الثلاثاء , نوفمبر 24 2020

ملحمة حاتم عباس بصيلة .. الأغنية الخرساء

ملحمة حاتم عباس بصيلة  ..  الأغنية الخرساء
كتب الأديب – عماد ألدعمي
الجزء الأول 

لأنّه وحيدٌ يشعرُ بالغربة رغم كلِّ ما يدور من حوله ، يبحثُ عن متنفسٍ ليبوح له فلم يجدْهُ راح يحاكي القلم ويحاوره ليكتب لنا ملحمةً قلّ نظيرها أطلق عليها – الأغنية الخرساء – لأنها خرجت من الذات وكان في تصوره أن الذات هي الوحيدة التي تعي الألم ، متغافلاً أو متناسياً أن هناك من يترجم اللغة إلى ألف معنى ، المعاناة التي عاشها بصيلة أثناء هذه الرحلة كانت مؤلمةً جداً وللغاية ، ولم يتنفسْ الصُعداء إلا حينما شعرَ أنها قد انتهت ، ولكنه وربما لم يعِ أنها وُلدت لنا وربما ماتت عنده حينما انتهى من كتابتها فولادة الكلمات نهاياتها ….
الأغنية الخرساء ثورةٌ عارمةٌ كتبها بصيلة وأطلقها للفضاء، لتكون اليوم ناطقة ، صوّر لنا فيها ملحمة طويلة راح فيها يخاطب نفسه بنفسه ويحاور كل ما يدور من حوله ويعالج بطريقته الخاصة ويحمل هموم الوطن بكامله ، الفقير منه والضعيف والمظلوم واليتيم والشهيد والمرأة المسكينة في هذا المجتمع الوقح ، يخاطب الزهر ويحاكي النهر ويحلق مع الطير ويقطن المرافئ الدافئة والمقاهي المكتظة بدوي الأصوات والمعابد والمساجد والطرقات ويتألم لما يدور من حوله فلم يجد أمامه من سبيل إلا بتسطير هذه الملحمة …….
قال في مطلعها :
يا ولدي لا تحزن
حين يموت الشعر
وتنتحر الكلمات
يا ابن الماء الطاهر
هذا زمن
لا يحلم فيه سواك
خذلتك الأرض ومن فيها
وبقيت بعطر هواك
لا تحلم بصباح يبكي
لا ترسم لوحة أشواك
يا ابن الماء الطاهر
هذا زمن القوادين
بلحى يتهادون على الأرض
لاحظ الانفعال الوجداني وهو يخاطب ذاته من ذاته فالخطاب للذات وليس لولده كما يظن الآخرون ، مستخدما لا الناهية الجازمة لكي يقطع خيط الأمل الذي رآه مفقودا بعدما سيطر عليه القوادون أهل اللحى البيضاء .
هنا لا بد من الإشارة إلى أن المنظومات الفعلية الدالة على الأمر ، لا تحزن ، لا تحلم ، لا ترسم ،وبمستوياتها المختلفة قد شكلت لقطات ومصورات شعرية حديثة من خلالها استطاع محاكاة الواقع .
وتستمر الرحلة المؤلمة الموجعة لتبوح لنا الذات الشاعرية المزيد والمزيد مما يختلج النفس الشاعرية التي عانت الويلات أثناء ولادة المفردات
يا بن فراتك
أشعارك منفى
ويداك تقطع كفيها
ومعانيك تمزق في شفتيها
أطلق لعنانك أفكارا
واهرب من قيدك
إن قيودك
نيران تأكل نيرانا
إن هذه الصور المحتشدة بأرقى درجات التجلي الشعري والانفتاح الصوري كان المنظوم الأول لها هو الانفعال الحاد المحبوك بالأفعال الحركية التي دلت على الطلب وكأنها صيحات جاثمة على الصدر أراد التخلص منها بأيِّ طريقةٍ ممكنةٍ .
والآن لحظة هدوء قاتلة بعد الشعور بضياع العمر ، فما كان منه إلا إطلاق صيحات مؤلمة ، لكنها خافتة أما دواخلها ثورة انفجارية عارمة 
ذهبت أيامُ العمر
على الطرقاتِ
وتمزقَ لحنٌ في النايات
فلماذا الصمتُ ؟
على الكفر
على الهذيان
في زمنٍ تعلو الأوشالُ به
يتمزقُ الفكرُ ويُهانُ 
لماذا يحتفلُ الناسُ بقتلاهم ؟
لماذا يحترقُ الوردُ على التابوت ؟
الآن باتت الصورة لك واضحة وجلية من خلال الاستفهام البلاغي المختزل والدال على ما أراد البوح به وما أراد أن يترجمه لنا حينما يراه واقعاً ملموساً يدور حوله كل يوم ،،،، فليس من المعقول أن تطلق الرصاصات لمقتول وضعوا الورد على تابوته ……..
بصيلة في هذه الرحلة كان طبيباً ماهراً ومشخصاً دقيقاً ولكنَ المرضى حوله كثيرون وأمراضهم مستعصية .
ليس من السهل أن يتصالح الشاعر مع من حوله رغم أن التواضع والنزول إلى أضعف طبقات المجتمع من صفات الشاعر الناجح وما قصدت بالتصالح هو التوافق الفكري فأحيانا يكون صمت الشاعر لغة ولكنها تحتاج مترجما خارقا للنفس البشرية ومن هذا يتولد الإلهام الشعري ليعبر عن مكنونات لا يمكن أن تفهم إلا من خلال اللغة وفي مرات ومع ذلك لا تفهم اللغة أيضا بالشكل الصحيح .
ما أردت الوصول إليه أن بصيلة في هذه الملحمة أراد أن يصل لقناعة مع نفسه أن القصيدة يجب أن – تجعل العالم يعني شيئا – وأن القصيدة قادرة أن تحدث تأثيرا أو تغيرا في حياته وحياة الآخرين وأنا متيقن حينما فرغ بصيلة من القصيدة شعر أنّه حقق ما أراد الوصول من خلال أغنيته التي تنطق الآن بيننا والتي كانت الخرساء قبل الكتابة بها ،
لا تسأل نفسك
من أين أتيت وكيف رحلت
انك لغزٌ مسكونٌ بعجائب هذي الدنيا
فارحل عن شعرك
ذاك هو الشعر
وتمسك بهديل حمام في طرف البستان
الآن تمعن بدقة إلى فارحل عن شعرك ، ذاك هو الشعر ،،،، ستجد أنه أراد الإفصاح أن الشعر هو الشعر كما هو باقٍ أن لم يحدث إعجازا خارقا للنواميس الطبيعية ….. فعلام البقاء مع الشعر وهو بلا جدوى
لغة الأمر لم تنفك عن الذات الشاعرة في هذه القصيدة وهي دلالات واسعة المعاني والأبعاد صدرت من روح تحاول أن تغير هذا العالم حتى راحت تنظر بعيدا للمستقبل فقط ، المستقبل المصنوع من خيال بعيد عن الواقع المدمر الذي أحاط بالشاعر وهنا ستلحظ ذلك
وتمسك بهديل حمام في طرف البستان
يا من يتساقط قبلا وحنانا
لصبايا ترقص مثل خيال
في أعماق الفنجان ………..
لو تمعنت في الأغنية الخرساء جيدا بدقة ستجد روعة الطبيعة ومدلولاتها الخلابة الساحرة وكيف استطاع الشاعر أن يجعلها مؤثرا كبيرا له الوقع على نفس المتلقي وخصوصا المزيج الطبيعي للحياة الريفية والحياة المدنية وأظن أن الشاعر يعيش ما بين البيئتين منذ ولادته ..
هذه الملحمة الكبيرة هي حكاية وطن لا تنتهي جسدها بأروع الصور منها مقابر الشهداء وكيف تُشنق الكلمات عند مقصلة الطغاة وأكف البغاة وفلسفة الذئاب ، وامرأة عجوز قتلها بردُ الشتاء ، وهو بين كل ذلك يرى نفسه وكأنّه ليس من هذا العالم لذا ظل ينشد مستقبلا خياليا محاولة منه للهروب من هذا الواقع الذي جعله لا يعرف سوى الغربة الروحية رغم كل ما يدور حوله
يا ابن الموج الهادر
أورقك الحزنُ
وأصبحت ثمارا بين الكفين
أو الكفين لا فرق لديك
ما أروع موتك
حين تكون ظلالا للفقراء
لاحظ الخطاب المليء بالشموخ والاعتزاز بالنفس حينما صور نفسه ميتا لكنه سيبقى ظلالا للفقراء ، هنا ستجد وتلحظ مدى الهموم التي يحملها في طياته ومدى المؤثرات التي تؤثر عليه والتي ستجعل منه مثالا رائعا يوما ما 
يا ابن الماء الهادر
لا تهدأ أبدا
واصرخ في وجه كلاب
زانية بذيول سوداء
الثورة العارمة لم تنفك مطلقا والصيحات مستمرة بوجه الطغاة وهي بحد ذاتها دافع قوي له وشحنة كبيرة لمواجهة ما يدور حوله وحولنا 
النداء المستمر حوّل الملحمة إلى حكاية سردية رائعة توجب على المتلقي أن يلتفت لها ، وهذا النداء المستمر بلاغة كبيرة عرف كيف يستخدمها بطرق سهله ، فليس من السهل أن لا تلتفت لمن يناديك 
لذا كان ذا حبكةٍ قويةٍ وهو ينادي الغير للفت النظر في حين كان النداء موجها لنفسه أي للذات الشاعرية .
النداء كان جوهريا فاعلا مكثفا ثريا عميقا ممزوجا متلاحما مشكلا تشكيلا هندسيا ونابعا من رؤية شاعر حاذق متمكن من أدواته .
يا ابن القصب المرتفع الآهات
يا ابن المصطبة الحمقاء على أمل
أن تجلس عاشقة
بيديها ظل كتاب من قلق الماء
لاحظ الصور الممزوجة بروح الوطن وتراثه وتاريخية وهو يجوب بنا ويحلق بعيدا للقصب وذاك المقعد المفتقر لعاشقة ………
ما كان ملفتا للنظر وبغرابة كيف استطاع بصيلة الحفاظ على وحدة القصيدة الموضوعية ومضامينها ، وهل من الممكن لشاعر أن يكتب هذه الملحمة لمجرد انفتاح القريحة الشعرية لوقت قصير مثلا ، والقصيدة تحتاج أياما وليالٍ ………
ليس لدينا أيُّ تفسير سوى التيقن بأن القريحة الشعرية للشاعر صامَتْ طويلا وطويلا محشوة بالكثير المتراكم وكانت بحاجة للحظة انفجار وانفجرت وما أن انفجرت لم تهدأ أبدا وظلت هذه الثورة عارمة إلى أن انتهت القصيدة…
مهزلة هذي الدنيا
ابصقْ جرحك فالجرح لئيم
وادرْ وجهك نحو الموت
فالموت جبان حين يراك
وأدر وجهك عن خنزير يتلبس ثوبَ الله
ويكركر ( حوقلة )
تحت ظلال الشيطان
الآن ستدرك تماما أن الشاعر كان لساناً للكثير ومترجما لهم حينما صوّر لنا مهزلة تدور حولنا من المتسترين بلباس الدين والعفة وهم تحت ظلال الشياطين ……….
لا بد من ذكر أن الشاعر ملكٌ للجميع فحينما يقرأ المتلقي كلماته يتصور أنها كُتبت من أجله أو يتصور أن الكلمات التي كتبها الشاعر كانت أمنية يتمنى أن يكتبها لكنه ليس شاعرا ،، وبهذا يظهر للناس جليا أن الشاعر ليس كما الآخرين ، ما أردت الوصول إليه أن الشاعر يجب أن يكون شعره رسالة إنسانية عظمى تحاكي جميع النفوس وتعالج ما يعاني الناس من هموم وما يشعر به الناس من ألم … فإذا ما فقد الشاعر هذه الصفة فهو ليس شاعرا .
ما هذا العالم إلا ثرثرة ودعاء مكذوب
بفم اللحية والدهماء
ما هذا العالم إلا أغنية
بفم أخرس تحت الماء
مزيج من صورة بلاغية مختزلة بطريقة عجيبة نمت عن شاعرية فذة فكثيرو الكلام الخارج من فمٍ مخادع باتت السطوة والسلطة لهم بكثير من مسميات دخلوا من خلالها ….
ثم المقارنة وتصوير العالم بأغنية تنتشي لها الأسماع وتطرب لها الروح لتذهب لعالم ليس فيه سوى السلام والحب ، لكنها محجوبة لأن الناطق بها ذو فم أخرس والأكبر من ذلك هو تحت الماء …….
الصورة لغة حداثوية جديدة قوية الحضور مرصعة برذاذ ذهبي عرف الشاعر أن يوظفها توظيفا قويا مؤثرا علينا حينما وضعنا أمام صورة رائعة جعل من المقارنة فيها أمرا واقعيا ملموسا الكل يؤمن به ..
الأنا الشاعرية هنا كثفت من المدلولات الحسية وبهذه المدلولات نستشف أن الشاعر ما كان همه القصيدة بل كان همه التعبير عما يدور بداخله وكأنه مترجمٌ لما نريد البوح به .
هذا الشاعر ابن الوطن الحقيقي الذي يموت في اليوم ألف مرة حينما يرى الأحداث والمجريات المؤلمة من حوله ، وحينما يرى الجمال بطرق تختلف عن طرق الآخرين لذا تراه دوما مزويا مطويا على نفسه .
انظر كيف يحاكي نفسه بنفسه ليترجم لنا
العنْ من يلبس ثوب الله ويسكر من دمع الفقراء
العنْ عربات اللهو تسير على قافلة الشهداء
انظر إلى كلماته وهو يحارب طغاة العصر ويفضحهم ، فبات يقينا موت الفقراء من الجوع بعد ما سرق مرتدو ثوبِ الله قوتهم ، وتلك العربات التي تسير والشهداء تذهب ضحية لهم …
لو أمعنا التدقيق في أواسط الرحلة لأنكشف لنا حدة الخطاب الشعري وتوهجه القوي وهو يخاطب نفسه بلغة اللوم وكأنَه يلقي على عاتقه مسؤولية العالم الذي يدور حوله وهي خطابات وجدانية حادة نستطيع عدها ذروة الملحمة 
ما لك يا ابن بصيلة لا تكتب شيئا
بعدها عبر عن مكنوناته بطريقة وكأنّه يعاتب نفسه وهنا أفصح صراحة بأسمه 
حدثني
حدثْ أتربة في الدار
ما أنت سوى شبح
في الكون يدور
ما أنت سوى كلمات تسرق من عمرك
تصوير غاية الدقة وكأنّه شبحٌ والكل لا يراه هذه الصورة مدلولاتها عميقة أراد من خلالها التعبير عن التأثير والمؤثر وسبب الوجود وكيفية تلاقح الأرواح التي أن تنافرت تباعدت وكأنك لا ترى منْ حولك ولا هو يراك ، ثم فناء العمر في رسم الكلمات التي أخذت العمر 
في المقهى ضاعت فيك السنوات
ورحلت مع الوهم
لترسل آلاف الكلمات
كانت مثل فراش حام على النار
فأحرقها النور
وشوق الرغبات
حكاية المقهى عند بصيلة يظنها الناس أمراً عاديا ولكنها جزءٌ لا يتجزأ في حياة بصيلة بعد ما تأكد لدينا حتما أنّ هذه المقهى هي الملهمُ الأول والأقوى لقصائد بصيلة ، بل وأكثر القصائد التي كتبها كان مصدر إلهامها هي المقهى 
في المدرسة الحمقاء
كنت تظن
بأن بلادك لا تكذب
لكن القائد موهوب بالكذب
وبالعهر المجاني
وبتسويق خطاب مدني
خدر أحلام البسطاء
في المدرسة الحمقاء
صورٌ رائعة تتجسد هنا حيث المدرسة وأحلامه التي كان يرسمها ويرومها في المستقبل وذكريات عالقة في الذهن حيث ذاك القائد الكاذب وخطاباته الوطنية الزائفة 
منذ بداية الملحمة ونحن نلحظ الوحي المكاني موجودا وبكثافة كالمقهى والمدرسة لذا كان الفضاء المكاني واسعا وهذا أحد أسباب الانفتاح الشعري للذاكرة التي خرجت من بطانة الذات الشاعرة لتشمل فضاء الأمكنة والأزمنة والوقائع .
الرؤيا في كثير من الأحيان للذين حولك تكاد تكون معدومة ، ليس بصريا وشكليا بل رؤية القلب حتى وكأن الذين حولك موتى . 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: