، التي تصدر عن دار بيوند للنشر والتوزيع معرض القاهرة الدولي للكتاب 2020 واترككمم مع اقتباس من الرواية
رقصةٌ حَيرى

وحيدةً لا زلت، أقف وجهًا لوجه أمام القمر المكتمل مثل اكتمال وجهي، فوق توبقال العظيم، أعلى قمم الأطلس العربي، جنوب غرب المغرب.
لم تكن تُشرق لي شمس الحياة من قبل، فأشرقتُ لنفسي شمسًا أخرى، ليست كشمس الناس، حدَّبتُها على الروح المتشظية بداخلي، كي تُدفِّئني، كما كنت أرجو طوال العمر.
القمر أقرب إليّ من أهدابٍ مشّطتها لي الوحدة بمُشط من الصبر، وتكلفتْ رعايتها. أمُدُّ يدي له فأكاد أقبض بها جِرْمه المتقد بداخلي. الشرود كأنما ينتقم مني، أو لعله صلبني بما يطن داخلي من صراعاتي المتعددة أمامه، كي أتجسد ملعونةً كبرى تحت مجهره الضوئي فيشف روحي الحيرى رسمًا كاملًا به.
ربة السحر في زيها الأسود المزود بذيل طويل، طرحَهُ الهواء من خلفي سحابةً حبلى تكاد تحجب من الجبل قمته. ينقشني القمر المكتمل على بدنه، دون تكلف منه، بإزميل ليس له في عالم السحر شبيه، ليراني الإنس والجن كما يحلو لي أن أُرى.
«الأشياء ترقص على موسيقى التناقض داخلي.» أقول ذلك ذائبة في سكر يفتك بكل أعصابي، ولم أزل أنظر إلى القمر الذي يعكسني ملعونة عظمى، تطغى برسمها في وجهه المكتمل على البقعة المرئية من الأرض.
بما يشبه الدروشة أحرك رأسي على موسيقاي الداخلية، وشعري يتناثر خلف ظهري خيوطًا ليس لها انتهاء.
يُحولني عن السبيل الذي رسمته ذات مرة في مخيلتي النحيلة، إلى سبيل مرصوف بالسواد العمِيِّ، يُحرك رأسي من الشمال إلى اليمين في ما يشبه دائرة يملؤها الفراغ، ثم إن تمسكي بما أرجو أن أكون يُخلِف الحركة من اليمين إلى الشمال، كي تتحول الدائرة إلى علامة اللامنتهِي “∞” من اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلى اليمين.
ليس طقسًا سحريًا، بل حيرة تملأ صدى الرأس الذي انطلق يرقص في الفراغ بلا انتهاء. النور والظلام يتناوبان رأسي رقصًا شبه مولويٍّ، يعمِّقان هوة الفكر السحيقة بداخل روحي المنسية، ينشبان الحريق الدائم في جمهورية الجسد الذي احتله السحر.
«الآن لا يسعني سوى الرقص.» أقول بما تبقى لي من صوت، وسط الصخب الموسيقي الذي يطن بداخلي، موسيقى ملعونة بقدر اللعنة التي نالتني منذ معرفتي السحر.
ينطلق الجسم البديع، مكتمل التنزيل، في الرقص بلا انقطاع، بينما الصور التي من كل شيء تتوافد إلى ذهني: صغيرة تسير على خطى خُصّصت لي، للوصول بي إلى سجن بنيت جدرانه من خام الملل، فلا أستشرف من شباكه سوى الوضاعة واللعنة. وحيدة تنشق لي الأرض بما فيها من سُخط ينصب فوق رأسي مثل شلال مستديم. مسحورة قد انسحقتْ كل أحلامي الطفولية تحت أرجل البشر جميعًا، بحيث لا أرى منهم غير الصد والبغض والعدوان، فكرهتهم وقلبت الدائرة عليهم. ساحرة أملك من الشر أكثر مما كنت أملك من البراءة المكنونة، أقدر على سحق أي شخص شارك أذيتي ذات يوم، لكن نزعة لا تزال قائمة في عامود إيماني تبطئ الأمر قليلًا. ناس كثيرون من حولي: أقارب ومعارف وحبيب. قبائل كثيرة من الجن، سيفري التي أكن لها من الحب ما ينازع حبي لأحمد.
أرقص وأرقص.. أرقص بلا انتهاء في أحد مراكز القوة بالنسبة لي، في سكر يكاد يذيبني، موسيقاي حيرة صاخبة يتحرك جسمي معها بانفعال، يهتز مثل ورقة في مهب ريح لها من الألوان الأسود، فلا تعرف أبدًا إلى أي الثوابت تصل.
المغالاة التي كانت في معاملة أختها لها، تنصب في رأسها موتًا مذابًا، فيه من معادن الخسة ما يأكل النفس والروح والجسد.

#سوزان_الخليفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: