د. محمد فاروق يكتب : صفعة القرن !

ما الذي كنا نتوقعه خلال الشهور الماضية من اتفاقية صفقة القرن أو ” صفعة القرن ” ؟!
الرئيس الأمريكي أعلن منذ شهور أن القدس عاصمة إسرائيل ، وعليه فإنه يتوجب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس !
فما الذي تتوقعه من اتفاقية كان فيها الرئيس الأمريكي القاضي والجلاد ؟!!
لن أتحدث عن بنود الاتفاقية ، فمن العار أن أقوم بتفنيد هذا الهُراء ، وكأنني أُكسِبَهُ ملامح الحكمة التي تقتضي الشرح والتفنيد !
لكنني اصطدمتُ بالتاريخ ، وتذكرتُ معه الرجل الذي كان بيده ما يُشبه عصا موسى التي كانت تُلقي بالسَحَرة ساجدين من هَولِ ما يرونه ، كذلك كان هذا الرجل ، وكذلك كانت قدرته على درء الحُجة بالحُجة ، إلى حد أنك تشعر بأن هناك عملية تنويم مغناطيسي يفوز بعدها الرجل بما يريد ، ويلوذ العدو بعدها بالفرار مُعتقداً أنه رابح ، ثم يستفيق على كابوس مُفزع ، مجرد سطور مكتوبة فاز بها العدو لا تُسمن ولا تُغني من جوع ، لقاء تحرير سيناء وفرض سيطرة الجيش المصري على حدوده وفتح وإعادة تشغيل قناة السويس .

قد تختلف معي أو تتفق على هذا الرجل في الشأن الداخلي أو السياسات الاقتصادية أو ما شابه ذلك ، فكل ذلك مدارس وتوجهات يصلُح معها النقاش والأخذ والرد ، لكنه في النهايه تاريخ حافل لا تستطيع الطعن فيه . رؤيه ثاقبه ، عقل لا يهدأ ، ذكاء غير محدود ، كرامة ليس لها حدود . كاريزما لم أراها على مر عمري في الوجود . رئيسي ورئيسك ورئيس مصر ، قائد النصر في أكتوبر، وتحويل الهزيمة والنكسة والعار إلى فرحة ونصرة وانتصار في ظل وجوم ودهشة العالم بأسرِة

هذا الرجل مدرسة سياسية خاصه ومتفردة ، تجدها في رؤيته لسنوات قادمه . تجدها في قراراته واختيار توقيتها . تجد الشارع المصري يهيج ويثور ضده ، وهو يعمل في صمت لمصلحة شعبه .
ضغوط متواليه ، واتهامات خطيره بالتقاعس عن قيامه بالحرب لإصلاح مصيبة وفاجعة وكارثة الهزيمة في 67 التي لن أنساها للزعيم الكبير الوطني ” جمال عبد الناصر ” ولكنه السبب الرئيسي والوحيد في هذه النكسه ، يكفيك أم نعلم أنه قام بإسناذ مسئولية الجيش المصري العظيم لرجل كان ظابطاً برتبة صاغ ثم منها مباشرةً لرتبة لواء دون أي مبرر ، ثم لرتبة مشير ثم تولي أمر الجيش كله كقائداً عاماً للقوات المسلحة ، فقط لأنه رفيق الدرب وصديق الرئيس الحميم وزميل كفاح كتيبة الضباط الأحرار ، لكنه لا يعلم في العلوم العسكرية مِعشار ما يعلمه العظيم النبيل المشير أحمد إسماعيل صاحب نصر أكتوبر وقائد القوات المسلحة آنذاك .

جاء السادات في ظل كراهيه من الشعب ومن مراكز القوى بالدوله ، واستلم بلداً منهاراً بعد حرب أصابت مصر بالشلل في كل أركانها . وليتهم تركوه ليعمل ، وليتهم شاركوه المسئولية ، بل تناسوا عن قصد من فرط حبهم لجمال عبد الناصر أن ما يُعانيه السادات والبلد والدولة كان بسبب جمال عبد الناصر من الألِف إلى الياء !

إذا أردت أن تتعلم كيف تعمل تحت هذه الضغوط المأساوية ، كيف يكون ذهنك مِلك بلدك ، كيف تأتيك المعلومات والتسجيلات الداله بالتآمر عليك ، ثم تظل واقفاً على قدميك ، واضعاً مصلحة بلدك وشعبك نُصب عينيك ، لا تلتفت لكل ما يؤثر على خلايا عقلك ويصيبك بالتخبط والإحباط والتوقف عن العمل .
ثم تنتقل بكل شئ من الدمار إلى العمار ، ومن النكسه إلى الإنتصار ، ثم إلى إحترام العالم ودهشته بقدراتك وقدرات بلدك وشعبك وجيشك ، فانظر إلى سيرة السادات وعقليته .
كيف أطعن فيك ؟ كيف أذكر سلبياتك وأتغاضى عن تاريخك الوطني الشريف النزيه الواعي . لا أستطيع .

إذا أردت أن تعرف استقلالية القرار ومعنى الكرامة ، فاستمع إلى أحد أحاديث السادات في عُقر دار مَن يحاول المساس أو حتى التلميح بالتدخل في شئون شعبك وبلدك وكرامتك ، ثم تكون عالماً بما حولك ومَن حولك ، وتُدرك الأشخاص الذين تتعامل معهم في الخارج ، وتحمل رأياً صائباً ينبُع من دراية متكاملة الأركان بقدراتك وقدرات عدوك ، كل هذا يجعلك تقف أمام كاميرات العالم في شتى أرجاء العالم وليس في قصرك وبين رجالك ، واثقاً من نفسك .
هكذا كان الحال حين قالها السادات كلمته في أمريكا لأحد الصحفيين ، عندما سأله عن رد فعله لو أرادت أمريكا التدخل في شئون مصر الداخليه .
No one respect his responsibility, Respect his people, Respect his dignity, Respect the dignity of his people, Primes any other power to interfere in his decision.
” لا أحد يُقدر مسئولياته ، ويحترم شعبه ، ويحترم كرامته ، ويحترم كرامة شعبه ، يسمح لأي قوى خارجية بالتدخل في قراراته” .

كم نحتاج إلى هذا الذكاء السياسي والصبر عليه حتى ننال ما نريد ، كم نحتاج إلى عدم التسول أو التوسل لأحد . كم نحتاج لفرض إرادتنا على أي إراده داخل بلادنا .
قالها الزعيم أنور السادات في الكنيست الإسرائيلي ” نحنُ لا نستجدي عطفاً من أحد ، أو لأحد ” ثم قال ” لا سلام بدون حل القضية الفلسطينية وعودة الإسرائليين إلى حدود ما قبل 48 ، مع التسليم بأن القدس هي عاصمة فلسطين الأبديَّة ”
فقتلوه ، ليس اليهود مَن قتله ، بل قتله العرب ، ومنذ وقتها تم احتلال كامل فلسطين بما فيها قطاع غزة والقدس الشرقية ، ثم بطبيعة السياسة جاءت صفقة القرن أو ” صفعة القرن ، أو صفاقة القرن ” كَرَد طبيعي على التخاذل العربي وقلة الحيلة وعدم وجود رجل سياسي مُحنك مثل السادات ! ماذا كنتم تنتظرون ؟!
قتلوا الشهيد ولم ينالوا من بعده إلا جسده الممزق وجريمة قتله ، أما علاقتهم باليهود فهي على ما يُرام !!
الفريق الفلسطيني بقيادة ياسر عرفات رفض أن ينصاع إلى فِكر السادات الرشيد ، فلم يأخذ شِبراً من أرضه منذ الثمانينات ، بل ضاعت آلاف الكيلومترات تحت وطأة الاحتلال والمستوطنات ، والبقية تأتِ

لم يتعلموا الدرس الذي شاهدوه بأعينهم ” فالأرض المصرية عادت بالحرب ، ثم بالتفاوض ” ، وكنا نحمل على عاتقنا ضمن حربنا ومفاوضاتنا تحرير فلسطين ، إلا أنهم رفضوا كافة المعاهدات والاجتماعات ، وأخذتهم العزة بالإثم إلى يومنا هذا !

صفقة القرن هي الهدية التي أهداها الفسطينيون لليهود والأمريكان على طبق من ذهب ، فليذهبوا إلى الجحيم إذا لم يتوحدوا ، فليذهبوا إلى الجحيم إذا استمروا في التوسل والتسول غَيرَ راغبين في مفهوم الكرامة وشرف الأرض والعِرض ، فليذهبوا إلى الجحيم إذا كانوا في كل يوم يتبعون مَن يدفع أكثر ، ويلهثون خلف قطر وتركيا وغيرهما ليقتاتوا ويقبلوا ما يُنعم به عليهم كل من يرتمون في أحضانهم ، هؤلاء ليسوا أصحاب قضية ، بل إن القضية واستمرارها هي مسعاهم ومصدر رزقهم !

ومع ذلك ستجد مصر في مقدمة الشرفاء الذين سيبذلون قصارى جهدهم لوقف هذه المهزلة ، وصاحب المهزلة بصفته وشخصه يسعى لأغراض أخرى ! ألا لعنة الله عليكم حينما قتلتم خيرة الرجال ، ألا لعنة الله عليكم حينما فرطتم في أرضكم وأنتم على يقين أنها لن تعود إلا باتفاقية السلام ومعاهدة كامب ديفيد التي فرض السادات عليها كل شروطه فيما يخص مصر وفلسطين
كم تَعَرَّضَ هذا الرجل لبذاءات التيار اليساري المنحرف ؟! كم أهانوا شخصه وشخصيته ؟! فكيف حالهم اليوم ؟! لا جديد ، ولن يعترفوا بقيمته وقامته ، فليذهبوا إذاً ليحرروا القدس من صفقة القرن !
إلى روح الزعيم الخالد قائد النصر ” أينَ مني مجلسُ أنتَ بهِ ” ؟!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: