الأراجوز….. قصة قصيره بقلم/احمد غريب

في غرفته الصغيرة ،كان يشرب جرعات من زجاجة خمر عالية الكحول، ويضع أصباغه بسخاء ، علها تساعد في اختطاف ضحكات منزوية خلف شفاه عابسة ، وعده صاحب السيرك بمقابل دسم إذا كان موفقا ، ليس المقابل المادي فقط هو ما يشعل رغبته في النجاح، إن الإضحاك قوة ، بأس شديد ، و سلطان على المصريين ، الذين بدأت قدرتهم على استحداث النكتة تخفت ، صاروا يستعينون في مزحاتهم بجمل من السينما ، يرددونها في مواقف تناسبها ، عزت الضحكات ، لكثرة الأهوال التي تزاحمت في صدر شعب حائر ، إذا استطاع إضحاكهم سيجلونه إجلال المشايخ في المساجد ، سيعتبرونه وليّا جاء بكرامة القهقهة، أدرك مذ رأى بعض فيديوهات اليوتيوب المترجمة ، كيف يسخر المضحك من المسيح و الكنيسة ، و يسقط هيبة الإله في عين جمهوره الذي تتعالى ضحكاته ، جمهوره الذي هو بلا شك مكتظ بالمسيحيين بجوار الملاحدة ، إنها سلطة الضحك ، كلنا ضعيف أمام الضحك ، نلتمسه في ظلام الجدية و الهموم الجاثمة فوق الصدور ، قرر أن يضحكهم مهما كلّف الأمر.
ذهب ووضع زجاجته على الأرض بجوار مدخله إلى المسرح ،ليلتقطها في خروجه، خطا خطوته الأولى على المسرح ينظر إلى الناس متوجسا ، وجوه عابسة ، متحدية ، راغبة عن الانصياع للعصا، راغبة في الانصياع للجزرة ، أظهر تعثرا مفتعلا و سقط على الأرض في سخافة ، لم يضحك أحد ، حكى ذكرياته في استخراج أوراقه من مؤسسة حكومية ساخرا من الروتين ، فتثاءب رجلان في الصف الأول ، أسقط في يده ، ألّف نكاتا جديدة ارتجالا، روى نكاتا قديمة من زوايا ذاكرته ، لكن جمهوره له وجه صخري لا يلين ، مرت خمس عشرة دقيقة بطيئة ببطء الحزن ، كبر فيها عمره ، و ملّ قلبه ، ازداد قلبه ضيقا و غضبا ، فنظر إلى جمهوره و قد احمرّ وجهه غضبا ، و صرخ :
ـ اللعنة عليكم، جمهورٌ كئيب
ثم أدار ظهره ليخرج من المسرح ، لكنه ما لبث أن توقف ، لقد سمع شيئا ، لقد سمع صوت ضحكات ، كانت خافتة ، لكنها موجودة ، التف ليرى ذلك المجامل ، لكنه كان مختبئا في الجموع ، قرر أن يعيد الكَرّة ، فألقى كلمة نابية متبوعة بقوله :
ـ هل أقطّع جسمي لتضحكوا ؟
بدأت الضحكات الحيية  تطل برأسها مستكشفة ، و تعلن وجودها من الصفوف الخلفية ، بدأت خلايا (الأراجوز) تتنفس من جديد ، طموحه الذابل ، بدأ يرتوي من قطرات الضحك المتساقطة ، أضاف الأراجوز :
ـ ربما علي أن أدغدغكم من الإبط ، لكنها الرائحة .
اكتسبت الضحكات مزيدا من الثقة للإعلان عن نفسها ، و أصبح الجمهور بين ضاحك و مبتسم ، نزل من على خشبة المسرح ، واقترب من شابّ يبتسم بتحفظ دون العشرين ،ثم أخرج الأراجوز من جيبه قرصا أزرق اللون شهير كمقوٍّ جنسي، و قال للشاب :
ـ لِمَ تضحك ببخل ؟ لو أن أباك سيحرمك من المصروف إذا ضحكت ، فأعطه هذا القرص ، سيحرمك من المصروف لكن أمك ستعطيك الضِعف .
انفجرت القاعة بالضحك مع الشابّ الذي تخلى عن تحفظه دون مقاومة، حتى الأراجوز نفسه بدأت ضحكاته تعلو لدرجة أنها بدأت تُبهم بعض حروفه ، ارتفع صوت الضحك حتى صار يجذب المارّة في الشارع ليشتروا تذاكر و ينضموا للجمهور لمشاهدة المضحك العبقري الضاحك ، اقترب كن امرأة و أشار إلى صدرها ، و قال :
ـ احترسي، فقد يؤدي وزنه لحدبة بالظَهر.
ثم لعق شفتيه وهو ينظر لصدرها في شهوة كاريكاتورية ، فانزوت ابتسامة  المرأة قليلا و نظرت للناس حولها ، كانوا مستغرقين في ضحك عالً هيستيري ، فلم تملك أن تقاوم ضحكتها المنزوية و هي تعاود الإعلان عن نفسها ، بل تعلن سيطرتها على ملامح المرأة التي سقطت في دوامة الضحك مع الجمهور.
أراد الأراجوز أن يختبر سلطانه على المسرح الذي اكتظ بالجمهور ،فبدأ تكرار الحركات الذي ابتدأ بها عرشه و لم تضحك أحدا ، فإذا بالناس يصرخون من الضحك ، و يختلط الضحك بالسعال يلتقطون فيه  أنفاسهم الهاربة ، ذهب إلى خلف المسرح ، ليجد زجاجته حيث تركها ، و أشار بها للجمهور المترنح ضحكا مُحيِّيَا ، و جرع جرعة ، لم يستطع استكمال الشُرب من ضحكه ، وقال:
ـ تضحكون على الخمر؟ تستحقون الحرق في نار جهنم .
بدأ يسكب الزجاجة على ستائر المسرح و الأجزاء الخشبية الواعدة بسرعة الاشتعال ، أخرج أعواد الثقاب و أشعل الحريق الذي انتشر بسرعة و شراهة ، و الأراجوز يتابع ، و الجمهور يتابع معه في ضحك و سعال ، دون أن يبدي تحركا أو خوفا من الوحش الأصفر اللاهب ، ظل صوت الضحك مرتفعا ممزوجا بالسعال ، ثم بدأ يزداد صوت السعال و يخفت صوت الضحك ، حتى اختفى الضحك ،و بقي السعال ، ثم بدأت الصرخات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: