محمد فكري الجزار: الأزهر الشريف والعلمانيون والحرب على الإرهاب

(1)

إشكال اجتماعي كبير يصل حد الازدواجية النفسية، أن تقوم الحياة الاجتماعية على أصول الدين وثوابته، وأن تسود المؤسسات الثقافية والتعليمية وحتى الإعلامية النزعة العلمانية. وليت الأمر توقف عند هذا، بل صارت المؤسسة الدينية الوحيدة التي نملكها، شعبا ودولة، غرضا لهجوم متواصل من ممثلي هذه النزعة، وعلى الرغم من كون هؤلاء من ذوي الهيئات الاجتماعية والعلمية، فغالبا كان هجومهم لا ينم عن علم حصلوه عما بهاجمونه، فما يتكلمون إلا بجهل وسوء قصد، وتحت شعارات براقة لا يراد بها إلا الباطل.

(2)

في ظل هذه الازدواجية كان الصراع لا مهرب منه بين رؤية كونية علمانية تمثلها أغلب المؤسسات الثقافية والتعليمية وبين رؤية كونية إلهية لا يمثلها إلا الأزهر الشريف. ولأن ممثلي الرؤية الكونية العلمانية يدركون جيدا أن الدولة الآن تواجه أخطر مراحل التطرف الديني المدعوم عالميا، فقد أرادوا بانتهازية مفضوحة أن يورطوا مؤسسة الرؤية الكونية الإلهية مع الدولة، على أساس كاذب يدعي أن الدين جامع بين هذه المؤسسة وتلك الجماعات المتطرفة، وما أرادوا إلا النيل من الدين ورؤيته الكونية وممثلي هذه الرؤية. وينسى هؤلاء أنهم كانوا من أهم أسباب نشأة ظاهرة التطرف الديني في مواجهة دعواتهم، ولا أقول أخلاقياتهم، بينما ظل الأزهر الشريف ممثلا للوسطية بين هذين الشرين، شركم وشر ما نتج عنه من تطرف، قائما على شئون الناس الروحية في مصر والعالم، فهل تستطيعون القيام بدوره هذا؟ وأنى لكم القيام بهذا بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير!!

(3)

والسؤال: هل تستطيعون أيها العلمانيون أن تواجهوا بفكركم وفلسفاتكم هذه الجماعات؟ وإن أجبتم نعم، فأين نتائج هذه المواجهة وقد كنتم الأعلى صوتا والأكثر نفيرا!! والحقيقة أن أولئك العلمانيين لو تمكنوا من الأزهر الشريف، لاستفرد الفكر المتطرف بعوام الناس الذين يحكمهم الدين في مختلف مناشط حياتهم، فهل هذا ما تريدون!! ولو أن الدولة أطاعت هؤلاء العلمانيين وانتصرت لهم ولرؤيتهم لهزمت نفسها بنفسها في المعركة مع الإرهاب. سؤال آخر هل أوجع الإخوان المسلمين موقف العلمانيون منهم أم أوجعهم وقوف الأزهر الشريف إلى جانب الشعب في (30 / 6) فنالوا منه وتهجموا على مقام مشيخته، وما يزالون.

(4)

إن واجب الدولة المصرية التي تواجه كما قلنا أخطر مراحل التطرف الديني المسلح والمدعوم من القوى العالمية والإقليمية أن تدعم الأزهر الشريف، وأن تحفظ الصورة الذهنية له عند جموع الشعب المصري والشعوب المسلمة كلها ، فالحرب مفتوحة على مساحة العالم كله، ولا تملك الدولة مؤسسة دينية عالمية مثل الأزهر الشريف يحارب بالنيابة عنها المعركة الفكرية مع هذا الفكر ويكمل معركتها الأمنية معه. وليس الإرهاب فقط هو المبرر العقلي والنفعي لكي تدعم الدولة الأزهر الشريف بكل ما يحتاج إليه لممارسة وظيفته الاجتماعية، فإن انهيار الأخلاقيات الدينية يكلف الدولة أعباء لا قبل لها وعلى كل المستويات، وكان يمكن توفير كلفتها لو أن الدولة منحت مساحة أوسع في كل وسائل الإعلام لعلماء الأزهر الشريف للاضطلاع بدورهم في توعية الناس، لا أن يشكو هؤلاء العلماء من عدم إتاحة حق الرد المكفول قانونا للدفاع عن أزهرهم إزاء الهجوم عليه بالباطل صباح مساء.

(5)

الحقيقة التي لا ينكرها إلا سيئو النوايا، أن الدولة المصرية تتمتع بقصور نظر له أثره الفادح على أدائها وظيفتها في حماية الشعب من التهديدات الفكرية والخلقية، وذلك بتركها البعض يستبيحون مقام السلطة الروحية للأزهر الشريف، وهي أحوج ما تكون إليه لمساعدتها على بناء مواطن صالح يسهم في تدعيم استقرارها. والمدهش ألا تدفعها تهديدات المتطرفين إلى إعادة النظر في تفعيل دور الأزهر الشريف في حياة الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: