هناك… بقلم مروى بديدة تونس

هناك
في بلاد ليست بعيدة
تنبسط خلجان الفضة بظرافة مريعة
و في عمق المياه الآسنة تكبر الألغاز المريرة في سرية مع الطحالب
و تعيش الحيتان بهمجية مترفة
ثمة مراكب ثقيلة تعبر في ليل دامس
تذهب و تجيء مزينة بالأشرطة و الأضواء الخافتة
في قبوها يدسون الجثث النحيلة في توابيت ضخمة
و يتسكع طفل مرح بين الموتى ، يهرع ضاحكا
في بلاد ليست بعيدة
صباحها كمغيب شمسها
حيث يسيح النفط في الحقول المطوقة بالألغام
و من حوله يتكرر البشر
يحنون رقابهم و يتركون قلوبهم في البراميل
ثم يطلقون الرصاص و الشائعات
فينطلق الجند على أحصنة بحدوات نارية
و البنادق معلقة على الأكتاف المنهكة
يغادر الناس بيوتهم
ينسون أمتعتهم و أفراحهم
و تشن الحروب باردة و ساخنة
و يتقلص الربيع فتتسع الأحداق الخائفة و تنطفئ فيها الألوان
إلى المرتفعات تصعد حشرات بلا فائدة
تعج المنابر بالطنين الفارغ و تتزايد الرحلات البحرية و الجوية
ثم تقام الحفلات و الذبائح بعد الفاجعة
حيث على الإفريز الحطام
تتيبس الدماء و ينمو السرخس بأحجام مرعبة
و أنا نسيت أين أضعت الحب
في بلاد ليست بعيدة
بعد أن كنت مع أحدهم نتبادل القبل و كؤوس الفودكا باردة
نهرب من الومضات الإشهارية و صورنا في المجلات
و إعلان طلاقنا و أسعار أحذيتنا الرياضية الباهظة التي استبدلناها بأخفاف سميكة كأخفاف الرهبان و هرولنا إلى الدير
تاركين خلفنا الباباراتزي و الحسابات البنكية
و السجائر المهربة و جلسات المحاكم
و ضعنا بعدها في غسيل الأدمعة و أعضاء السيليكون كما ضاع عشاق من قبلنا
و نسى أحدنا الآخر بعد أن عذبه طويلا
ثم قرأنا خبر وفاتنا في جريدة كاذبة
و ربما متنا و لا نعلم …
و كل شيء حصل في بلاد ليست بعيدة
على خلجانها الرفرافة حرب و هدنة بنكهة الأسلحة و المبيدات البشرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: