يقينُ الموتى…..شعر هبه عبد الوهاب

أيها العذبُ الصامتُ أنت
الممتنعُ عن إجابتي، رغمَ ما تحملُه من حياةٍ لي
دوّختني حالاتُك، وأرهقتَ صمتي
لا تهمسْ بالأحلامِ وإغراءاتِ اللقاءِ،
كما عودّتني بـالأمسِ الجائعِ،
ولا تقرعْ الأجراسَ للانتباهِ إلى صلاةِ البعادِ ونذيرِ الفراقِ
أتناولُ كبسولاتِ العزلةِ وحدي،
كما صنعتها وحدي
بلا مُنازعٍ أتقاسمُ تلكَ المتعةَ الآخذةَ معها
تُسكرني حدّ الإفاقةِ
أيها
الغارقُ في تيهِ الشكِّ على بساطِ الألمِ والأمنياتِ
تمتدّ خُطاكَ بطولِ الحلمِ اللانهائيّ
حيثُ نحيا صومًا لا جسرَ له
لا مائدةَ شهيّة نتربّعُ على رأسِها، لنشبعَ حلالًا طيّبًا
لم نحظَ بـ زهدِ النبيينَ، ولا بأطايبِ كِسرى
فقط
هي سفينةُ نوح بثقبٍ عريضٍ _أنجزته يدُ أحدِ الجبناءِ_ يتّسعُ للهربِ إلى أعماقِ بحرٍ هادرِ الفقدِ
لا يتقافز به إلّا حوتُ يونسَ الجائعُ مُذ لفظَه إلى الشّطِّ ورحلَ
هؤلاءِ همُ الأصحابُ
كلّ الأصحابِ
ومازلتُ أحفظُ تحتَ الضلعِ ذاك الفقيرَ الصغيرَ اليائسَ
مختبئـًا
كطفلٍ أفسدَ عجينَ أمّه، ونثرَ الترابَ فوقهُ،
ثمّ جرى يحتمي تحتَ سريرِ غرفتها من وعيدها وسخطِ التعبِ
فغرقَ في نومٍ مُفزع
أسلمَ روحَه لحلمٍ يهربُ فيه إلى أحضانِها
أنت أيها المغامرُ البائسُ
تتشبّثُ بالسرابِ كرضيعٍ تعلّق بثديٍ جفّت به المحبّةُ مع آخرِ قطرةِ نهارٍ مرّت،
وحلماتٍ تآكلتْ منذُ التقمها الفقدْ
هو اللا شيءُ،
وسادتُك الفارغةُ،
والأخرى الخاليةْ
لا أغطيةَ تسترُ سيقانَ ذاكَ الجمالِ العاري،
ولا ساترَ هناكَ غيرَ الحقيقةِ الكاشفةِ،
الواصفةِ،
أحيانًا سليطة اللسانِ، فظّة المُعجمِ، سامةٌ.. قاتلةْ
لا أمواجَ زرقاءَ نتسلقها لنطفوَ على صدرِ الراحةِ والأملِ
ولا نيرانَ تستقرّ بنا في باطنِ الألمِ
ولا سبيلَ غيرُ مخاوفنا العرجاءِ تحكي تاريخَ العشقِ الفاسدِ
وحاضرِه المُهترئ البالي،
لا أعذارَ للخائفينَ، ولا للمُقدمينَ والمُغامرينَ
الكلُّ يُسدّدُ كشفَ الحسابِ بذاتِ الدّقة
حتّى يدفعَ آخرَ خُدعةٍ في جرابه،
وآخر صاغَ في جيبِ قصيدتهِ الفقيرةِ إلى الشعرِ
الكلُّ سيتلقّى طعنتَه النّافذةَ في دورِه المثاليّ
الكلُّ ينتظرُ
الفارقُ الوحيدُ
مَن سيقابلها بشجاعةِ الأنبياءِ..؟
ومَن الفارّ
لتتلقّاها مؤخّرتُه الهاربةُ النازفةُ من تقيّحاتِ الخزي..؟
لا أبالي بغيرِ النهايةِ التي تسعى نحوَ صغيرِنا الذي يحتضرُ
يا صاحبي الغاضبَ
_ رغمَ هدوئِكَ المُملّ القاتلِ_
تهيّأ لقضاءِ الحياةِ.. وافرُكْ يديكَ.. يتنزّل الغيثُ
ارْتَوِ
وفارقْ/ لتصلَ
واشكُرِ اللهَ بيقينِ الموتى في الحياةِ الآخرةِ
ونَمْ واثقًا مُطمئنًّا

……

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: