نص نثري ….. بقلم : ماركو رويس

وحدي دائماً كيوم جئتُ، لا أستغرب بعدكم عني فأنا أكرهكم، لا لشيء، فقط لأنكم أحياء، أنا متُ أما أنتم لا تموتون، تباً .. حقاً!! ألا ترون أني عاطل عن لعب دور الإنسان، كل شيء فيّ معطل، حتى شعوري بالحياة لم يعد يعمل، أنا عاطل، عاطل عن الكلام، عن الإستماع، عن الحديث عنكم و معكم، عن الدردشة و الرسائل، عن النظر في وجوهٍ لا تعجبني، أنا عاطل عن الحياة. أعمل على تنشئت نفسي، على الإهتمام بهذا الجسد الميت، حتى يتجعد و ينكمش، حتى يحدودب ظهره كعجوز أدرد يمضغ الماء و يمشي على ثلاثة، حتى يتقوس، حتى يشيخ و يتهالك في آخر لحظة على ناصية قبر ضيق ربما هو من حفره بيديه. أستمع إلى شخير لحظة، صوتها يمزقني، يطقطق في أذني كأنه دوي رعد، تطلق أنات مزعجة ثم تسعل حتى تتوقف نفسها. الضوء يسقط على خيالي، يغوص بين أحلامي حتى يتيه في الظلام، و يعود إلى مهجعه مذعوراً، يخاف العتمة و الطرق الضيقة، في طريق عودته أوقفته فكرة مراهقة، وجدته يتسلل راجعاً بخطى وئيدة على روؤس أصابعه. الظلام ضباب مبهم و حلم مسجون. الليل ملجأ الصالحين و ملاذ المنبوذين، موطن الوحدة و كنه الإحاسيس الضالة و الأفكار الشاذة، في الليل يلتقي الماضي على هيئة ذكريات و المستقبل على شكل حلم أو أمنية، و ينسى الحاضر ذلك الإبن الملعون، العاق، هو فرصة لِلَيِّ خيوط النهار الأليمة بقشرة حزن و رميها في ثقب أحد الجدران المهجورة، الليل ورقة بيضاء لتسطير أوجاعنا، زاوية لكتابة شذرات تعصر قلوبنا، فرصة للمجون و السكر و تقبيل مؤخرة السماء، فرصة لمتخيض الذكريات و تمحيص العاطفة و تشكيل رفوف من الأوهام و الخيالات. كان فرصة للعشاق و لم يعد هناك موطئ قدم لعاشق، بل لكل خائن ولهان، و دنيئ سرحان. ذاكرتي تصدأت و تسرب مع ثقوبها كل الوقت الذي كنت أنتظر حلوله بفارغ الصبر، كي أتأكد أن هذا هو الليل الذي أعرفه، بعد منتصفه و أنا تعيس جداً وحيد جداً، أنفق في السهر رفقة هاتف مصاب بإختناق و حشرجة كأنه طريح فراشٍ، شفتيه متشققتين جراء موجة عقارب الشتاء المسعور، أكلم ثمانية و عشرون حرف جاثية على ركبتيها تناشد الإله، تصلي بخشوع و تمد يديها إلى السماء، تعود دعواتها باكية، تسقط من بين الجمل حروفاً أبابيلَ، حتى دبتْ بين الحروف عقارب الشقاق. سرتْ في جسدي كله رعشة مفاجأة، و صرخة مدوية، إنتصب شعري واقفاً، و تكدر مزاجي، و تغضن وجهي، و تشنجت عضلاتي، حتى لساني تثلج في حلقي، كانت الريح ترشقني بقطيرات برد حادة، ترسلهن ليسقطن على جلدي العاري، لم أتدثر بشيئ رغم كبب البرد الغفير، مسحتُ يدي على رأسي كان أصلعاً، أين شعري الكثيف؟ و ذقني كان محلوق، آه حسنا!! من هذا الوغد الحاذق الذي تقمصني؟ رميتُ الهاتف في سلة جيبي، دسستُ يدي معه و تنفست بعمق أتابع إنعكاس وجهي في الظلام، ضبطتُ عقارب عينيّ سأغلقهم للمرة الأخيرة، سأرمي نفسي من أعلى جبل في أحد الأحلام التي تنتظرني، سأشرب كحول و اترنح في الشوارع، سأذهب مع عجوز إلى بيت نومها، سأدخن سيجارة و تبغ، سأقبل مؤخرتها و أشم عطرها ثم أشفط منها نفساً و أبتلع دخانها، عند شروق الشمس أنفثه على وجهها كجلباب تختمر به، لتجنب مصافحة كل هؤلاء الأوغاد و المنافقين، بعد شفطتين ارميها في شارع عام، يدخنها صبي متشرد أو مجنون مسكين، يسعفها من أقدام المارة أو عجلات السيارات، ربما لا يفعل تفخمد بعد حمام بصاق، أو يبتلعها الهواء و تتلاشى. أنا هنا، مسجى وحدي، أرتب أحلامي، أهش عليها بسوط أسود، و حين تقف كسطر خاوٍ، أرميها في بئر لا قعر له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: