الأحد , سبتمبر 19 2021

القهاوى.. مسرحا للحياة!

كتب:مصطفي شريف

وفى رحلة قصير.. يطوف بنا عبدالمنعم شميس على قهاوى القاهرة.. فهى قهاوى وليست “مقاهى”.. إذ يعتبرها كاتبنا أن هذا اللفظ فذلكة!
وانقسمت القهاوي إلى قهاوى بلدية وأخرى على النظام الأوربى وهناك القهاوى النوبية. وكان لكل طائفة من الحرفيين قهوة خاصة بهم يجتمعون فيها للنظر فى أحوالهم.
وكانت القهوة تقدم فى آنية صغيرة تشبه قشر البيضة مقطوعة نصفين من وسطها.. وتوضع الفناجين على آنية أخرى صغيرة تسمى بالظروف تشبة التى يوضع فيها البيض.. وكانت فناجين الأغنياء تصنع من الخزف أو البورسلبن والظرف من الذهب أو الفضة.. أما فناجين الفقراء تصنع من الخزف والظرف من النخاس.
ومع الوقت تم الاستغناء عن الظرف وأصبحت القهوة تقدم بدون ظرف وتسمى فناجين بيشة.
القهاوي لم تكن مكان للجلوس لشرب القهوة والدخان وحسب بل كانت مسرحا للحياة.. فيه كل أشكال الفنون .. عوالم وغوازى.. منه المحتشم والفاحش. ويحكى الجبرتى ان قهاوي القاهرة كانت تغلق فى نهار رمضان وتفتح بعد الإفطار.. ولكن العساكر العثمانلية الذين يفطرون فى نهار رمضان لم يعجبهم إغلاق القهاوي.. فكانوا يكسرون أبوابها لشرب القهوة وتدخين شبك الدخان!
ووقت الاحتلال الفرنسى.. أقام الفرنسيون ملهى “كيغلولى” فى حى الأزبكية.. وكان مخصوص لضباط وجنود فرنسا.. وقلدهم المصريون فى ذلك وأقاموا بعض الملاهى فى البيوت المغلقة وانتشرت الفواحش! بل كانت قهاوى الأزبكية تقدم ألعن الراقصات المنافية للاداب العامه مثل رقصة ” النحلة” ورقصة “القلة”.
وكان من الفنون السائدة على القهاوى.. السير الشعبية والرقص من العوالم والغناء.. والعاب خيال الظل التى يعتبرها بعض الدارسين الأجانب أساس فن السينما..وكان هناك وفن الأدباتى.. وكان يبدأ فيها الأدباء عادة :
– انا الأديب الأدباتى.
وبعدها يبدأ يروى حكايته على أنغام طبلة صغيرة بأسلوب زجلى مرتجل يتناول الحياة العامة بالسخرية.. ومن اشهر الادباتية عبدالله النديم فى مجلس المنشاوى باشا صديق عرابى بطنطا قبل أن يصبح خطيبا للثورة. ومع الوقت اندثرت شخصية الأدباتى وظهرت على صفحات المجلات الفكاهية شخصية صاحب الارغول .. وهى حكايات زجلية تبدأ بالعبارة الشهيرة :
– الاولة آه.. والتانية آه.. والتالته آه.
ويذكر أن بيرم التونسى هو أول من كتب الارغول.
– كانت هذه الفنون تعرف بالفنون القولية التى تعتمد على الارتجال .. ومن هذه الفنون “فن القافية” .. وكان يبدأ بسخرية لاذعة ليرد صاحبه “اشمعنى”.. وهى اختصار لكلمة ايش يعنى.. وكان هناك قهوة بجوار السيدة نفيسة اشتهرت بمباريات القافية كل ليلة.. واشتهرت قهاوى حى الحسين بملوك القافية.. ومع الوقت انتقل هذا الفن إلى المسرح والإذاعة.
– كان من أهم الفنون التى تقدم على القهاوى الإنشاد ورواية الملاحم والسير.. وكان يطلق عليهم شعراء.. ومنهم فرقة تحتكر سيرة الظاهرة بيبرس ويسمى أعضاؤها بالمحدثين. . وفرقة أخرى تحتكر سيرة ابى زيد الهلالى وكانت هذه الفرقة من الأكثر عددا .. وهناك الفرقة المحتكرة لسيرة عنترة العبسى ويسمى رجالها بالعنترية. وكان هناك قهاوى بالقاهرة مشهورة بسير أخرى مثل سيرة ذات الهمة وعلى الزيبق.
– “بتوع رمز” ..الغالب أن إطلاق اسم (رمز) على هذه الطائفة يرجع الى انهم كانوا حكايتهم يستخدمون أسلوب الرمز.. وأعضاء هذه الفرق مثل البهلوانات من الرجال والنساء لهم ازياء صارخة الألوان.. وكانوا يقومون بعمل ماكياج لوجوههم بالاصباغ والألوان.. ويشتهرون بحركات الاكروبات مع قولهم حكاية قصيرة هى فى الغالب خيالية قد تكون حكاية غرامية مجهولة.. وقد تكون حكاية من أحد العصور تتناول مشكلة اجتماعية.. وعادة تتكون الفرقة من رجل وامرأة فهى مشاهد تمثيلية تختلط فيها حركات الاكروبات مع تبادل كلمات الحكاية .. وبعد انتهاء المشاهد التمثيلية يبدأ بتوع رمز بالطواف على زبائن القهوة لجمع العملات.
– وكان هناك أيضا “الحكواتى” .. وهو أحد شخصيات القهاوى البلدى بالقاهرة ويحكى حكاية تناسب زمنه وظروف سامعيه.. وكان الحكواتى يجلس على دكة فى القهوة.. وكان جمهور الحكواتى يشترك معه فى الحكاية عن طريق السؤال.. أو يقول أحدهم : “أكمل” ليستحث الحكواتى لإكمال حكايته.. اشتهرت إحدى القهاوى بحى السيدة عائشة بوجود حكواتي يحكى حكايات عن نوادر الحشاشين.
– ومن أطرف القهاوى هى تلك التى يقام بها صراع الديكه.. فقد كان صراع الديوك الهندية فى القاهرة.. فقد كان فنا من الفنون التى تعرضها القهاوى البلدية.. وكانت تستخدم فيها عبارت التشجيع المسجوعة بألفاظ تعتبر من التراث الشعبى مثل قولهم :
– أكسر جناحه قبل ما يكسر جناحك. وكان يتم عليها المراهنات إلى أن منعتها الحكومة .
– كتاب “قهاوى الأدب والفن فى القاهرة” يبدو أنه كتب على عجل ولم تتم مراجعته عن طباعته.. فكما هو واضح مجموعة من المقالات كتبت من الذاكرة وتم تجميعها فى كتاب.. ونحمد الله أنه تم حفظها فى هذا الكتاب الصغير.. فبالرغم بعد التكرار.. إلا أن الكتب شيق وممتع جدا وبه من المعلومات عن فنون القهاوى مما يصعب جمعه الآن بعد أن أصبحت هذه الفنون فى خبر كان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: