°••♧ شجرة الجنية العارية دوما ♧••°…..✍بقلم : محمد الصباغ

قصة قصيرة I شجرة الجنية العارية دوما

كان الفاصل بين بلدتنا الصغيرة المحاطة بحقول الزرع ؛ والتي يحتضنها النيل كأنها ابنته الوحيدة ؛ التي يتفرغ لرعايتها ، وبين المدينة المتلألئة في المساء بالآنوار ؛ فاصل ضئيل تعبره العين سريعا فوق قامة الزروع المنخفضة ويعبره النظر عبر الأشجار التي علي جانبي الطريق وعلي جوانب الحقول مهما ارتفعت قامة تلك الأشجار ؛ كانت عيوننا تري الأضواء هناك رغم الظلام المحيط بنا في بلدتنا ، في المساءات التي لا تنتهي ولا ينتهي ظلامها الأسود الحالك السواد أحيانا ؛ فلم تكن الكهرباء قد تم توصيلها إلي بلدتنا بعد ؛ ولم تكن الوسائل البديلة كافية لتبديد كل ساعات الظلام ؛ وكان قلة قلية من الأثرياء فقط هم من لديهم ماكينة صنع الكهرباء للإنارة وكانوا يستخدمونها في المناسبات الخاصة .

ظلت بلدتنا كما هي سنوات طفولتي القصيرة بها ؛ كما ظلت المدينة المتلألئة كما هي ؛ قبل أن ننتقل إلي المدينة المتلألئة بعد عام 1967 حين فضل أبي أن يكون بيتنا الأساسي ومدارسنا في المدينة وأن نترك البلدة الصغيرة ورائنا ؛ لا نزورها إلا عند الحاجة الضرورية ؛ كموت أحد من الأهل ؛ أو لحضور مولد من موالد الأولياء الذين كان بعضهم جدود عائلتنا حين أتت واستقرت في هذا المكان من مصر ؛ في سنوات القدوم إلي الكنانة .

كانت بلدتنا التي حبلها السري النيل ، وكان ارتكازها الشرقي علي ” الترعة الكبيرة ” التي كانت تفصل شطرا من الحقول التي تخص زمام البلدة ؛ كما كانت تحوي ” الجبانات المزروعة وسط الخضرة ” وتغلف عالم الأموات الأسود بغلالة الخضرة ؛ وحيث نترك الموتي يعيشون حياتهم فيما بينهم ؛ إلا من إزعاجات قليلة من الأحياء ؛ الذين يتجرأون علي عالم الموتي .

ظلت سنواتي الخمس الأولي من حياتي في بلدتنا الصغيرة التي كان يفصلها عن ” المدينة المتلألئة ” بالكهرباء مساء ؛ فاصل الحقول السوداء بالظلام في الليل ، فلم تعرف بلدتنا الإنارة بالكهرباء ؛ إلا بعد أن جربت كافة أشكال الإنارة في المساءات الحالكة السواد ؛ بالظلام الذي كان يهيمن علي أغلب أجزاء الليل ؛ وكان الليل بذلك مرتعا للعفاريت والجن ؛ ومن يعيشون عالمهم السري الخاص ؛ الذي يسترهم فيه إظلام الليل في البلدة المظلمة مساء ؛ إلا فيما ندر من إضاءة شاحبة ؛ لا تسمح برؤية القريب إلا بالكاد وتحجب دائما البعيد والسريع .

كنت دون الخمس سنوات حين أتيح لي أن أعبر مساحة الظلام بين بلدتنا وبين المدينة المتلألئة ؛ حين حضرت بلدتنا كلها تقريبا فرح قريب لأبي ؛ كانوا يعيشون في المدينة المتلألئة ؛ وكان يربط بلدتنا اللصيقة بالمدينة “طريقان ” ؛ كان الطريق رقم واحد ؛ حيث شجرة الجميز العتيقة التي تجلس فوقها ” الجنية ” لتصفف شعرها بعد أن تستحم في ماء الترعة الصغيرة التي علي حافتها مباشرة شجرة الجميز والتي يفصلها عن الترعة الكبيرة نهر الطريق الترابي المدكوك الذي نسير عليه وتسير عليه العربات ؛ ثم الترعة الكبيرة ؛ التي ورائها الحقول الخضراء الممتدة إلي مالانهاية .

كانت ” الجنية ” كما سمعنا وكما أخبرونا ؛ وكما روي الراوون ؛ حين يسود الظلام بعد العشاء ؛ تنزل لتستحم في الترعة الصغيرة ؛ حين يكون الظلام ستر كل شيء ولا يبدده أحيانا إلا ضوء القمر ؛ فكانت “الجنية” في الليالي المنيرة تجلس فوق الجميزة لتمشط شعرها تحت ضوء القمر .

كان هذا هو الطريق الأساسي لبلدتنا والذي يستخدم في النهار ؛ أما في الليل فكان يستخدمه من يريد الرجوع إلي البلدة من حيث كان ولكن في حالة الضرورة ؛ وكان الطريق الثاني إلي البلدة ؛ فقد كان هو طريق ” البحر ” ؛ حيث كنا نطلق علي “النيل” وصف البحر واسم ” البحر ” ؛ كان طريقا مخيفا ليلا وغير مأمون من عفاريت الجن ومن عفاريت البشر ؛ ولم يكن يجروء علي المرور فيه إلا من كانوا صحبة ويريدون الخروج من البلدة في حماية صحبتهم ؛ حيث كانت “الجنيات” تطير من سطح الماء المنخفض إلي سطح الطريق ؛ الملئ بشجر التوت ذو الثمر الأحمر والأسود ؛ حيث ترقص الجنيات وتلهو وتضاجع الجن في علانية ؛ وكان من يطلع عليها من البشر ؛ يخطف إلي سطح الماء المنخفض بإنحدار شديد عن حافة الطريق المنحدرة إلي سطح الماء ؛ كانت “الجنيات” تخطف المتلصص إما ليغرق فيموت ويتحول إلي روح هائم ولكنا كنا نجد جثته المخنوقة بأصابع الجنيات الطويلة المفرودة والتي تتركهها علامة علي رقبة المخنوق ؛ لتدل علي أنه من مخنوقات الجنيات ؛ وكان المحظوظ ؛ من بين من وقع في مصيدة “الجنيات” ؛ أو من بين المتلصصين المحظوظين ؛ هو من تصطفيه جنية ليتزوجها ويعيش ما بقي له من الزمن في حمايتها .

في ليلة ” فرح قريب أبي ” وبعد إنتهاء الفرح بعد منتصف الليل ، كان الطريق الذي اختارته عائلتي للعودة من الفرح في المدينة المتلألئة بالأنوار ؛ هو الطريق الذي به “الجميزة” التي يشاهد عليها الماروون ليلا تلك “الجنية” التي تمشط شعرها ليلا وترمي من يرنون إليها ولا تعجبها نظراتهم بالحجارة التي تصيبهم بعاهات دائمة . فبعد أن أمضينا السهرة في منزل العروس والخيمة التي أعدت في الميدان الواسع بجوار منزلها ؛ والتي جهزت بمنصة مرتفعة للفرقة الغنائية التي علي رأسها المطرب الشعبي الشهير والذي إذا أتي من القاهرة لإحياء فرح ؛ فكان يتجمع لذلك محبوه من المدينة بصرف النظر ؛ كانوا علي صلة بأصحاب الفرح أم لا .

بعد أن أكلنا وجربنا كافة الأطعمة والأشربة والحلويات الملونة والمهلبية ومالا كنا نعرفه سابقا من الأطعمة ولا نعرف أسمائها وقد جهزها الطباخون الذين أتوا بهم أهل العروس ؛ الذين أرادوا أن يكونوا الأكثر إفتخارا بإبنتهم وبعزوتهم وبثرائهم ؛ فأكثروا من كل شىء حتي أصبح فعلا ” فرحا ” بالنسبة لمن حضره فرحا لا ينسي ؛ وفي الأخير فقد أكلنا بأضعاف قدرة كل منا علي الهضم ؛ حتي الأباء والكبار في السن ؛ وكأننا كنا في مبارة أو سباق للأكل .

بعد أن انتهي الفرح ؛ رأي الأقرباء الكبار أن نعود إلي بلدتنا سيرا علي الأقدام ؛ فقد كانت أمسية صيف جميلة منيرة بالقمر ؛ وكان الجو والسير في ضوء القمر متعة محببة لأهل بلدتنا وكانت المناسبة السعيدة ؛ قد ملأت الأهل بسعادة ؛ اتحدت مع كل جميل في الليلة الجميلة التي أمضيناها . كان عددنا كبيرا يتجاوز المائتين من كافة الأعمار في موكب مرح فارح ؛ وكان عمري وقتها لم يحقق تمام الخمس سنوات .
كان الأقرب من مكان بيت العروس إلي بلدتنا ؛ هو طريق ” الترعتين ” الذي تجلس فيه ” الجنية ” فوق الشجرة لتمشط شعرها وتقذف بالأحجار علي من تريد أن تشاغله من المارة في مساءات الظلمة التامة والظلمة المنارة بضوء القمر ؛ بحسب ما تحقق من حالة القمر ؛ في دورة ميلاده وتعظمه وحتي إضمحلاله .
كان عمي الأصغر قد أخبرني أنه قد شاهد ” الجنية القمرية” بنفسه وهو مار بجوار الشجرة التي ترأس الطريق وكانت ذات “الجنية” التي يتحاكي عنها الناس ؛ هي هي من رآها في مجلسها علي ذات الشجرة ؛ حين يعود من خدمته في الجيش ويحصل علي “إجازة ” من الجيش ويصل إلي المدينة التي لا تنام ويهبط إلي بلدتنا ؛ في أي وقت من الليل لا مباليا بظلام الطريق ولا بالجنية التي تجلس فوق شجرتها لتمشط شعرها ؛ ودون خوف كثير كان يمرق بجوار الشجرة المشهورة بجنيتها ؛ وفي المرة التي رآها بوضوح ؛ كانت هي التي قذفت بالطوبة برفق إلي جوار خطو أقدامه فرنا إليها متمليا ثم مضي وقد تأكد أنها حقيقة وليست فقط قصة تروي .

حين عودتنا في عزوة الأهل ؛ بعد إنتهاء الفرح ؛ وتجاوز الوقت منتصف الليل ؛ مازلت أذكر ؛ حاضر كل شىء في ذاكرتي لم يمحي ؛ إلي الآن : ” كان القمر مكتملا ؛ وكانت الصحبة كبيرة جدا في العودة من الفرح ؛ وفي أول الطريق الواصل إلي بلدتنا في جزئه الأول الذي يسبق ” شجرة المنتصف التي تسكنها الجنية ” فقد أفلت يد أمي وذهبت إلي “عمي ” الذي كان في إجازة معتادة من الجيش ؛ فلم تكن حرب الهزيمة قد حصلت بعد ؛ ذهبت إلي “عمي ” الذي كان هو أول من أخبرني بحكاية ” الجنية ” التي فوق الشجرة ؛ قبل أن أعتاد سماعها ؛ عندما يذكر الطريق إلي المدينة الملاصقة لبلدتنا .

بعد أن أفلت يد أمي ؛ ذهبت إلي “عمي ” وقلت له : “هنمشي في طريق الجنية ؛ وسنمر عليها وهي جالسة فوق الشجرة وستكون موجودة ؛ وسوف أراها كما رأيتها أنت ؛ أنا الآن صغير ، ولكن بعد أن أراها لن أخاف الجنيات ولا العفاريت بعد ذلك ؛ مش كدا يا عمي ؟! ”
قال لي : ” سوف تراها ؛ ولكن أنظر جيدا فوق الشجرة ولكن دون أن تخاف ؛ ولا تخاف إذا رأيتها ؛ ولكن الليلة قمرية جدا والنور ساطع ؛ وعددنا كبير ؛ ربما تخاف من عددنا الكبير وتختفي ” .
لم أري “الجنية ” في مرورنا في تلك الليلة ؛ ولم أرها بعد ذلك ؛ فقد قامت الحرب ؛ ولم يرجع عمي مرة أخري ” فقد ظل ؛ كلما سألنا عنه قيل ؛ لمن يسأل : أنه لم يستدل علي مصيره بعد ؛ وقد رأي “أبي ” بعد الحرب أن نستقر في المدينة المتلألئة .
لسنوات طوال لم أنسي عمي ولم أنس الحرب ولم أنس “الجنية ” التي تجلس فوق الشجرة ؛ تمشط شعرها ولم أنس الجنيات علي “البحر ” ؛ وصرت منذ طفولتي هذي ؛ وقد صارت المرأة الجميلة بالنسبة لي ” جنية ” لها رغائبها ولها قدرتها ؛ وعندها المقدرة علي الحب ؛ كما لها المقدرة علي الإيذاء ؛ حتي تحقيق الموت لمن ترغب في إحداث الموت به .

محمد الصباغ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: