《 (41) استهداف العقل المصرى_والتجريف الشامل 6-6 》…..✍بقلم : محمد السني

(41) استهداف العقل المصري – والتجريف الشامل 6 – 6.. بقلم الكاتب والباحث: محمد السني
نالت المرأة المصرية منذ القدم التقدير الكامل، وكانت تشارك في الحياة العامة وتحضر مجالس الحكم بل وتتولى زمام الحكم، وحازت على أعلى الرتب الدينية. وكانت المرأة المصرية البسيطة منذ خمسة آلاف عام تتمتع بأهلية مطلقه ولم تتبع سلطة الأب أو الزوج، فقد كان من حقها البيع والشراء بدون وسيط، وكان لها ذمة مالية منفصلة، وتحتفظ بأملاكها وأموالها وتُنادى باسمها وليس باسم زوجها، وتشهد في المحاكم وتدافع عن حقوقها بنفسها، وهذا الحق جاء من حقها في الميراث مثل الرجل تمامًا. في قانون مصر القديمة، إذا أهان الرجل زوجته واشتكته للقاضي يعطيه إنذارًا أخيرًا، وإذا أهانها مرة اخرى تُطلق منه. ولو ضربها كان يُسجن ويُضرب بالعصا وتُطلق منه ايضًا. وكانت المرأة مساوية للرجل إيمانًا منهم أن الحياة هي هبة الإله وعلى أساسه يجب الإيمان بالقدر وبكل ما خلقه الإله فالذكر والأنثى قد خُلقا معًا ليتكاملا وعلى كل منهما أن يقوم بدوره المقدر سويًا للحفاظ على النظام الكوني، فهي ليست بالشريك السلبي الغير مؤثر بل هي الشريك والفاعل والرفيق، وبتلك الطريقة وحدها قامت الحضارة والريادة. وعلى المستوى الشخصي سينعمان (الذكر والأنثى) بالسعادة سواء في الدنيا أو في العالم الآخر. وكانت المرأة المصرية تخرج دون غطاء للشعر. وعظمت الحضارة الفرعونية دور المرأة وجعلتها بطلة للأساطير. كما أسند لها الفراعنة مهام إله العدل (أمهوت) وكانت (إيزيس) هي إلهة الجمال في حضارة الفراعنة. وقد شاركت المرأة في عهد الفراعنة في العديد من المواقع العسكرية. وحملت نقوش الحضارة الفرعونية صور عديدة للمرأة المصرية في الحياة العامة والمنزل والعمل والحروب العسكرية. وكان لها في ذلك العهد نفوذ داخل أسرتها جعلتها القائد الفعلي للأسرة رغم وجود دور للأب. وعندما غزا الإسكندر الأكبر مصر، كانت الهيمنة الثقافية المصرية هي الغالبة، مما أفضى إلى الاندماج بين الحضارة المصرية العريقة والحضارة اليونانية الناشئة، فتكونت (الحضارة الهلنستية) التي كانت الإسكندرية منارتها ومصدر إشعاعها على العالم القديم آنذاك. وبمجرد وفاة الإسكندر الأكبر سرعان ما استقلت مصر عن الإمبراطورية المقدونية وأصبحت مملكة مصرية خالصة تحت حكم البطالمة (ورثة الإسكندر) الذين تمصروا بشكل كامل، واعتنقوا الديانة والثقافة المصرية قلبًا وقالبًا. ونهضت مصر على أيديهم، وتبوأت المرأة مكانة الملوك على خلاف ما ساد في الأقاليم الأخرى التي انفصلت عن الإمبراطورية المقدونية. وكان التراث المصري بتحضره وتقدمة الثقافي والفكري مصدر هذا التمايز داخل هذا العصر، فكانت كليوباترا (من الأولى حتى السابعة) ملكة مصر مشاركة أو منفردة بالحكم. ليحكي لنا التاريخ عن عظمة المساواة في أرقى صورها وتجلياتها. ورغم قسوة الاحتلال الروماني لمصر إلا أن مصر كانت ذي مكانة متميزة وفريدة داخل الإمبراطورية الرومانية لما كانت تمتلكة من موارد اقتصادية هائلة، وثقافة فريدة طاغية، وظل الدور الإيجابي للمرأة المصرية حاضر ومؤثر سواء في الريف أو الحضر طيلة الحقبة الرومانية.. كان هذا في الوقت الذي كانت فيه المرأة في بلاد ما بين النهرين (بلاد قانون حمورابي الشهير) مملوكه للرجل. لدرجة انه كان من حقه أن يقتلها إذا خالفته أو إذا أرادت الطلاق. وكان أيضًا من حقه أن يبيعها إذا أراد رد دين عليه، وكانت المرأة تتبع زوجها من دون أي استقلال في الإدارة أو العمل. وفي عهد الإغريق كانت حواء مسلوبة الإرادة في كل شيء، وخاصة في المكانة الاجتماعية، فقد حُرمت من القراءة والكتابة والثقافة العامة. وظلمها القانون اليوناني فمنعها من الإرث كما أنها كانت لا تستطيع الحصول على الطلاق من زوجها وعليها أن تظل خادمة مطيعة لسيدها ورب بيتها. ويُنظر إليها كما يُنظر إلى الرقيق، ويرون أن عقلها لا يعتد به. وفي ذلك يقول فيلسوفهم (أرسطو): “إن الطبيعة لم تزود المرأة بأي استعداد عقلي يُعتد به”. ورغم أن الحضارة الإغريقية تقدمت ولمع اسم المرأة في نهاية عهد الإغريق، إلا أن المرأة لم تنل حريتها أو تحصل على حقوقها بالمفهوم الصحيح. وقد اندهش المؤرخ الروماني الكبير (كلوريتلوس) بسبب أن رجال الإغريق كانوا يشعرون بالعار إذا اصطحب الزوج زوجته إلى مأدبة طعام. وكان حجاب المرأة اليونانية حجاب كامل لا يظهر فيه سوى العين. وفي عصر الآشوريين أُخضعت النساء للحجاب الكامل وهذا ما أكدته الحفريات في آشور القديمة حيث تم العثور على لوحات طينية ترجع إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وكانت إحدى الفقرات في لوحة تحكي بيان مفصل عن الحجاب وفرض قوانين ضد النساء اللاتي كن لا يرتدين الحجاب. وفي عصر الرومان حصلت المرأة الرومانية على بعض حقوقها في القانون الروماني ولكن كانت قوانين الألواح الاثني عشر تعتبر الأسباب الثلاثة الآتية أسبابًا لعدم ممارسة الأهلية وهي: السن، الحالة العقلية، الجنس أي الأنوثة، وكان الفقهاء الرومان القدامى يعللون فرض الحجر على النساء بقولهم: “لطيش عقولهن”. ولا شك أن الحكم العربي لمصر لم يكن إضافة حضارية تقدمية للأمة المصرية وخاصة أثناء الخلافتين الأيوبية والعباسية، ولكن سرعان ما نهضت مصر خلال العصور الوسطى المصرية على أيدي زعماء الدول المصرية المستقلة، الطولونية والاخشيدي والفاطمية والأيوبية والمملوكية كما أوضحنا ذلك بالتفصيل في كتابنا السابق المعنون باسم (الأمة المصرية قومية متفردة). حتى جاء الاحتلال العثماني البغيض لمصر فتراجعت مكانة المرأة شيئًا فشيئًا كباقي مكونات التحضر والريادة المصرية، ليتم جرفها إلى مستنقع لم تعيشه من قبل. مما اُعتبر انحراف تاريخي كارثي على الأمة المصرية، بل وجعلها تابعة ذليلة لإمبراطورية ظلامية متخلفة. لتطمس روح الأمة المصري وتخرجها من حضارة العصر الحديث الذي واكب الثورة الصناعية وتبعاتها من الإنسانيات والعلوم والفنون.
مع بداية القرن الثامن عشر تستيقظ مصر على أيدي محمد علي بعد الصدمة الحضارية التي أحدثتها الحملة الفرنسية، محاولة النهوض وتبوء مكانتها التي تليق بها وتصاعدت حركة التحديث والتنوير رغم العقبات والموروثات السلبية حتى ثورة 1919 وما تبعها من نشأة ونمو التيارات الليبرالية والتنويرية وصعود الشعور الوطني إلى ذروته. وكانت للمرأة المصرية دورًا أساسيًا في هذا الحراك الاجتماعي بدأ مع حركة صفية زغلول وهدى شعراوي والكثير من المناضلات المصريات الرائعات. وأفضى هذا الحراك الاجتماعي إلى قيام ثورة 23 يوليو 1952 لتكتمل مسيرة التحرر الوطني على أيدي أبناء الطبقة الوسطى بزعامة جمال عبد الناصر. فاستمر هذا الدور الرائع للمرأة المصرية بوجوه كثيرة ومتعددة وانتشر ليشمل الطبقات الوسطى والدنيا كأحد ملامح نهوض مصر خلال الحقبة الناصرية. ولكن أخذ هذا الدور في التراجع مع الغزو الوهابي التآمري للأمة المصرية الذي بدأ في التسلل منذ منتصف الثلاثينيات، وتمكنت من اجتياح مصر خلال حقبة السادات، لتتمكن الوهابية من غزو المحرسة ثقافيًا. وتصاعدت الأفكار الظلامية بشكل استثنائي حتى غطت سماء المحروسة، وتكامل هذا الدور الظلامي مع ما أوردناه من تراجع فكري وثقافي وتعليمي وتنويري، مما باعد الفجوة بين مصر التي أنارت العالم بإبداعاتها وآدابها وعلومها، وبين مصر موطن الوباء الوهابي الظلامي. لتشهد مصر انحصار كبير لمكانة المرأة وتحقير قيمتها، واستهانة بقدراتها ومهاراتها، وإنكار لإبداعاتها وفكرها وتميزها، وحصرها في صورة المرأة المثيرة للجنس، والمحدثة للفتنة!. إلا أن مصر بمخزونها الثقافي والحضاري والإنساني الكامن تحت الجلد كانت عصية على الموت والخروج من التاريخ، فواصلت المرأة المصرية ابداعاتها ومشاركاتها المذهلة في كافة المجالات رغم الحصار الوهابي المرعب. وتعددت وجوه التحدي والتصدي لهذا الاضمحلال التاريخي بالشكل الذي يصعب معه حصرهن، فكانت منهن المهنيات والعاملات الناجحات، والمفكرات العظيمات، والعالمات الجليلات، والمناضلات السياسيات، والأديباء المبدعات، والفنانات القديرات، والكاتباب المتميزات، والأديبات والشاعرات المبدعات، وسطرت بعضهن ملاحم تاريخية في عطائهن وتفانيهن في رفعة شأن وطنهن مصر. وكانت فترة التسعينيات من أحلك فترات الظلام الوهابي على الأمة المصرية، تعرضت فيها المرأة المصرية لانتكاسة حقوقية وحضارية تاريخية، وانقض عليها الوهابيون من كل حدب وصوب لجرها إلى ما يشبه ظلام العصور الوسطى الأوروبية. حيث كانت المرأة المصرية ذات شأن وقيمة وحضور خلال فترات العصور الوسطى المصرية بل وتبوأت مكانت الملكة مثل ما حدث مع شجرة الدر. ففرض عليها الوهابيون ما ليس من الدين ولا الإسلام في شيء، وخاصة بعد أن أتموا عزوهم الثقافي لمصر كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل، حتى أصبحت المرأة نفسها مشاركة في نشر هذا الوباء الظلامي. ولكن لم تعدم مصر ثوارها الذكور والإناث الذين تصدوا لهذا الغزو الوهابي ورفضوا هذه الهيمنة الظلامية شكلًا وموضوعًا..
سنلقي الضوء هنا على نموذجان قد يكونان متعارضتان من حيث الشكل، ولكنهما متكاملتان من حيث المضمون والتأثير. النموذج الأول للمفكرة الإسلامية الكبيرة والعالمة الجليلة الدكتورة عائشة عبد الرحمن، التي ولدت في مدينة دمياط بشمال دلتا مصر عام 1913 م، وهي ابنة لعالم أزهري، وكان جدها لأمها شيخًا بالأزهر الشريف. كما كانت إحدى النساء الرائدات في الحركة النسوية والعلمية في مصر والعالم العربي والإسلامي، واستطاعت بجهدها أن تتغلب على جمود التقاليد في مسألة تعليم المرأة، تلك التقاليد التي تمسك الأب وحاول كثيرًا عرقلة إتمام ابنته للتلعيم، ولكنها استطاعت بمساعدة جدها لأمها أن تكمل تعليمها وتواصل كل مراحله. بل ومارست الكتابة الصحفية في كبريات الصحف المصرية باسم (بنت الشاطئ). ووصفت ذلك بأنه أعنف انقلاب اجتماعي عرفه الشرق، ووصفت اللاتي حاولن اجتياز هذا الصراط الخطر ما بين أسوار الحريم إلى آفاق الحرية والعلم، بأنهن ضحايا وشهيدات، كما وصفت جيلها الذي جاءت من رحمه بأنه جيل حيرة، بين تراث متحكم من أمهات ينتمين إلى صميم عصر مضى، وبين جيل طارئ تبلوره حواء الشرق لأول مرة. ففي كتابه (أجمل قصص الحب من الشرق والغرب) تناول الناقد الأدبي الراحل (رجاء النقاش) بعضًا من السيرة الذاتية لمؤلفتنا العظيمة، إذ أشار إلى أن: “عائشة عبد الرحمن عُرفت بين الناس باسم (بنت الشاطئ) وبكتاباتها الرائعة عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ودراساتها الأدبية، وكتاباتها الأخرى في تفسير القرآن الكريم. لكن هناك في حياة بنت الشاطئ قصة أخرى مثلت بشكل غير مباشر بالسيرة الذاتية. الأمر الذي أثار الدهشة فنحن نتحدث عن قلب امرأة جادة معروفة بتدينها بل وتعمقها في علوم الدين والأدب. إلا أنها أحبت أستاذها في الجامعة أمين الخولي (توفى 1966) الذي التف حوله كثير من التلاميذ والمريدين، وكان أستاذًا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وهو أحد قمم الفكر والثقافة في مصر حينئذ، وصاحب الصالون الأدبي والفكري الشهير بـ (مدرسة الأمناء). وهذا الحب كان سببًا للثورة على بنت الشاطئ، ومن أجله تحملت الكثير من النقد القاسي والمقاطعة التي أصر عليها بعض المقربين منها. وقد تعرضت لضغوطات كثيرة للتخلي عن حبها، ولكنها تمسكت بهذا الحب خاصة بعد أن بادلها أستاذها حبًا بحب، وقد انتهت قصة الحب بالزواج”. ويقول عمر حسن القيام في كتاب (أدبية النص القرآني): “جاء أمين الخولي رائدًا طليعيًا واثقًا بقدرته على تجديد القراءة القرآنية. فاقتحم باقتدار ملحوظ معركة التجديد. وقدم منظورًا للقراءة يتأسس على أن القرآن هو النص الأدبي الأعلى بين نصوص الثقافة العربية، وأن أدبيته السامية هي التي جعلت العرب البلغاء يخضعون لروعته البيانية”. هذا الرأي قديم عبر عنه الكثيرون في حديثهم عن الإعجاز. وقد وضح الكاتب في المقطع نفسه ذلك الأمر: “ومن هنا، دعا أمين الخولي إلى دراسة منهجية تنطلق من اللغة وتعود إليها”. وقد اطلع أمين الخولي على الدراسات الاستشراقية باللغتين الإيطالية والألمانية، التي كان يتقنهما. واُعتبر بذلك مؤسس مدرسة تجديدية في التفسير. ومن تلاميذه البارزين محمد أحمد خلف الله، وشكري عياد، وعائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ). وقد تميزت البروفيسورة (بنت الشاطئ) عن أقرانها بغزارة انتاجها الفكري خاصة في التفسير البياني للقرآن الكريم، وبجمعها النادر بين الدراسة العميقة لعلوم الإنسان وعلوم العربية، وكان تحقيقها للنصوص النثرية العربية ودراساتها حولها على أساس من منهج موضوعي سليم، حيث قررت البيان القرآني أصلًا للدرس البلاغي، والدلالات القرآنية أصلًا للدرس اللغوي، والشواهد القرآنية أصلًا للدرس النحوي، ومنهج علماء الحديث أصلًا للمنهج النقلي وتحقيق النصوص وتوثيقها. وكان تحقيقها للنصوص نموذجًا جيدًا في خدمة النص وتذليل ما فيه من عقبات، وتقريبه إلى القارئ والباحث بتوضيح ما فيه من غموض وتصحيح ما اعتراه من تصحيف أو تحريف. ومن أبرز ما قامت به في ذلك المجال تحقيق رسالة الغفران، وكتابة دراسة شاملة عنها بعنوان (الغفران) التي أشرف عليها طه حسين. وتركت بنت الشاطئ تراثًا علميًا كبيرًا زاد على الأربعين كتابًا في الدراسات الفقهية والقرآنية واللغوية والأدبية والتاريخية، ففي الدراسات القرآنية والإسلامية كان لها كتب: التفسير البياني للقرآن الكريم، والقرآن وقضايا الإنسان، وتراجم سيدات بيت النبوة. وفي الدراسات اللغوية والأدبية كتب: الحياة الإنسانية عند أبي العلاء المعري، ورسالة الغفران، ولغتنا والحياة، وتراثنا بين الماضي والحاضر، والخنساء الشاعرة العربية الأولى، والإسرائيليات في الغزو الفكري، وأرض المعجزات ولقاء مع التاريخ، وصور من حياتهن، والقرآن وقضية الحرية الشخصية، ورابعة العدوية، ورسالة الصاهل والشاحج للمعري، كما سجلت جزءًا من مذكراتها في كتابها الفريد (على الجسر)، ووصفها الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل بأنها: “الوجه الإسلامي لمصر”. حصلت بنت الشاطئ على جوائز وأوسمة متعددة منها: جائزتان من مجمع اللغة العربية، الأولى في تحقيق النصوص عام 1950م، والثانية في القصة القصيرة عام 1953م، وحصلت على الجائزة الأولى في الدراسات الاجتماعية والريف المصري عام 1956م، وعلى وسام الكفاءة الفكرية من ملك المغرب عام 1967م، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1973م، وجائزة الدولة التقديرية 1978م، وجائزة الآداب من الكويت عام 1988م، والكثير غيره.
النموذج الثاني للطبيبة والمفكرة والكاتبة والروائية المصرية نوال السعداوي (مواليد 1931)، مدافعة قوية عن حقوق الإنسان بشكل عام وعن حقوق المرأة بشكل خاص. وُلدت في قرية كفر طلحة بمحافظة القليوبية، كان والدها يعشق العلم ويقدره وعمل كمسؤول حكومي في وزارة التربية والتعليم وكان أيضًا من الثوار العاشقين للوطن الذين ثاروا ضد الاحتلال البريطاني لمصر والسودان كما شارك في ثورة 1919، وكعقاب له تم نقله لقرية صغيرة في الدلتا وحرمانه من الترقية لمدة عشر سنوات. استمدت منه نوال احترام الذات ووجوب التعبير عن الرأي بحرية وبدون قيود مهما كانت النتائج. أما أمها فهي سيدة ريفية بسيطة ورثت عنها ابنتها الجَلَد وتحمل المسئولية، توفى كلا والديها في سن مبكرة لتحمل نوال العبء الكبير للعائلة. وكانت نوال مثال حي على قوة التحمل وبالرغم من توليتها مسؤولية أخواتها إلا أنها درست الطب البشري في جامعة القاهرة وتخرجت منها عام 1955، وتخصصت في الأمراض الصدرية. وبدأت حياتها المهنية كطبيبة صدرية في مستشفى القصر العيني وبدأ بعدها اهتمامها بالطب النفسي. لتبدأ بعد عامين بالعمل على مشروعها الأدبي ونشر أفكارها وثقافتها. كما انتقلت نوال السعداوي أيضًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتنال درجة الماجستير في علوم الصحة من جامعة كولومبيا في عام 1966. خلال عملها كطبيبة لاحظت المشاكل النفسية والجسدية للمرأة الناتجة على الممارسة القمعية للمجتمع والقمع الأسري. ففي أثناء عملها كطبيبة في مكان ميلادها بكفر طلحة، لاحظت الصعوبات والتمييز الذي تواجهه المرأة الريفية. وكنتيجة لمحاولتها للدفاع عن إحدى مرضاها من التعرض للعنف الأسري، تم نقلها مرة أخرى إلى القاهرة. لتصبح في نهاية المطاف المدير المسئول عن الصحة العامة في وزارة الصحة. وهي أشهر من نادى من المعاصرين بتحرير المرأة من قيودها، ومن جهر بالعصيان لما سمته (المجتمع الذكوري). فقد كانت مؤلفتنا طبيبة مشاكسة وأديبة مثيرة للأسئلة. وعلى الرغم من الصراع الدائم داخلها بين الأدب والطب، فإن أحدهما لم يحسم المعركة. ولم تتوقف الدكتورة نوال السعداوي عن الكتابة ونقل اضطهاد المرأة العربية التي اشتهرت بها. كما شغلت العديد من المناصب مثل منصب المدير العام لإدارة التثقيف الصحي في وزارة الصحة في القاهرة، والأمين العام لنقابة الأطباء بالقاهرة، غير عملها كطبيبة في المستشفى الجامعي. من عام 1973 إلى عام 1976 اهتمت نوال السعداوي بدراسة شؤون المرأة ومرض العصاب في كلية الطب بجامعة عين شمس. كما نالت عضوية المجلس الأعلى للفنون والعلوم الاجتماعية بالقاهرة (1973 – 1978). وأسست جمعية التربية الصحية وجميعة للكاتبات المصريات. وأصدرت مجلة الصحة وكانت تنشر فيها جميع آرائها ومعتقداتها دون أي حدود أو خوف، وعملت كرئيس تحرير فيها إلى أن أُغلقت. وعملت محررة في مجلة الجمعية الطبية. وعملت كمستشارة للأمم المتحدة في برنامج المرأة في إفريقيا والشرق الأوسط (1979 – 1980). كما أسست جمعية تضامن المرأة العربية عام 1982. وساعدت في تأسيس المؤسسة العربية لحقوق الإنسان.
دعت نوال السعداوي لأن تتحرر المرأة من قيد عبودية الرجل محلقة في أفق أرحب من المساواة ذاتها. وترى نوال أن الحجاب والنقاب من صور العبودية وضد الأخلاق والأمن، وأن الحجاب لا يعبر عن الأخلاق. واستنكرت لماذا تتحجب المرأة ولا يتحجب الرجل؟ بالرغم من وجود شهوة لكل منهما؟. وتنظر على أن الحجاب أمر ضد الأخلاق لكونها تعتقد بأنها بشرائها الحجاب وارتداءه فإنها تشتري الجنة بثمن الحجاب وهذا منافي للأخلاق. وتصريحات نوال دائما ما تكون مثيرة للجدل، ففي مقابله معها عام 2014 صرحت قائلة: “إن جذر اضطهاد المرأة يرجع إلى النظام الرأسمالي الحديث والذي تدعمه المؤسسات الدينية”. كما ترى أن نظام الميراث الإسلامي ظلم كبير للمرأة وتطالب بمساواة ميراث الرجل والمرأة. وصرحت بأن: “تهمة (ازدراء الأديان) مزيفة ومسيسة وسبوبة لهواة الشهرة”. وأضافت: “كل نظام سياسي يفسر الدين كما يشاء”. تعرضت نوال في سن صغير لعملية الختان، وبدأت بمحاربة هذه العادة منذ شبابها. وعلقت في عام 2007 على وفاة الطفلة صاحبه الاثني عشر ربيعًا (بدور شاكر) أثناء هذه العملية قائلة: “بدور، هل كان يجب عليك الموت لتنيري هذه العقول المظلمة؟ هل كان يجب عليك دفع هذا الثمن بحياتك؟ يجب على الأطباء ورجال الدين ان يعلموا أن الدين الصحيح لا يأمر بقطع الأعضاء التناسلية. كطبيبة وناشطة في مجال حقوق الإنسان أرفض تماما هذه العملية كما أرفض ختان الذكور. وأؤمن أن الأطفال جميعًا ذكورًا وإناثًا يجب حمياتهم من هذا النوع من العمليات”. وفي إحدى حواراتها أعلنت أنها ترفض فكرة تعدد الزوجات قائلة: “إن تعدد الزوجات يخلق الكره بين الأطفال والزوجات كما يزيد من الحوادث، وأن تعدد الزوجات كذب وليس بالقرآن وبلاد عربية مثل تونس منعته”. وفي محاضرة عام 2002 في جامعة كاليفورنيا وصفت نوال السعداوي غزو أمريكيا لأفغانستان بأنها: “حرب لاستغلال النفط في المنطقة”. وأن السياسات الخارجية لأمريكا ودعمها لإسرائيل هو: “الإرهاب الحقيقي”. وأن المساعدات الأمريكية غرضها إبقاء المصريين في حالة فقر وعوز دائم.
كتبت نوال السعداوي أكثر من خمسين عملًا متنوعًا بين الرواية والقصة والمسرحية والسيرة الذاتية. ففي عام 1957 أصدرت مجموعتها القصصية الأولى بعنوان “تعلمت الحب”، وتكلمت في هذا الكتاب عن شخصها بشكل مباشر وعن الانعكاسات التي عاشتها كمؤلفة وأيضا كطبيبة، وشرحت أن المجتمع في حاجة أكيدة للحب، ولكن كان من منظورها هذا الحب ليس بين الرجل والمرأة أو الأم وأولادها أو الأب وأبنه ولكن هو العلاقة بين الطبيب والمرضى حينما يوهب حياته من أجل الآخرين دون النظر للمال. وكانت أولى رواياتها (مذكرات طبيبة) عام 1958. وبقيت على مدى عقود وفي كل عمل أدبي وفكري جديد تثير الكثير من التساؤلات. وفي عام 1972 نشرت أول أعمالها غير القصصية بعنوان (المرأة والجنس) مثيرة بذلك عداء كلا السلطتين السياسية والدينية. حيث أدانت أنواع العنف التي تتعرض لها المرأة كالختان والطقوس الوحشية التي تقام في المجتمع الريفي للتأكد من عذرية الفتاة. أصبح ذلك الكتاب النص التأسيسي للموجة النسوية الثانية. وأُعيد نشر كتاباتها وترجمتها لأكثر من عشرين لغة. وتدور الفكرة الأساسية لكتابات نوال السعداوي حول الربط بين تحرير المرأة والإنسان من ناحية وتحرير الوطن من ناحية أخرى في نواحي ثقافية واجتماعية وسياسية. ومن أعمالها: مذكرات طبيبة، أوراق حياتي، مذكرات في سجن النسا، الزرقاء (مسرحية)، قضايا المرأة المصرية السياسية والجنسية، معركة جديدة في قضية المرأة، الإنسان اثني عشر امرأة في زنزانة، رواية موت الرجل الوحيد على الأرض، تعلمت الحب، توأم السلطة والجنس، رحلاتي في العالم، رواية كانت هي الأضعف، لحظة صدق (قصة قصيرة)، رواية جنات وإبليس، رواية الصورة الممزقة، رواية امرأة عند نقطة الصفر، رواية الغائب، المرأة والدين والأخلاق (اشتركت في تأليفه د.هبة رؤوف عزت)، رواية الأغنية الدائرية، دراسات عن الرجل والمرأة، كسر الحدود، الحاكم بأمر الله (مسرحية من فصلين)، رواية سقوط الإمام، رواية الرواية، رواية امرأتان في امرأة، الخيط وعين الحياة، الأنثى هي الأصل، الرجل والجنس، المرأة والصراع النفسى، راوية الحب في زمن النفط، الإله يقدم استقالته في اجتماع القمة 2006 (الكتاب تم منعه من النشر في مصر)، رواية زينة. الوجة العاري للمرأة العربية وهو تحليل كلاسيكي عن اضطهاد المرأة في العالم العربي (من بين صفحاته وصف لختان السعداوي وهي في سن السادسة، العملية التي تمت على أرض حمام العائلة بينما تنظر أمها وتبتسم وتضحك)، لذا اشتهرت بمحاربتها لظاهرة ختان الاناث.
تعتبر نوال السعداوي من الشخصيات المعادية للحكومات المصرية المتعاقبة، وقضت حياتها مدافعة عن المرأة. وعلى أعتاب السياسة فقدت كل شيء فسُلبت حريتها، وعُزلت من وظيفتها. وتمت إقالتها إثر كتابها (المرأة والجنس) عام 1972، ولم يكتف الأمر على ذلك فقط فكلفها ذلك أيضًا مركزها كرئيس تحرير مجلة الصحة، وكأمين مساعد في نقابة الأطباء. كما تم في هذا العام إغلاق مجلتها الطبية التي أنشأتها. وففي عام 1981 ساهمت في تأسيس مجلة نسوية تسمى المواجهة. وانتقدت علنًا حكم الحزب الواحد للرئيس أنور السادات، فتم اعتقالها وسجنها في سبتمبر عام 1981. سُجنت نوال السعداوي في سجن النساء بالقناطر، وأُطلق سراحها في نفس العام بعد شهر واحد من اغتيال السادات. ومن أشهر اقوالها: “لقد أصبح الخطر جزءًا من حياتي منذ أن رفعت القلم وكتبت. لا يوجد ما هو أخطر من الحقيقة في عالم مملوء بالكذب”. وعند خروجها قامت بكتابة كتابها الشهير (مذكرات في سجن النساء) عام 1983. وقالت فيما بعد أنها حين خرجت من السجن كانت تتمنى كتابة برقية شكر إلى السادات الذي جعلها تحول الألم والشقاء والمعاناة إلى عمل إبداعي. ولم تكن تلك هي التجربة الوحيدة لها مع السجن، فقبل ذلك بتسع أعوام كانت متصله مع سجينة واتخذتها كملهمة لروايتها (إمراة عند نقطة الصفر) عام 1975. وفي عام 1987 كان الرفض الأكبر لها ولأفكارها حين صدرت النسخة الأولى من كتاب (سقوط الإمام) الذي كتبت فصله الأول في السجن وقالت إنها استلهمت من شخصية أنور السادات بطلًا لروايتها. مُنعت نوال السعداوي من المشهد الثقافي في مصر لسنوات طويلة، حتى أن اسمها لم يرد في ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب لمدة ربع قرن. كما رفضت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة في مصر في 12 مايو 2008 م إسقاط الجنسية المصرية عنها، في دعوى رفعها ضدها أحد المحامين بسبب آرائها. وقالت نوال السعداوي بعد رفض دعوى إسقاط الجنسية عنها: “لم أخن الوطن حين نشرت كتابًا فكريًا”. وأضافت: “إن القانون المصري حدد حالات إسقاط الجنسية بدقة شديدة، ولا تتضمن أسباب إسقاط الجنسية على نشر كتاب فكري مُنع من النشر من قبل”. وأضافت في تصريح لـ (بوابة الأهرام): “لم أخن الوطن حين قررت نشر كتاب فكري حتى يسقطوا عني الجنسية المصرية، بل دافعت عن وطني، وسُجنت ونُفيت من أجل قول كلمة الحق ولم أندم على فعل ذلك”. وأضافت: “إن الجنسية المصرية حق لكل مواطن، وكذلك الكتابة حق لكل مواطن وهي تندرج تحت باب الحريات والحقوق في الدستور المصري”.
واجهت نوال السعداوي الكثير من العدائية من مختلف المذاهب الدينية. وحُوصرت الكاتبة الجريئة بفتاوى التكفير والإلحاد من شيوخ الوهابية. ونتيجة لآرائها ومؤلفاتها تم رفع العديد من القضايا ضدها من قبل الوهابيين مثل قضية الحسبة للتفريق بينها وبين زوجها (الطبيب والكاتب والمترجم اليساري الدكتور شريف حتاتة)، وتم توجيه تهمة (ازدراء الأديان) لها. وقامت الجماعات الإسلامية بتهديدها بالقتل، وأُدرج اسمها في قوائم الاغتيالات، ولم يكن أمامها إلا أن تبحث عن الحرية والأمان في مكان آخر، ولكن أينما ذهبت فقضية المرأة هي شاغلها الأكبر، فظلت تكتب عنها وإليها. ما جعلها تقبل عرضًا للتدريس خارج مصر، فسافرت عام 1988، وحاضرت في جامعات ديوك، وشمال كارولينا، وواشنطن. وشغلت العديد من المراكز المرموقة في الحياة الأكاديمية في جامعة هارفرد، وجامعة ييل، وجامعة كولومبيا، وجامعة السربون، وجامعة جورج تاون، وجامعة ولايه فلوريدا، وجامعة كاليفورنيا. فلم تكن أفكارها وآرائها حبيسة مجتمع واحد أو بيئة واحدة، إنما هي طليقة المبدأ والفكرة، لذا واجهت صراعات كذلك في رحلتها بالخارج، بسبب انتقادها للنظام الغربي. رجعت نوال السعداوي إلى مصر بعد ثمان سنوات أي في عام 1996. وعلى الرغم من جهدها في الدفاع عن قضايا المرأة المصرية والعربية، فإن الاحتفاء بها جاء من عدة دول غير عربية، كما أنها رُشحت لجائزة نوبل. ويظل اسم نوال السعداوي من أهم الأسماء المحفورة في مخيلة الأدب النسوي. حصلت على جائزة الشمال والجنوب من المجلس الأوروبي عام 2004، وجائزة إينانا الدولية من بلجيكا في عام 2005، وجائزة ستيغ داغيرمان من السويد عام 2011. واستطاعت أن تنال ثلاث درجات فخرية من ثلاث قارات. وجائزة من جمعية الصداقة العربية الفرنسية وجائزة من المجلس الأعلى للفنون والعلوم الاجتماعية، بالإضافة إلى الدكتوراه الفخرية من قبل الكثير من الجامعات الأجنبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: