الأربعاء , أكتوبر 28 2020

على قيد الحياة …… بقلم : أيمن موسى

على قيد الحياة
( قصة قصيرة )
ــــــــــــــــــــــــ

ألم أخبرك عن ألم الإنتظار .
إنه يأخذ من الروح رونقها ورحيقها حتى يسلبها أخر رمق من الحياة .
ومن القلب يسحب نبضاته ببطء نبضة تلو النبضة بلا أي توقف أو حتى هدنة لإلتقاط الأنفاس .
حتى الأنفاس تكاد تختنق وهي تجاهد للدخول والخروج وكأنها حبيسة لذلك الصدر وأسيرة لهذا الفؤاد فلا ملاذ لها أو ملجأ منه إلا إليه .
ربما أصبح الإنتظار أكثر قسوة
من الموت والفراق بل هو أسوأ من كلاهما .
أغلقت الرسالة بعد أن قرأتها للمرة العاشرة وكالعادة أعادتها إلى الصندوق المخملي الذي تحتفظ فيه بكل رسائله إليها ورسائلها التي لم تصل إليه بل وتجتمع بداخله كل ذكرياتهما وأحلامهما سويًا .
حاولت أن تسترخي قليلا لتهدأ في محاولة منها للنوم عساها تحاصر ذلك الشعور الذي يسيطر عليها وينتابها كلما ذهبت لذلك الصندوق وتفقدت محتوياته وتصفحت تلك الرسائل بلا جدوى وكأنه يذكرها بكم الخيبات والإنكسارات وربما الهزائم التي منيت بها بتلك الحياة .
يتملكها الحنين رغمًا عنها حتى أنه وكما يبدو قد دك أخر حصونها لتفقد أخر قلاعها في محاولة مستميتة للحفاظ على ما تبقى منها من ثبات ومقاومة لمواراة عجزها وسوآة ضعفها .
تنهدت بآسى وهى تقول بصوت خفيض ( آه ) كانت آهة مكتومة بطعم الوجع غادرت صدرها لتلحق بكل الأمنيات التي ماتت وأنتحرت على حافة الإنتظار .
عبثًا حاولت النوم وكالعادة أيضًا فشلت بذلك فشلًا ذريعًا .
لذلك وبلا تفكير كعادتها ذهبت لتعد فنجان من القهوة عساه يزيل عنها ذلك القلق والتوتر وربما تستعيد من خلاله صفاء ذهنها أو بعض ثباتها .
أعدت قهوتها وجلست بجوار النافذة تراقب الشتاء ذلك الشتاء الذي يشبه حياتها غير أن بالحياة عدة فصول تاتي خلف بعضها لكسر الملل وروتين الحياة فتتنوع ما بين صيف وخريف شتاء وربيع بينما حياتها تحولت لشتاء دائم يعقبه خريف مقيم تتساقط فيه سنوات عمرها كأوراق شجرة شامخة قد تعرت من كل أحلامها التي سقطت أمنية تلو الأخرى .
تابعت بعينيها حبات المطر التي تناثرت على زجاج التافذة لتكون خيوطًا ومسارات متعرجة تشبه كثيراً تلك الحياة التي نعيشها ونحن نظن أن أحلامنا و أهدافنا نحن من نحددها ونلاحقها .
بينما أننا وبالحقيقة لسنا سوى أهداف لهذه الحياة فدائمًا ما يصيبنا القدر بسهامه التى لا تخطئ أبدًا مهما حاولنا تفاديها أو الإبتعاد عن طريقها .
شردت بعقلها بل ربما روحها هى التي شردت وهى تتذكر كلماته الأخيرة لها عندما إحتضن كلتا يديها وعينيه تحتضن عينيها بحب وشغف وهو يتنهد هامسًا وربما آسفًا بنفس الوقت وهو يقول بصوت شاحب فقد صداه
كثيراً ما يهدينا القدر هدايا غالية ولكنه القدر أيضًا هو من يجعلها مغلفة ومختومة بتحذير ممنوع الفتح . هدايا مغلقة فلا يحق لنا فتحها أو الإستمتاع بها .
فقط نراها ونراقبها من بعيد ممنوع علينا ومحرم أن نقترب منها أكثر مما يجب أو محاولة الوصول إليها .
تظل هدايا قدرية مع إيقاف التنفيذ عندما تتملكنا الرغبة بالحصول عليها ومخالفة القدر نفقدها للأبد .
وكأن محاولة الحصول عليها خطيئة كخطيئة تفاحة أدم لا تغتفر فتكون العقوبة مغادرة الفردوس والنزول للارض لمواجهة كل صنوف المعاناة ومكابدة الألم .
إنسابت دموعها على وجنتيها وهى تستعيد نفس مشاعر الوجع وكأنه وليد تلك اللحظة ليحفر عليهما ذكريات غير قابلة للمحو ولا تزول مع الزمن .
أدركت وقتها أن تلك العبارات كانت أصدق ما قيل وما سمعته بحياتها فقد تحققت كنبوءة أو ربما لعنة أصابتها فلم تخطئها .
كانت كلماته لها بمثابة الرصاصة الأخيرة والتي إستقرت بالوتين وكأنها رصاصة الرحمة بالنسبة لها لتجنبها ويلات الإنتظار .
تنهدت وهي تأخذ أخر رشفة من فنجان قهوتها وتطالع الساعة تلك الساعة التي شهدت أخر لقاء بينهما وما زالت تشير من خلف زجاجها المكسور للساعة التاسعة مساء ذلك اليوم بينما الوقت الآن بتوقيت ألمها يقترب من الفجر أرقًا وشغفًا .
ضحكت تلك الضحكة التي تختزل كل الألم والوجع الذي ما زالت تحتفظ به منذ خمسة عشر عامًا عندما سقطت هذه الساعة من يدها بهذا التوقيت على وقع كلماته القاسية عليهما رغم صدقها . وقعت من يدها لتتوقف عقاربها وتتوقف معها الحياة لتبدأ مرحلة أخرى من الحياة بطعم القهوة المرة والتي وبرغم مرارتها نتعاطاها رشفة رشفة .
توقفت عقارب الساعة عند نفس الأرقام التي تشير للتاسعة لتظل شاهدة على إحدى الهزائم المتكررة والخيبات المتلاحقة وكسر لم يصب فقط زجاج الساعة من الخارج إنما أصاب الروح والقلب معًا حتى استقر بالوتين .
وما الزجاج إلا ذكرى لهذا الإنكسار .
مره أخرى نظرت للساعة ولعقاربها ووارتها بمعصمها لتذكرها دومًا بذلك الموعد والوعد الذي لم يتحقق وبالحلم الغائب الذي ذهب ولم ولن يعود رغم مرور كل هذه السنوات العجاف .

أيمن موسى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: