عازف الكمان الأشقر …….. بقلم : البازي عيسى

– عازف- عازف الكمان الأشقر …

في ( كوريدور ) الجامعة والمواجهِ للمدرج الأول ، وقرب درجِ مكتبةِ كلية الآداب تجمّع الشبابُ بعد انتهاء المحاضرة الأولى ندخنُ ونتابعُ بكثيرٍ من شوق هذا الجمال الذي بدأ يتناثرُ هنا وهناك كأزهار الربيع ، ففتيات كليتنا بجميع أقسامها من أجمل بناتِ الجامعة، وأجملهنّ بلا مواربة فتياتُ قسم اللغة الفرنسية، فمِن عندهن كانت تخرج الموضة لكل عام، فتكتسي الجامعة بحلةٍ جميلة هنّ يصنعنها لمتتبّعات الموضة بألوانها، وحتى عطورها…
أصدقائي بكثيرٍ من ذهول يصفون الأرداف ، ويتطاولون بوصف النهود ، ويتجرأون بالصفير تارةً عند كل مشهدٍ أخّاذ يطلّ علينا، وأنا صامتٌ أنتظر مرور ( رنا ) ؛ رنا الفتاة الشقراء التي كانت تفرض جوّاً من الرهبة الممزوجةِ بالإعجاب أثناءَ اجتيازها المعتادِ في مثل هذه الساعة كل يوم فهي الفتاة المسيحية الرائعة التي أحببتها من قسم اللغة الفرنسية؛ إذ يخفقُ قلبي دوماً لدى مرورها، فترمقني بنظرةٍ ساحرةٍ من بين الجميع، والذين تبدو على وجوههم ابتساماتٍ بلهاء، فينسون صبيانيّتهم ورعونتهم جانباً ، فكلهم يعرف مدى إعجابي بها لذلك لم يكن أحدٌ منهم يحاولُ الإساءةَ لها بأيةِ كلمةٍ أو أيةِ لمزة…
من قال: إن الشباب بلا ضمير أو (ناموس) أمام جمال الفتيات، فجأةً تدبّ النخوة في رؤوسهم، ويبدون حضاريين عندما تمرّ فتاةُ أحدهم، وكان هذا الشعور متبادلً من الجميع، فهل وعَوا قول الشاعر :
( وأغضّ طرفي مابدت لي جارتي….
أم أن شيئاً آخر كان يلجُمهم في مثل هذه المواقف؟!
ليس مهماً ذلك الأمر، والمهم هو المروءة التي لم تغب عن وقوفنا هنا كل يوم…
رنا… اليوم توقفت أمام الجميع وناولتني ظرفاً مغلقاً وسط ذهولِ رفاقي الذين فغروا أفواههم بكثيرٍ من حسدٍ مشوبٍ بإعجاب…
ورحلت تاركةً رائحةَ عطرها ليستنشقه الجميع ، بينما تزداد ضربات قلبي وتتسارع خفقاته فأحتاج لمزيدٍ من الهواء لتغطية اضطرابي، أو ربما كان أنفي يغار على عطرها أن يشمَّه الآخرون، فيسارع لارتشافه من بينهم والاستحواذ عليه كلّه…
وبكلِّ لؤمٍ أخفيتٰ المغلفَ عن عيونهم الجائعةِ وابتعدتُ عنهم تاركاً الدهشةَ تأكل قلوبهم وعقولهم، وحتى أفواههم الفاغرةِ ببلاهةٍ جميلةٍ …
محاضراتُ اليوم لم تعد تهمني؛ لذلك قررتُ العودة إلى غرفتي لمعرفة محتوى هذا المغلف…
وقبل أن ارتبَ ملابسي وكتبي فضضتُ المغلف، ويالها من مفاجأة :
اصطحب (كمانك) فأنت مدعوّ لحفلة عيد ميلادي مساء هذا اليوم …
مساءً كنت أول المدعوين وصولاً ، وفي صالة المنزلِ الكبيرةِ والمزينة بأبهى الزينات والأضواء، وعلى طاولةٍ كبيرةٍ مرتبة تمدَّد قالب الحلوى الرائع فاستقبلتني ( رنا ) بكل أناقتها وبقبلةٍ هزّت أعماقي بقوة…
بدأ أصدقاء رنا بالحضور تباعاً، وكانت فقرتي أولاً حيث بدأتها بمعزوفة لأغنية ( أهواك ) التي أطلتُ فيها وأبدعت حين احتضنتُ كماني الذي راح ينزفُ حبي على سلم الجمال فراح يتراقص من حولي، وأبدعت سحر في رقصةٍ منفردةٍ بثوبها الأحمر القصير والضيّق معاً ، والذي انرج من ناحية الصدر فراح يصف مفردات الموسيقا بدقةٍ متناهية، وانسجام بديع، وتثنّت ببراعة فأشعلت الصالة بالتصفيق، ودفعني ذلك إلى مزيدٍ من العزف لساعةٍ كاملة…
ضجّت الصالةُ بتصفيقٍ حار حين توقفنا جميعاً ، بينما راحت رنا تقطع الحلوى، وتقدم المشروبات على شرف هذه المناسبة بنفسها ، والتقت الكؤوس ببعضها كما تلاقت العيون والقبلات مع العطور، وأنغام الموسيقا الهادئة…
أمسيةٌ غاب الجميع فيها عن وعيهم ، وسكرت رنا وسحر وراح سامر يهذي ويغني أغانٍ ساقطةً تارةً ، ويطلقُ نكاتٍ بذيئةً تارةً أخرى… بينما حاول أحمد ردعه عن ذلك، فازدادَ صوته الخائرُ ارتفاعاً مائعاً …
ضحكٌ ولهوٌ امتدّ لساعاتٍ لم يقطعه سوى أصواتُ طائراتٍ تجولُ في سماءِ هذه الأمسيةِ الفريدة…
خافت رنا والتصقت بي تضمني بقوة ، وكذلك فعلت بعض الفتياتُ مع أصدقائهن ، رنا التي لم تجرؤ ولا أنا على البوح بما يدور في قلوبنا، وجدناها فرصةً لقولِ كلّ شيءٍ دفعةً واحدةً ، وبكلمةٍ واحدة اختصرنا الطريق كله، ففي مثل هذه اللحظاتِ المخيفةِ يعترفُ المرء بكل مشاعره بجرأة…
أفرغت الطائرةُ غضبها كله فوق بيت رنا وانفجرت الصالةٰ وسقط الجميع وانتشرت الأيدي والرؤوس متهاويةً على الأرض أشلاءً ودماء، رأسي لم يعد في مكانه، وتدحرج بالقرب مني أحد الرؤوس المتطايرة…
تناولته وألصقته بجسدي ودون أي شعور رحتُ أجري خارجاً ، ورأيتُ بعض الأصدقاء قد ألصق رِجلاً ، وآخر تناول ساقاً وخرج الجميع يركضون ويصرخون، من خلالِ الغبار والنار …
وصلتُ غرفتي وكنتُ أشعر بدوارٍ رهيبٍ وكأنني شربتُ عشراتِ الكؤوس، فسقطتُ على سريري محاولاً تصُنّعَ الهدوء ريثما أستعيد توازني…
مرت نصفُ ساعةٍ عندما أيقظني قرعٌ خفيفٌ على باب غرفتي، فنهضتُ متثاقلاً ، وحين فتحتُ البابَ تطاير شعر أشقر كان ينسدل فوق كتفيّ لم أشعر به إلا الآن، وبذهول وجدتُني أمام الباب أرتدي ملابسَ رنا وسنسالها الذهبي يتدلى منه الصليبُ لامعاً بين نهديها المعفرين أطلب مني الدخول… الكمان الأشقر …

في ( كوريدور ) الجامعة والمواجهِ للمدرج الأول ، وقرب درجِ مكتبةِ كلية الآداب تجمّع الشبابُ بعد انتهاء المحاضرة الأولى ندخنُ ونتابعُ بكثيرٍ من شوق هذا الجمال الذي بدأ يتناثرُ هنا وهناك كأزهار الربيع ، ففتيات كليتنا بجميع أقسامها من أجمل بناتِ الجامعة، وأجملهنّ بلا مواربة فتياتُ قسم اللغة الفرنسية، فمِن عندهن كانت تخرج الموضة لكل عام، فتكتسي الجامعة بحلةٍ جميلة هنّ يصنعنها لمتتبّعات الموضة بألوانها، وحتى عطورها…
أصدقائي بكثيرٍ من ذهول يصفون الأرداف ، ويتطاولون بوصف النهود ، ويتجرأون بالصفير تارةً عند كل مشهدٍ أخّاذ يطلّ علينا، وأنا صامتٌ أنتظر مرور ( رنا ) ؛ رنا الفتاة الشقراء التي كانت تفرض جوّاً من الرهبة الممزوجةِ بالإعجاب أثناءَ اجتيازها المعتادِ في مثل هذه الساعة كل يوم فهي الفتاة المسيحية الرائعة التي أحببتها من قسم اللغة الفرنسية؛ إذ يخفقُ قلبي دوماً لدى مرورها، فترمقني بنظرةٍ ساحرةٍ من بين الجميع، والذين تبدو على وجوههم ابتساماتٍ بلهاء، فينسون صبيانيّتهم ورعونتهم جانباً ، فكلهم يعرف مدى إعجابي بها لذلك لم يكن أحدٌ منهم يحاولُ الإساءةَ لها بأيةِ كلمةٍ أو أيةِ لمزة…
من قال: إن الشباب بلا ضمير أو (ناموس) أمام جمال الفتيات، فجأةً تدبّ النخوة في رؤوسهم، ويبدون حضاريين عندما تمرّ فتاةُ أحدهم، وكان هذا الشعور متبادلً من الجميع، فهل وعَوا قول الشاعر :
( وأغضّ طرفي مابدت لي جارتي….
أم أن شيئاً آخر كان يلجُمهم في مثل هذه المواقف؟!
ليس مهماً ذلك الأمر، والمهم هو المروءة التي لم تغب عن وقوفنا هنا كل يوم…
رنا… اليوم توقفت أمام الجميع وناولتني ظرفاً مغلقاً وسط ذهولِ رفاقي الذين فغروا أفواههم بكثيرٍ من حسدٍ مشوبٍ بإعجاب…
ورحلت تاركةً رائحةَ عطرها ليستنشقه الجميع ، بينما تزداد ضربات قلبي وتتسارع خفقاته فأحتاج لمزيدٍ من الهواء لتغطية اضطرابي، أو ربما كان أنفي يغار على عطرها أن يشمَّه الآخرون، فيسارع لارتشافه من بينهم والاستحواذ عليه كلّه…
وبكلِّ لؤمٍ أخفيتٰ المغلفَ عن عيونهم الجائعةِ وابتعدتُ عنهم تاركاً الدهشةَ تأكل قلوبهم وعقولهم، وحتى أفواههم الفاغرةِ ببلاهةٍ جميلةٍ …
محاضراتُ اليوم لم تعد تهمني؛ لذلك قررتُ العودة إلى غرفتي لمعرفة محتوى هذا المغلف…
وقبل أن ارتبَ ملابسي وكتبي فضضتُ المغلف، ويالها من مفاجأة :
اصطحب (كمانك) فأنت مدعوّ لحفلة عيد ميلادي مساء هذا اليوم …
مساءً كنت أول المدعوين وصولاً ، وفي صالة المنزلِ الكبيرةِ والمزينة بأبهى الزينات والأضواء، وعلى طاولةٍ كبيرةٍ مرتبة تمدَّد قالب الحلوى الرائع فاستقبلتني ( رنا ) بكل أناقتها وبقبلةٍ هزّت أعماقي بقوة…
بدأ أصدقاء رنا بالحضور تباعاً، وكانت فقرتي أولاً حيث بدأتها بمعزوفة لأغنية ( أهواك ) التي أطلتُ فيها وأبدعت حين احتضنتُ كماني الذي راح ينزفُ حبي على سلم الجمال فراح يتراقص من حولي، وأبدعت سحر في رقصةٍ منفردةٍ بثوبها الأحمر القصير والضيّق معاً ، والذي انرج من ناحية الصدر فراح يصف مفردات الموسيقا بدقةٍ متناهية، وانسجام بديع، وتثنّت ببراعة فأشعلت الصالة بالتصفيق، ودفعني ذلك إلى مزيدٍ من العزف لساعةٍ كاملة…
ضجّت الصالةُ بتصفيقٍ حار حين توقفنا جميعاً ، بينما راحت رنا تقطع الحلوى، وتقدم المشروبات على شرف هذه المناسبة بنفسها ، والتقت الكؤوس ببعضها كما تلاقت العيون والقبلات مع العطور، وأنغام الموسيقا الهادئة…
أمسيةٌ غاب الجميع فيها عن وعيهم ، وسكرت رنا وسحر وراح سامر يهذي ويغني أغانٍ ساقطةً تارةً ، ويطلقُ نكاتٍ بذيئةً تارةً أخرى… بينما حاول أحمد ردعه عن ذلك، فازدادَ صوته الخائرُ ارتفاعاً مائعاً …
ضحكٌ ولهوٌ امتدّ لساعاتٍ لم يقطعه سوى أصواتُ طائراتٍ تجولُ في سماءِ هذه الأمسيةِ الفريدة…
خافت رنا والتصقت بي تضمني بقوة ، وكذلك فعلت بعض الفتياتُ مع أصدقائهن ، رنا التي لم تجرؤ ولا أنا على البوح بما يدور في قلوبنا، وجدناها فرصةً لقولِ كلّ شيءٍ دفعةً واحدةً ، وبكلمةٍ واحدة اختصرنا الطريق كله، ففي مثل هذه اللحظاتِ المخيفةِ يعترفُ المرء بكل مشاعره بجرأة…
أفرغت الطائرةُ غضبها كله فوق بيت رنا وانفجرت الصالةٰ وسقط الجميع وانتشرت الأيدي والرؤوس متهاويةً على الأرض أشلاءً ودماء، رأسي لم يعد في مكانه، وتدحرج بالقرب مني أحد الرؤوس المتطايرة…
تناولته وألصقته بجسدي ودون أي شعور رحتُ أجري خارجاً ، ورأيتُ بعض الأصدقاء قد ألصق رِجلاً ، وآخر تناول ساقاً وخرج الجميع يركضون ويصرخون، من خلالِ الغبار والنار …
وصلتُ غرفتي وكنتُ أشعر بدوارٍ رهيبٍ وكأنني شربتُ عشراتِ الكؤوس، فسقطتُ على سريري محاولاً تصُنّعَ الهدوء ريثما أستعيد توازني…
مرت نصفُ ساعةٍ عندما أيقظني قرعٌ خفيفٌ على باب غرفتي، فنهضتُ متثاقلاً ، وحين فتحتُ البابَ تطاير شعر أشقر كان ينسدل فوق كتفيّ لم أشعر به إلا الآن، وبذهول وجدتُني أمام الباب أرتدي ملابسَ رنا وسنسالها الذهبي يتدلى منه الصليبُ لامعاً بين نهديها المعفرين أطلب مني الدخول…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: