بركان تال وهجرة العاملات بحث عن رزق ووطن بديل

بقلم / سارة السهيل
في ليلة من ليالي الشتاء البارد في مدينة عمان الجميلة اصطحبت المساعدة المنزلية معي على العشاء بعد نزهة شتوية و جلسنا  جلسة انسانية خاصة جدا حرصت فيها على ان  اجد تفسيرا لما يحيط بعينيها من أحزان عميقة، وربما يكون هذا الحزن جزء بسيط مما يخزنه القلب مآسي وآلام خاصة و هي في غربة عن وطنها بعيدة عن أهلها و أصدقائها فوضعت نفسي مكانها وهي إنسانة طيبة و خلوقة
تناولنا أطراف الحديث، فاذا بها تحدثني عن أسباب هجرتها من وطنها للعمل والكفاح، وعن اهتماماتها ومشاغلها. كانت مرتبكة وحزينة على ما حدث في احدى المدن السياحية الجميلة في بلدها، حدثتني عن البركان وعن العرس وما بينهما وما بعدهم هذا العرس الذي اشتهر بسبب البركان الذي حدث في هذه المدينة للمرة الثانية بعد مئة عام ،
مدينة تال من اهم المدن السياحية في الفلبين يأتيها السياح من كل مكان في العالم
كما تعد مكانا مفضلا وشعبيا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع بعيدا عن العاصمة مانيلا. و قالت لي جنيفير ان ابنتها تجمع المال من مصروفها منذ سنة حتى تقضي عطلة الصيف في مدينة تال الجميلة لكن الحظ لم يوافيها لما حصل من مآسي

وكيف ان الوطن في لحظة الفرح يتحول الى مكان مرعب وهلع وفرار بعد ان تحولت ارض الزفاف الى جحيم بفعل تساقط الحمم البركانية، وتحولت المنازل الى اطلال، والاستقرار والامان الى نزوح بديل لحين سكون الحمم البركانية والعودة الى مدينتهم مجددا .
وما حدث في هذا العرس من أكبر مشاهد الدراما التي يمكن للانسان ان يراها ويفزع لها، فأهل الفلبين يقيمون حفلات زفافهم في مدينة  “تاجايتاي” استفادة من الخلفية الساحرة للبركان والبحيرة، في منطقة تال البركانية،
وكذلك فعل العروسان إيزا وجيزريل أوتور، البالغان من العمر30 عاما، حيث تزوجا في حديقة بمدينة “تاجايتاي”، في نفس يوم ثوران بركان “تال”، وفي توقيت تبادل نذور الزواج أثناء الحفل، وعلى اثره ، اضطر حوالي 100 ضيف، إلى الإسراع بمغادرة المكان هربا من الرماد البركاني، وتأثيره الخطير على الجهاز الصدري والتنفسي للانسان.
وهكذا لحظة فان سعادة العروسين تبدلت بالحزن لما لحق بالمدعوين من خطر وضرر، وما لحق بالمدينة من اضرار، حيث جفت البحيرة البركانية الرئيسية نتيجة ثوران البركان ، وماتت خصوبة الجزيرة وصارت أرضا قاحلة، كما غطى الرماد البركاني بلونه الرمادي الكثيف المنازل والنباتات والحقول.
وانتشر غاز ثاني أكسيد الكبريت في الهواء، وعثر على جثث حيوانات نافقة مدفونة في الرماد، أو طافية على الشاطئ ، بينما غطى الرماد المنازل التي شقى سكانها في جمع الاموال في بنائها وتأسيسها.
وتواصل المساعدة الفلبينية، جنيفير حديثها معي  لتحكي أثار ما حدث في بركات تال، وغيره من البراكين التي تثور في  بلادها، حيث يتسبب البركان في دفع المسئولين الى اغلاق القرى والمدن وقطع الكهرباء والمياه لدفع السكان إلى مغادرة المكان حفاظا على ارواحهم، ولذلك يجري إغلاق الأسواق والمتاجر والبنوك والمدارس والمؤسسات التجارية، وتخلو الطرقات إلا من بعض سيارات عمال الطوارئ وأفراد الشرطة، الذين يقيمون نقاط تفتيش حول البلدات المتضررة، بجانب إلغاء 240 رحلة طيران دولية.
فنشاط  بركان تال خلال الايام الماضية  دفع السلطات الفلبينية الى  إجلاء كلي لما يقرب من نصف مليون شخص بالقرب من العاصمة مانيلا، بعد أن أطلق بركان “تال” رمادا يصل طوله إلى 14 كيلومترا فى الهواء، مما أثار مخاوف من إمكانية ثوران البركان.
والطامة الكبرى انه بحسب مسؤولين فلبيين، فان بركان تال لايمكن التكهن معه بانتهاء فترته، وانهم لا يعرفون ما إذا كان سيثور بصورة أكثر كارثية أم سيظل مضطربا لمدة أسابيع أو أشهر، في ظل تواجد أعداد هائلة من القرويين النازحين في ملاجئ الطوارئ.
ولعله من المثير للدهشة، ان الفلبين  تقع على طول “حلقة النار” في المحيط الهادئ، وهي سلسلة من الصدوع حول حوض المحيط تشهد الكثير من الزلازل والانفجارات البركانية في اوقات مختلفة، وهو ما يفسر اندلاع بركان ” مايون ” في الفلبين في15 يناير 2018، وجرى اجلاء  أكثر من 12 ألف شخص من المنطقة، وكان أعنف ثوران له وقع في 1814 عندما قتل 1200 شخص في الحمم البركانية التي دمرت بالكامل مدينة كاغساوا، ويعود آخر انفجار لهذا البركان إلى 2014، ودفع السلطات إلى إجلاء 63 ألف شخص.
ومع استمرار النشاط البركاني في الفلبين فان اهلها يهجرونها لبعض الوقت يجمعون المال خلال هجرتهم ويعودون عندما تخمد البراكين لبناء منازلهم المدمرة مجددا داخل وطنهم الذي ينتمون اليه ويوفر لهم مصدرا جيدا للدخل من خلال السياحة، حيث ان أكثر من 11 ألف من السائحين المحليين والأجانب يزورون المدن والبلدات المحيطة ببركان “تال”  ويتنزهون اعلي قمة الجبل ويستمتعون بمشاهدة البحيرة البركانية ومياهها الخضراء ويتمعون بركوب الخيول.
اخيرا، فانني اعتقد ان الاعلام لا يسلط الضوء على هذه النكبة التي هجرت مليون انسان ومنهم عائلات العاملات في بلاد الغربة الذين ذهبوا للقمة العيش لبناء منازل هدمها البركان واصبحوا نازحين، والحقيقة ان في بلادنا ماسي الحروب و لكن في بلاد اخرى حروب الطبيعة فكل البشر يأخذ قسط من الهم والحزن أتمنى ان تنتهي كل المآسي من كوكب الأرض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: