مصطفي الفيتوري يكتب :من برلين الي نيويورك –الشياطين والملائكة والنتائج والمطبات

لم يكن مؤتمر برلين يسعى لأيجاد حل للكارثة الليبية ولهذا خاب ظن من عولوا عليه في هذا الجانب ولكنه كان مؤتمرا دوليا للمساعدة في بداية الحل.الحل الحقيقي بأيدي الليبيين أن هم أستفاقوا وارادوا أنقاذ بلدهم أو ما تبقى منها. ونزولا عند رغبة كثيرين أردت أن أدلى ببعض الملاحطات حول المؤتمر وتوصياته الـ55 التي أنتهى اليها.
لماذا مؤتمر برلين مختلف: أنعقد حتى الان أكثر من 3 مؤتمرات منذ العام 2014 ذات صبغة دولية حول ليبيا وكلها كانت تكرار لبعضها بشكل ما: يلتقي بعض روؤساء الدول الكبرى وبعض الأطراف الليبية ويتفقون على كلام مكرر عن أنهاء الحرب والحل السياسي وينفض الأجتماع ويبقى كل شئ كما كان قبل اللقاء بل ويتخلى الجميع عن اي ألتزام! أثنان من تلك المؤتمرات كانت في باريس وحدها أيام مناكفتها لأيطاليا. اما هذه المرة فقد أستفاذ غسان سلامة من التجارب السابقة فعمل بصمت وبعيدا عن الأضواء (منذ اغسطس 2019) لكي يحدد أحد مهام مؤتمر برلين تحديدا دقيقا وهي/ منع تدفق السلاح والمقاتلين الي ليبيا على أن يتم ذلك بقرار أممي جامع قابل للتنفيذ وقابل للتحقق منه! فجمع الدول الخمسة صاحبة حق النقض في برلين وطلب منها الموافقة على ذلك وهذا ما حدث حيث تم الإتفاق على أنشاء لجنة فنية من الحاضرين في برلين للتحقق من تنفيذ الحظر (وفق قراري مجلس الأمن 1970 و1973 وما تلاهما). وبادر الأوربيون لتقديم حسن النية فقرر وزراء خارجية الأتحاد الأوربي في اجتماعهم الآسبوع الماضي تطوير عملية صوفيا ــ بعد أحياءها ــ بحيث تتحول من عملية أنقاذ للمهاجرين الي عملية مراقبة نقل السلاح والعتاد والمرتزقة الي ليبيا. وكانت عملية صوفيا قد توقفت لأسباب أوربية أولا منذ عام تقريبا.
مجلس الأمن: من المقرر أن يجتمع بخصوص ليبيا يوم الثلاثاء القادم ليدرس تحويل توصيات برلين الي قرار ملزم (أو هذا ما يريده غسان سلامه على الأقل) ولأن الخمسة الكبار قد تعهدوا بهذا في برلين قبل أقل من أسبوعين في فمن غير المتوقع أن ينفرط عقد أجماعهم في نيويورك! ولكن أختلافهم ــ بما يعطل مجلس الأمن ــ وارد لأن التفاصيل دائما مفسدة للأجماع وبها الكثير من الشياطين!
شياطين نيويورك: (1) شيطان الصدفة: نقل المرتزقة السوريين الي طرابلس مثلا صدفة نادرة الحدوث في تاريخ الحروب وشاءت الأقدار أن تحدث في ليبيا التي منها يأتي كل جديد! فأخراج هؤلاء من سوريا مما يضعف قوتهم مصلحة روسية (روسيا تريد أن يستعيد الجيش السوري أدلب وهؤلاء عقبة) ونقلهم الي ليبيا مصلحة تركية (الأفضل أن يموتوا هم في ليبيا لا جنود أتراك أصليين!) مع ان تركيا وروسيا مختلفتان في ليبيا وكلا منهما يدعم طرفا يقاتل الاخر الا أن شيطان الصدف جمع مصلحتيهما وربما دون حسابات! ولهذا وجدت أنقرا وموسكو سهولة في أعلان وقف اطلاق النار يوم 12 يناير الي أن يجدا حلا لهذا التناقض الذي قد يهدد توافقهما النسبي في سوريا! برلين وفرت لهما فرصة لحل المعضلة ولو برميها امام باب العالم ليرى ما هو فاعلا! وجود هؤلاء (المرتزقة) في ليبيا يعني وجودهم على أبواب أوربا وهذا جعل الأوربيين يرتعدون من فكرة وصولهم اليهم! (2) الشيطان الآخر الذي قد يهدد وحدة مجلس الأمن هو الولايات المتحدة. فهذه عادت تسكنها الهواجس من الدور الروسي في ليبيا ولهذا زادت حساسيتها ضد اي عمل روسي هناك ولن أستغرب أن أستخدمت واشنطن الفيتو في نيويورك ضد ما وافقت عليه في برلين! حتى وأن بداء ذلك دعما لجانب ضد أخر في الحرب! وادارة ترمب ليس غريبا عليها التخلي عن تعهدات وألتزامات الولايات المتحدة وشواهدها كثيرة من الأتفاق النووي الأيراني الي أتفاق باريس حول المناخ الي أتفاقية نافتا مع كندا والمكسيك الي قانون أوباما للتامين الصحي – وان كان شأنا داخليا. (3) ثالث الشياطين هو الشيطان الطرابلسي. في لقاءه مع قناة الجزيرة (على غباءه) الا ان فتحي باشاغا قال شئ مربك ومثير للأهتمام حين وصف اللجنة العسكرية (5+5) التي أٌقترحت في برلين بين الوفاق والجيش ــ لترتيب وقف اطلاق النار رسمياــ حيث قال/ أن تلك اللجنة مهمتها فقط “ترتيب فك الأشتباك” وهذا يعني ان ممثلي الوفاق (سيكونون من العسكريين المحترفين اذ لن يقبل زعماء المليشيات ولن يٌقبلوا كمفاوضين في الأمر) لن يكون في مقدورهم ما هو أكثر لأن القرار العسكري ليس بيد المحترفين هناك وانما بيد من يقودون القتال وهولاء ليسوا عسكريين محترفين ولهم حساباتهم وبعضها يتناقض تماما ما قد تريده الأصوات العسكرية والسياسية العاقلة أو وجدت! ولهذا قد تنهار الهدنة نهائيا قبل أن ينعقد مجلس الأمن الأسبوع القادم وان كان هذا ليس في مصلحة أحد.(4) اما الشيطان الرابع والأخير فهو شيطان النفط الذي تم وقف تصديره وأنتاجه! طبعا ليس من مصلحة الجيش أن ينعقد مجلس الأمن وتهمة أيقاف النفط ملتصقة به ولكنه قد يستخدمها مؤيدوه في نيويورك لتحقيق مكاسب نيابة عنه بان يطلبوا مقابلا لفتح صمامات النفط ثانية! ويظل القرار عبثيا وأتوقع التراجع عنه وربما قبل أنعقاد مجلس الأمن كما حدث في مرة سابقة! طبعا لابد من القول أن تواجد المرتزقة على جانبي الجبهة أمرا مرفوضا ومدانا ومقيتا ولن يساعد على الحل.
النتائج: أوصى المجتمعون في برلين بعدد 55 توصية تشمل كافة جوانب الأزمة وتقرر نقل هذة التوصيات الي مجلس الأمن المقرر أنعقاده يوم 29 يناير 2020 لتبنيها في صيغة محددة: اما قرار ملزم تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أو بيان جماعي للأعضاء الخمسة عشر وليس بيان رئاسي كما جرت العادة غالبا. ان تجاوز المجلس تلك الشياطين وألجمها في مخادعها فقد نكون امام أول محاولة دولية جادة لتركيز حل الأزمة في يد غسان سلامه والليبيين طبعا!
ختاما/ في سوق المبعوثين الدوليين للأمم المتحدة تعتبر ليبيا محظوظة أن كان سلامه من نصيبها في وقت يتولى غوتيرس الامانة العامة فالرجلين يكنان تقديرا خاصا لليبيا وخاصة غوتيرس الذي أرتبط بعلاقات خاصة مع الراحل القذافي ويتألم لما حدث ويحدث في ليبيا. ولا يفوتني أن سلامه قد اطال البقاء كمبعوث لأن غوتيرس يعرف ان لا بديل له حاليا واي بديل اخر سيوقف اي تقدم ويؤجل اي حل. وفي النهاية الحل ليبي وليس أجنبي واذا لم يتفق الليبيون على حل المشكلة بينهم فلن يحلها سلامه وان مكث يبشر بينهم ألف عام! وأهم خطوة مساعدة على الحل هي ان يقطع الليبيون اي تدخل أجنبي فيما بينهم وهذا يتم فقط متى رفضوا اي عرض مهما كان برئيا يأتيهم من الخارج ويقفوا بنية حسنة وراء مبادرات سلامه متى عاينوا صوابها من اعطابها!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: