الأربعاء , أكتوبر 21 2020

ضياف البراق يكتب ٠٠ كل المجد لي!

دومًا أظنني وُلِدْتُ كسولًا، غير قادر على تأدية أي نشاط كان، سوى التأمل والنوم والكسب المعيشي البسيط، وأنني لستُ مسؤولًا ولا عن أيّ شيءٍ آخرَ غير شخصي هذا. مؤخرًا، اكتشفتُ أنني عاجز أيضًا عن أن أكون اِجتماعيًا. هذا شيء كريه، أعرِف، طبعًا، لكنه خارج عن سياق إرادتي. وفي كثيرٍ من الأحيان، عندما أخالط مجموعة من الناس لمدة تزيد عن ساعة، أو عندما أكون وسط الأصدقاء، أو رفقة بعض الزملاء، لا شكَّ يصيبني التعبُ سريعًا، وأحسُّ الضجرَ يخنقني من الداخل. أظن أن هذه المشكلة الخطيرة، أي حالة عدم الفاعلية الجيدة مع الحياة، ومع أنشطة المجتمع، سببها طبيعتي الكَسْلى فحسب. أجل، أنا كائن بارد أو عديم الطاقة، ثقيل الحركة دائمًا، أعجز حتّى عن غسل جواربي، فكيف بتنظيف الغرفة حيث أسكن، أو الاهتمام بنفسي بشكلٍ جيد، وأحيانًا أعجز عن إشعال سيجارتي، ولهذا، وبكل تأكيد، أعشق النوم والعزلة، كثيرًا، وأكره السفريات والرحلات، والمشاركة في مهرجانات اجتماعية، ولا أحضر الندوات الثقافية أو الأدبية، وكذلك لا أحضر باقي الأنشطة، اللعينة منها أو الرائعة، إلَّا بمعجزة أو بالقوة. إنني، بحكم كسلي الفطري “المجيد!”، صرتُ أعيش حياتي بخطوات بطيئة جدًّا، وأمارس بعض أنشطتي الضرورية، الخاصة، بأسلوبية متراخية ورديئة معًا، أو بعبارة أخرى، بعشوائية مُقرِفَة كثيرًا.. وهكذا، أيضًا، عندما أقرأ أو أكتب، أو عندما أؤدي بعض الواجبات التي أعيش منها، وعلى الرغم من كل هذا العجز الكارثي، فإنني لستُ أضيق بنفسي، ولا أخجل من شخصي الكسول، إلَّا في حالات خاصة وأوقات نادرة. أولئك الناس الفعّالون، والعجولون في كل شيء، والمثاليّون الذين يتحدثون باستمرار، أو بحماسٍ مُفرِط، عن الأعمال المُهِمة، أو عن منجزاتهم الشخصية الضخمة، سوف أقولها باختصار شديد: لا أطيق مجالستهم إلّا عند الضرورة القصوى. وأيضًا، أكره هراءات التنمية البشرية، وبخاصة دروسها المعتوهة التي تُحرِّض المرء على الحيوية والنشاط، وتدعوه إلى التنظيم الحياتي المكثَّف، وإلى الاستفادة القصوى من الوقت والسرعة في إنجاز الواجبات والأعمال على الدوام (يا لها من دروس ظالمة، ضد الإنسانية!). إنني لا أبالي بما تقوله أفواه التنمية البشرية، ولا بنصائح المرشدين في مجال السرعة والعمل، ولا بالنقد الموجَّه ضد كسلي المحترم، إذ إنني لا أمتلك طموحات كبيرة، ولا ظيفة أخرى غير الكتابة واللا مبالاة، ولا أحلُم، إطلاقًا، بأن أصبح رجل أعمال أو صاحب مؤسسة مالية كبيرة، وإنما أريد أن أعيش حياتي بكل بساطة، بعيدًا عن التكاليف الفتّاكة والالتزامات المُضجِرة للمزاج. وبما أنني كسول عالمي فَذّ، فلا تخافوا منّي؛ كوني لن أصبح يومًا مجرمًا ضدكم، ولن أشارك في حروب العصابات، ولن أؤذي أي أحد، فالكسالى، بطبيعتهم، أشخاص غير مزعجين ولا حسودين، بل إنهم طيبون دومًا، يكرهون الظلم، وبعيدون كل البُعد عن الكراهية، ولا علاقة لهم بمهنة التجسس على الناس، إنهم يهربون من جميع الأنشطة الثقيلة والخطيرة. لكنهم، بحسب جاري السكران، أقدر الناس على الإبداع الجمالي، لا سيما الفلسفي والأدبي والفني، وعلى التسامح والصبر أمام قسوة الحياة والنسيان السريع، والأهم من ذلك، قدرتهم الفائقة على امتصاص الصدمات. إلَّا أن أغلب الناس، في كل مجتمع، يشتمون الكسالى! عمومًا، لا مشكلة. وأخيرًا، هنالك فلاسفة كبار امتدحوا الكسَل، من ضمنهم الفيلسوف الهندي الشهير، أوشو، الذي يقول بكل صدق:” لو أصاب الكَسَل العالم، لكان العالم أفضل، وأكثر جمالًا ولما عرفنا الحروب، ولا الأسلحة النووية، ولا الأسلحة الذرية، لا الجرائم، لا السجون، لا رجال الشرطة، لا رئيس جمهورية أو رئيس حكومة، فالبشر الكسالى لن يفكروا بمثل هذه التفاهات. فكِّرْ بذلك ولو للحظة. هل عرفتَ كسولًا اِرتكبَ خطأً ما؟”. بعد كل هذا، فمن حقي أن أهتف بالصوت العالي: لكم المجد، كل المجد، يا كسالى العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: