أنا أبحثُ..شعر بقلم نوارة خنسة / سوريا

أنا أبحثُ،

عن ثوبٍ بني يركضُ في شوارعِ مدينةٍ تهجرُ أولادها اليوم!
تبكي الحجارةَ على أسطحِ منازلِها،
وعلى عريشةٍ صغيرة تتسابقُ فيها حبات العنب للوصول إلى المدرسة.

عن صديقةٍ في حارةٍ شارعُها ضيقٌ يتسعُ لضحكاتنا ولعبةِ شد الحبل
عن طريقٍ إلى مدرسةٍ سقط العلمُ فيها رصاصاً مقتولاً وأصبحَ الأطفال كُتباً في مستودعٍ بارد!

أبحثُ عن معلمةٍ ..
لا يزالُ صوتَها عالقاً على جسدي
كلّما شعرتُ بضجيجٍ أمسكتُ قلمي وكتابي وجلستُ دونما حركة،
حتى تعودَ ذاكرتي وتجلسَ بهدوء خارجَ المقعد!

عن تلك التي شاركتْني خبزَ الطفولة الذي نسينا طعمَه فصارَ فُتاتاً على سورٍ طريّ يأكله عصفور ميت
أبحثُ عن محفظتي التي خبأتُ فيها كل الذكريات في درجٍ صغير يرتدي حُلماً رمادياً هشّاً

أبحثُ ..
عن طاولةٍ ترمي على عاتقي حملاً من الأوراق
وكوباً امتلأَ بالحبر والصدفة!
وعن مقعدٍ في الباص تجلسُ الناس على أحزان بعضها
وأقف لأنظرَ إلى حزنها من سعادتها
ولسعادتها في الخارج فأسعد برغمِ الحزن العالق على شبابيك عمرنا!

في الساعات الأولى من الصباح،
أبحثُ عن أبي،
عن صوته في توبيخ التأخير،
عن يديه في لحظاتِ التعب
وقبلاته لأستريحَ قليلاً
كيف نسي المساءُ كتفه وراحَ يغفو على صدري كل ليلة؟

بين همساتِ أخوتي وضحكاتِهم أبحثُ عن أمي،
في عرائسِ الأطفال
بين دفاتِرهم ومحفظاتِهم
على ثيابهم المكويّة
وشعرُ الفتيات المجدّل
وعلى شهادة امتيازاتهم
بين التواقيع وثناء المعلمين
أبحث عن يديها!
أفتشُ على عقدةِ حاجبيها بين الصدمات،
ماذا لو علمت أنني لم أحصل على درجة هدوء ممتازة حينها؟

أبحثُ عن وطني في التلفاز
على شريطٍ إخباريّ متأخرٍ دائماً عنا
على قنواتٍ تضحكُ على خدعةٍ
ثم تبكي أمام حزننا
لم نقوَ على حملِ النكات بعد!
أبحثُ عنه على رائحة الغاز
والليمون!
وفي ضوء المنازل المظلمة،
فلا أجد إلا نوراً لطيفاً يداوي عتمتي!

وأبحثُ عنك فيما أبحث ..
فأجدني أبحثُ عما أبحث فيك
في روما الخرافيةِ أبحث عنك
بين القصائد
والكتب!
وعلى يديّ عاشقةٍ تعبت طوال الليل تحيك شالاً لحبيبِها الذي لايشعر بالبرد!

على عيون النساء لم أجدْك
فرُحتُ أبحث بين خطوطِ أيديهنّ علك نسيت اسمك فيها!
على شفاههن لم أجدك .. عثرتُ على بقايا لصوتِك تهذي باسم امرأة أكلها التاريخ!

أنا أبحثُ عنك
بشكلٍ تقليدي،
في الصباحِ بين كلماتِ الرحباني
وصوت فيروز
وقطعةٍ من حلوى الانتظار،
ومساءاً أفردُ أم كلثوم فتراني على منديلها دونك!
حتى السماء،
تُسقِط النجومَ على أصابعي
فتصيرُ كل نجمةٍ حرفاً
يمشي إليك ويعودُ قصيدة!

أنا أبحثُ يومياً،
عن الطريقِ الضائع
والرصيف..
لأجلسَ وأرميَ الحيرة
وأعلم ..
أنني كلَّما تقدمتُ سنةً أخرى
ستكثرُ أشيائي الضائعة
و لن أجدَ إلا حجراً
ينتظرني
وعاماً آخر لأبحث مجدداً
وأكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: