محمد الإدريسي يكتب :جدلية النص والمنهج في النقد الأدبي: التاريخ والتطور

  نشأت العلاقة بين المقاربات العلمية للعمل الأدبي والنص في ظروف معرفية طبعتها روح العلمية، وقد تجاذبت فيها بين الوضوح من جهة و الالتباس من جهة ثانية، فبعد التطور الذي عرفته العلوم الحقة (الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات…)، كان من أهم ما نتج عن هذا التطور اقتحام بعض المفاهيم والنظريات مجال الأدب، كنظرية التطور لداروين وبعض نظريات علم النباتات مع كل من ( Ferdinaud Brunetiére) و(Hippolyte Tine) هذه النزعة العلمية سرعان ما ستخلف أثرا بالغا في نفوس مؤرخي الأدب الشيء الذي جعل (Gustave Lansrn) يغير من وجهة هذه النزعة العلمية المفرطة لينحو بها نحو بناء تاريخ للأدب. ولم تكتف المقاربات الأدبية بالتاريخ فقط بما في ذلك مقولات العصر والجنس والبيئة، وإنما سعت إلى ربط الأدب بشكل انعكاسي بمجتمعه بداية مع مدام دي ستايل (M .D.Stael ) في كتابها “الأدب في علاقته بالمؤسسات الاجتماعية” مرورا بعلم اجتماع الأدب الفني مع لوكاتش وتلميذه لوسيان كولدمان(الفرضيات الخمس)، وقد أسهم هذا الأخير بقسط وافر من الدراسات التي بلغت من التماسك المفاهيمي الشيء الكثير. وصولا إلى أصحاب علم اجتماع النص الذين استفادوا  من معطيات علم النص والسوسيولوجيا على وجه التحديد، ومن أبرز من مثل هؤلاء الناقد الروسي(Mikhail. Bakhtiin) والناقد التشيكي( Pierre Zima).  ولكن قبل ذلك كانت النزعة الشكلية مع الشكلانيين الروس قد أرست دعائم مقاربة جديدة في تناول الأثر الأدبي مستفيدة مما توصلت إليه حلقة موسكو اللغوية وجماعة أبوياز مع كل من رومان جاكوبسون (Roman Jakobson ) وفيكتور شكلوفسكي  وبوريس إخنباوم ( Boris Eikenbaum) ، حيث كان شغلهم الشاغل البحث في خصوصية العمل الأدبي، أي ما يجعله معطى أدبيا شكلا ومضمونا.

أما البنيوية فقد تحررت من سلطة المجتمع والكاتب، حيث وصل الحال بأصحاب هذا الاتجاه أن أعلنوا موت المؤلف، الشيء الذي أسهم في بناء نظرية أدبية تقوم وفق مبدأ النص    ولا شيء غير النص، أي البحث في بنية مغلقة لا تعترف إلا بوحدات النص اللغوية(الفونيم/المونيم….)؛ إذْ كانت بنيوية دي سوسير المحراب الذي انطلقت منه ترانيم البنيوية الأدبية.

بعدما فشلت البنيوية في تفسير الأدب تفسيرا جوانيا (داخليا) خالصا، وبرزت دراسات في إطار البنيوية الفرنسية الجديدة تربط العمل الأدبي بجذوره الفنية(المتعاليات النصية، التناص، المتناص ….)، ظهرت في الوقت نفسه تيارات أدبية جديدة أطلق على تسميتها اتجاهات ما بعد البنيوية،(السيميائيات/الأسلوبية/النقد النسوي…) وكانت الدراسة التفكيكية مع جاك دريدا Jacques Derrida)) من بين هذه الاتجاهات، حيث سعت إلى خلق نوع من التمازج بين الأثر الأدبي والخطاب الفلسفي في الكتابة والكلام، مما جعل النقد الأمريكي ينسلخ عن مؤثرات الشكلية الروسية  مع النقاد الجدد(رني وليك، أوستين وارين…)  ويتبنى هذه النظرة الجديدة التي تقوم على كشف الاختلاف الدائم في الكتابة بناءا على ثنائية الهدم والبناء. كما  يمكن الإشارة إلى بعض الاتجاهات الأخرى التي ركزت على النُظم الأركيولوجية التي تشكل الخطاب.

بيد أن تلك المقاربات النقدية، السالفة الذكر، تتوزع بين قطبين (النص/ المؤثرات الخارجية)، محاولة تفسير الأدب تفسيرا يخضع لمنطق الواقع أو للمنطق اللساني الصرف؛ الأمر الذي سيؤدي إلى ظهور نظريات تخرج عن هذه الثنائية لتتجه نحو القارئ باعتباره القطب الذي تنتهي إليه الأعمال الإبداعية، هذا الاتجاه الذي سيولد مع مدرسة كوستونس الألمانية بريادة المؤرخ الأدبي هانز ربير ياوس(Yauss.R. H وفولفغانغ إيزرWolfgan. Lser) تحت مسمى نظرية التلقي/جماليات التلقي، حيث استند ياوس إلى خلفية فلسفية تنهل من  الفلسفة الظاهراتية والفلسفة التأويلية (الهيرمنوطيقا/Herméneutique) وخلفيات أخرى،  ليتتبع تفاعلات القارئ مع الأثر الأدبي.

 بناء على هذا التتبع الكرونولوجي لمختلف المقاربات النقدية التي حاولت رصد المسوغات الأدبية التي تحكمت في إنتاج النصوص، يبدو أن الوشائج التي ربطت النص الأدبي بالمناهج أو الطرق التي استخدمت لتحليله عبر تاريخ نظرية الأدب، هي روابط ذات منحى جدلي بين النص والمنهج. فلا يمكن تتبع النص وسبر أغواره إلا إذا توقفنا عند مفاهيم إجرائية منهجية تشكل الوجه الآخر للنص، وبالتالي فنحن أمام ثنائية جدلية تشبه إلى حد كبير العملة النقدية التي لا يمكن تمزيق وجهها الأول دون تمزيق الوجه الثاني، ونحن إذ نؤكد هذه الجدلية في المقاربة النقدية، فلأننا نؤمن بأن المنهج يسعى دائما إلى إثراء والتفسير والتحليل مع إضاءة التعتيمات التي تختزنها النصوص وليس مجرد تطبيق منهجي ميكانيكي أجوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: