نسيم قبها يكتب :امبراطورية فلسطين في صفقة القرن

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطته للسلام في الشرق الأوسط، متعهدًا بأن تظل القدس عاصمة “غير مقسمة” لإسرائيل. واقترح حل دولتين بالصيغة التي عبر عنها نتنياهو سابقًا بقوله: “لتكن الدولة بشروطنا، وليسمّوها بعد ذلك امبراطورية”، وأضاف ترمب بأنه لن يُجبر أي إسرائيلي أو فلسطيني على ترك منزله.
من جانبه رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس الخطة المقترحة قائلًا: “رفضنا خطة ترمب منذ البداية ولن نقبل بدولة دون القدس”. وأكد أن خطة ترامب “لن تمر وستذهب إلى مزبلة التاريخ”.
وفي بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية حثت مصر “الطرفين المعنيين على الدراسة المتأنية للرؤية الأميركية لتحقيق السلام، والوقوف على كافة أبعادها، وفتح قنوات الحوار لاستئناف المفاوضات برعاية أميركية”.
إن صفقة القرن التي تم الإعلان عنها كانت الإدارة الأميركية قد نفذت الجزء الأكبر منها عمليًّا بضم القدس واعتبارها عاصمة أبدية لـ”إسرائيل”، واعتراف أميركا بمستوطنات الضفة والقدس، واعترافها بضم هضبة الجولان لـ”اسرائيل” وإسقاطها لحق العودة عبر مخطط التوطين لا سيما في الاردن.
أما توقيت الإعلان عن الخطة فهو مرتبط بدوافع شخصية لترمب عقب اتهامه بقضية أوكرانيا، ودوافع انتخابية تخصه وتخص نتنياهو.
وأما موقف السلطة الفلسطينية فهو موقف حركة المذبوح الذي يعلم شحذ السكين مسبقا ، حتى لو بدا توتر قادتها وخشيتهم على مصيرهم ، وذلك لأن مواقفهم لا تنطلق من استراتيجية لمواجهة الصفقة ومقاومتها ومعارضتها لتطبيع الدول العربية مع اسرائيل، أو التخلي عن المفاوضات أو على الأقل السكوت عن قيام الشعب بفعل معرقل على الأرض كالانتفاض المقترن بمقاومة حقيقية، فضلًا عن إسهام سياسة السلطة نفسها في تهميش العالم الإسلامي عن القضية، رغم أن واقع القضية أنها قضية العالم الإسلامي فعلًا بموجب خصوصية الأقصى ، وليست وطنية فلسطينية فقط ، ويتحمل المسلمون كافة المسؤولية عنها، كما أن استنادها إلى أنظمة عربية شريكة في التآمر، بالإضافة إلى حصر السلطة ذاتها لملف القضية بيد “إسرائيل” والولايات المتحدة، اللتان تعملان لتمكين اسرائيل من السيطرة على 40% من أراضي الضفة، وموافقة الرئيس الفلسطيني ومنظمة التحرير على سلطة فلسطينية منزوعة السيادة تمامًا عن مستوطنات الضفة والقدس، ومحدودة الإدارة على السكان الفلسطينيين، وموافقة من يزعمون تمثيل الفلسطينيين على عاصمة في “أبو ديس” خارج حدود القدس قبل سنة 1967، وهو ما أعلنه نتنياهو الثلاثاء 28/1/2020، والمؤامرة على تسوية قضايا اللاجئين في بلدان إقامتهم وبخاصة في الأردن بعد إعادة تصميم النظام الأردني لاستيعابهم، وربما لهذا اضطر ترمب للإطراء على الملك عبدالله الثاني لأهمية دوره في إغلاق ملف اللاجئين، كل ذلك يجعل الغضب الذي بدا على المستوى الرسمي الفلسطيني في إعلانه رفض الصفقة، غضبًا للاستهلاك الشعبي، أكثر منه موقفًا حقيقيًّا رافضًا للصفقة، متحملًا النتائج عن ذلك.
وفي المقابل تعهد ترمب برشوة أهل فلسطين بـوعدهم باستثمار 50 مليار دولار، والاستناد على هذا الحل لانتزاع اعتراف الدول العربية والدخول في حل إقليمي يصفي القضية ويدمج اسرائيل في المنطقة.
أما اعتراف السلطة الفلسطينية بدورها الوظيفي وعزمها على مراجعته أو تغييره بوقف التنسيق الأمني كردة فعل، فهو علاوة على أنه كشف صريح عن دورها السلبي فإنه إعلان واضح عن تخليها عن دور القمع والملاحقة للفلسطينيين المقاومين، ودعوة أميركا وإسرائيل للقيام بالمهمة، ومعاقبة السكان مباشرة ودون تدخل منها على الأرجح.
وأما بخصوص مواقف بعض الدول العربية المعلنة، وهي الأردن ومصر والسعودية، ومن حضروا الإعلان عن الصفقة وهي الإمارات وعمان والبحرين، ودعوتهم إلى بدء التفاوض، فيعني تأييدهم وموافقتهم على الصفقة كأرضية للحل وتصفية القضية.
وفيما يتعلق بالتسجيل الصوتي المنسوب لأبي حمزة القرشي المتحدث باسم تنظيم الدولة والذي تزامن مع إعلان صفقة القرن، فقد أثار استغراب العديد من المراقبين، وقد دعا فيه زعيم التنظيم (أبو إبراهيم الهاشمي القرشي) إلى استهداف “إسرائيل” في المرحلة الجديدة للتنظيم, والذي يبدو أن اسرائيل ستوظف مثل هذا التسجيل أو الأعمال المادية التي يمكن القيام بها انطلاقًا من أراضي الغور من الجانب الأردني، في تبرير ضم منطقة الغور من الجانب الفلسطيني للدولة العبرية, وإبراز ضرورة ضمه لحماية أمن أمنها المزعوم.
أما إثارة موضوع قرار فك الارتباط من قبل شخصيات محسوبة على القصر في الأردن، فإنه يشي بأن هناك تمهيدًا لتوطين الفسطينيين في الأردن؛ لأن ذلك يعني اعتبار الضفة أرضًا أردنية ورعاياها أردنيين وهذه السيادة الأردنية على السكان (بلا أرض) تنسجم مع صفقة القرن.
لقد سبق وأن تحدثت مقالات كثيرة أن أرضية صفقة القرن قد تم إعدادها والشروع بها مسبقًا، إذ كان السلطة الفلسطينية قد تنازلت عن “حق العودة” بمباركة عربية في قمة بيروت، وموافقة الأنظمة على تقسيم القدس بعد توسيعها وتدويل الأماكن المقدسة وإخضاع المدينة لسيادة الكيان الإسرائيلي وترك الإدارة الذاتية لمناطق “أ” و”ب” للسلطة بموجب اتفاق أوسلو، أو للسلطة والأردن بعد السيطرة اليهودية على الأرض والولاية الأردنية الفلسطينية المشتركة على السكان، وكون الصفقة لا تخرج عن “السلام الاقتصادي” لنتنياهو و”الحل الانتقالي” لشارون و”الدولة المؤقتة” لبيريز. إذن ليس فيها جديد سوى الإعلان عن بنودها وشراء موافقة الحكام على تصفية القضية مقابل البقاء في عروشهم وشراء صمت الشعوب بتحسين شروط عبوديتهم بالوعود التنموية بعد إفقارهم الممنهج؟!
أما بشأن إمكانية نجاح خطة ترمب، فإنه رغم استبعاد تقبلها من قبل أبناء المنطقة , ولكن ما هو متوقع هو فرضها كأمر واقع, ويتطلب ذلك فترة زمنية طويلة الأجل كاستراتيجية متبعة لترويض الشعوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: