ينقصني طيف امرأة لروايتي ……. بقلم : البازي عيسى

ينقصني طيف امرأة لروايتي…

كلُ ليلةٍ أضيء شمعةً ، وأستهلكها دون أن أكتبَ كلمة، وأدخن نصف علبة سجائري بلا فائدةٍ تذكر، وأحتسي ثلاثةَ فناجين من القهوة، ولا أخطُّ حرفاً …
ليس غريباً أن يحدث ذلك في غرفتي التي صارت بلا أنفاس امرأة تعطر ذاكرتي وتستثيرها ، ولهذا لابد لي من مكانٍ آخر أكثرُ هدوءاً من غرفتي التي تعجُّ بأصدقاء غير مرغوبين، مشاكلهم ونزاعاتهم، وتحرير صفقاتهم التجارية، ومشاكلهم مع زوجاتهم لايعرفون حلها إلا عندما ألجأ لطاولتي كي أكتب… هذه الغرفة حلّت عليها لعنةٌ افقدتها عذريتها، فصارت تغص بهم من حولي…
أصدقائي اللامرئيون يزعجونني بمشاكلهم، وأنا أعرف صديقتي تكره هذه الأجواء والأحاديث؛ لذلك فهي تعتذر مني كل ليلة بسبب وجودهم ولا تأتي، وأنا أفقد قصةً أحلم بكتابتها كل ليلة …
هكذا هم الأصدقاء دائماً ، إنهم مثيرون للمشاكل، وحاسدون،

كلّ مساء هنا في هذا البلد الذي هربتُ إليه خوفاً من الحرب المجنونة الدائرة هناك في الوطن، أخرج متأبطاً أدوات الرسم؛ لأتخذ مكاناً منزوياً على الشاطئ ، وأمارس هوايتي التي كدتُ أن أنساها…
عشرُ لوحاتٍ خلال هذا الشهر استطعتُ إنجازها، وكلما عدتُ بلوحةٍ إلى غرفتي التي انتشرت أغراضها… رواياتي، وقصصي، وملابسي، وحتى حاسوبي وأوراقي التي كانت ملقاة هنا وهناك كيفما اتفق، فإنني أضع اللوحة الجديدة جانب اللوحات السابقة…
الليلة قررتُ أن ألقي نظرةً على ما أنجزته، يا إلهي اللوحة الأولى تشبه الثانية والثالثة و… وحتى الأخيرة… !! .
كلُّ لوحاتي هي ذات اللوحة، لا أعرف ماذا أصابني؟!
ربما سوء فهم بين عقلي، ويدي، وتآمرت معهما الألوان والأقلام…
أترك اللوحات جانباً ، وبملل شديد أشعل سيجارةً ، وأتناول أحد الدفاتر التي أخطّ فيها قصصي قبل أن أقوم بكتابتها وتعديلها على جهاز الحاسوب؛ لأقرأ فيه عشرَ صفحاتٍ متتاليةً وكأنها صورة طبق الأصل عن الصفحة الأولى، إنها تتحدث عن قصتي مع الشاطئ حيث أجلس كل يوم وأرسم لوحاتي…
لا أعرف سبباً لهذا التكرار في كل شيء، أشعر بعدم توازنٍ في تفكيري، ربما كنتُ بحاجةٍ لفنجان قهوة ليعتدلَ مزاجي المترنّح…
أعدتُ نشر رسوماتي في محاولةٍ لإيجاد فوارق بينها ، ولكنني عبثاً حاولت، إنها ذاتُ العيون، وذات الشعر، وتلك الإبتسامة الرقيقة التي مازالت مرتسمةً في مخيلتي فوق شفتين عطشتين دوماً …
ربما تلك السيجارة لم تشبع جوعي المخموص، أتناول سيجارةً أخرى وأهمُّ بإشعالها؛ لتقع عيني على إحدى الصور فأقف مذهولاً، فارقٌ عجيب يميزها عن غيرها…
يا إلهي…!!
( السنسال ) الذهبي الذي ارسمهُ في عنق هذه الفتاةِ الجميلة التي أتخيلها كلما هممتُ بالرسم، كان يخفي تحت القلبِ المعلقِ فيه، تماماً عند نهدها الأيسر شامةً فائقةَ الجمال، وكأنها نقطةُ عنبرٍ سقطت على صفحةِ رخامٍ أبيض، لامعةٌ رغم سوادها…
نعم إنها هي الصورةُ التي سأعلقها هنا في غرفتي الباردة أمام سريري، كي أراها كلما استيقظت فتدفعني للكتابة عن الجمالِ والطبيعةِ الفاتنة، وباقي الصور سأبيعها في مزادِ هواةِ الرسم في العطلة القادمة، فهي لاتخصّ حبيبتي…
صحيحٌ أنّ صديقتي كانت تتذمرُ من زياراتِ أصدقائي كل ليلة، إلا أنها باتت معي كلَّ حين، فما أن يرحل الجميع، وأطفئ الأنوار وأستلقي مخموراً في سريري حتى تسقط تلك الصورة وتستلقي إلى جانبي تداعب وجهي وشعري، وأميل إليها بقبلاتٍ عشوائيةٍ متمردةٍ عابثة، وتمنحني ليلةً جميلة من الحبّ ، ومع شروق الشمس تغادر سريري وتعود إلى إطارها بعد أن تعدلَ القلب في سلسلتها الذهبية ليغطي تلك الشامة الجميلة، وكلّ ذلك في استحياءٍ جميلٍ …!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: