السبت , نوفمبر 28 2020

محمد فخري جلبي يكتب ….. حوار الذات المقيت

سلبية المجتمع تفرض قيودها وتظلل الأماكن من حولي ، وتلغي مهرجان الألوان التي تغزو الجدران والشوارع والنوافذ . فكما يقول البعض بأن فصل الصيف قد وصل منذ عدة أيام بعد أن مكث ثلاثة أسابيع في أقسام البوليس فقد تم التحقيق مع الضيف عن سبب تأخره ، ولكن بالنسبة لي الشتاء متواصل وسرمدي . ويخبرني أنا عن فلسفة الحياة وفرضية الألم لنشعر بالسعادة ، ووجوب البكاء لنستمتع بالضحك ، وعدة أشياء أستنبطها من كلام الفلاسفة القدامى حيث كانو يوعظون الناس كأنبياء في البارات وفوق حلبات المصارعة . ولكن أستحالة السرور في أيامنا هذه حقيقة عميقة ، مثل الموت ذاك الشي الذي يأتي مباغتا شرسا لينهي حياة طفل رضيع يتمسك بأغصان الحياة أو شيخ هرم يحاول السقوط عن شجرة الحياة منذ عشرين عاما دون جدوى . ويستكمل حديثه الرتيب العاهر فوق كل سرير معي بأننا قدمنا عراة يغلفنا كيس من أنسجة لزجة لنعبر القوقعة الصغيرة إلى المحيط الشاسع ، لنختبر أقدارنا ونمتطي صهوة الخير أو الشر كلا بحسب فطرته ، وبأن الحياة مسرحية لانهائية المشاهد يتخللها الحلو والمر ولكل فترة مقتضياتها ولكل ألم كفن صغير ينتظره .. وتنهد طويلا ومسح عرق كلماته وجبهته العريضة وخلع عنه معطفه الضوئي بعد أن وقف منتصرا يبتسم تلك الأبتسامة اللئيمة ينتظر جوابي أو حجتي أو ليكلل صمتي بتبريكاته اليسوعية . وأوعزت للكمان ببدء رحلته ، وللأجنحة المهشمة لروحي بالأستيقاظ ، فقد حان وقت المبارزة ودقت طبول الحرب المغولية أمام بوابة روحي المنكسرة حد التلاشي . ووقفت دون أستطاعتي للوقوف ، وأخذت نفسا عميقا دون أتساع صدري لكمية أوكسجين غير ملوث ، وفككت قيد كلماتي وأنطلقت بأقصى سرعتي إلى اللاشيء أفتش عن خنجرا مسموم يكون حبل النجاة لي أن هزمت . فلم أعد أقوى على الأسر وأن كان داخل جسدي ، ولم أحتمل فكرة تلقي الصفعات واللكمات وأن كانت من ذاك الجالس أمامي وأن كنت أنا قبل أنتحار عواطفي وموت شغفي للحياة بمرض لاشفاء منه . وبعد أنقضاء فترة الأستراحة حيث كان أنا يوقع للمعجبين على أوراق ملونة ، أو على صدروهم العارية ، أو على قبحهم المتخفي خلف أرقى ماركات الملابس العالمية فكلما عظم بذخ الشخص وتبهرجه في ملابسه فأعلم بأن القبح وصل ضفاف جلده ليخرمش مساماته ليظهر على السطح بعد محاولات أخفائه عن المجتمع . وبعد أن أحضر النادل الأنيق له كأس من الويسكي وبعض الكافيار جلس كقيصر روما على عرشه وأمرني بأن أكمل .. أمرني !! بعد أن كان الحديث يحمل صفة الوعظ والشفقة ، بعد أن خلع عباءة الأتقياء وأنضم لقوافل البشر ومصاصي الدماء دون أن يدرك ماهية ماوصل إليه . هكذا هم البشر بتحولاتهم اللامفهومة وأزدواجية مشاعرهم الباطنية ، أو هكذا خلقنا الآله البعيد خلف السحاب كجزء من تكوينه أو لحكمة مثل مليارات الحكم التي لانستوعب العشرات منها . لملمت فتاتي وفرشت حقائبي كبائع متجول فوق ناصية رمادية ليتسوق المارة من لحمي ومن دمي ومن ذكرياتي دون الدفع مقابل ذلك أو دون القاء عبارات الشكر التي لاأستحقها مادمت من فقراء المجتمع . وأخبرت الحاجب أو الجدار أو قائد حرس الملائكة الذين يقومون برعاية مصالحه وحمايته والمسؤولون عن لياليه الحمراء والخضراء ، بأن يسمحو لي بتقديم فروض الطاعة والسجود في بلاطه قبل البدأ . وبعد أنتظار عشرين عام سمح لي . فالبيروقراطية ليست حكرا على الدول ، فالبيروقراطية نؤديها على مشاعرنا وصلاتنا وصدقنا وأدق تفاصيلنا ، فمنذ أن قرر الآله المتواري عن الأنظار عدم لقائنا إلى يوم القيامة وبأنتظار نتيجة الأمتحان الكبير الذي وضعنا بداخله دون رغبة منا ، ذاك الأمتحان المؤجل النتيجة ، قررنا أن نمنح حياتنا تلك الصفة الآلهية ، وخلعت جميع ملابسي لأخبره بأننا ولدنا عراة ، وألقينا خلف القضبان عراة ، وأغتصبت أحلامنا وهي عارية ، وصلبت مشاعرنا على أخشاب العادات والتقاليد وكانت للمصادفة عارية تبكي بلادموع تستجدي الرجوع إلى جوارير القلب دون فائدة . وأما عن القوقعة الصغيرة حيث كنت قبل مجيئي فلم يتغير الوضع كثيرا سيدي فالغرفة التي أسكنها ضمن العشوائيات ليست أكبر أو أكثر أضاءة ، بل أنها تحمل نفس رائحة الرطوبة وتغوص باللزوجة . وأما عن أن الحياة مسرحية لانهائية المشاهد فلم أختر دوري على خشبة المسرح ، ولم يستشرني المخرج أو يثقفني عن كيفية أداء دوري ، بل فرض الأمر برمته بأن أقوم بدور المشنوق والمخدوع والفقير والجاحد والمارق واللص ، ودائما ماكانت أحاسيسي الداخلية ترفض القيام بتلك الأمور ولكن لحكمة لم ولن أدركها هكذا يجب أن أحيا دون أعتراض . وأما عن كلامه الفلسفي وذرائعه البراقة ، فلست أنظر إليها سوى بعين الشفقة والأستفزاز ، فحقن المخدر التي أعتاد الكبار أن يدوسها تحت جلدنا لم تعد تجدي ، ولم تعد تسكن الألم . ولن يذهلني هدوء الواعظ ويشدني كثرة المنبطحين بجانبه لأفعل مثلهم . فهناك عتبة للألم ، وعتبة للموت ، وللبكاء وللضجر وللصراخ ، وعندما نجتاز تلك العتبة لايوجد تعويذة سحرية أو تراتيل سماوية تنهي ذلك الألم المشرع الأبواب أمام غارات الملح النووية. فمن أدخل تلك الحقيقة عنوة في فكر المريض بأن قطع الرجل كاملة أفضل من الموت ، وبأن السجن المؤبد أفضل من الأعدام ، وبأن خيانة من تحب الأن أخف وجعا وأقل ضررا من خيانتها لك بالمستقبل . من أرسى تلك الثقافة الحمقاء في شؤاطئنا ، وأين تطبع نشرات الأعذار يوميا لنهدىء . 

وقررت الصمت قليلا لأستنبض مشاعر القيصر ولأسترد قليلا من كلماتي التي تنهب على الملأ ، فوجدت وجهه يكسوه الركون وعيناه تشتعلان غضبا ووعيدا ، ولكن لم أبالي!! فقد أجتزت حواجز الخوف والفزع من قبل أن أولد . وأستكملت … ياسيدي النازف بلا دماء تبلل حرير عرشك ، الصارخ بلا صوت ينذر بأقتراب النهاية ، الملقب قيصرا علينا بلا ورث أو حق سوى بأن من أوجدنا عراة سويا قرر ذلك . ياسيدي تختلف النظرة للحياة بحسب مكان جلوسك ضمن المبنى الذي يطل على الحياة بمفهومها السطحي، وبحسب أتساع حدقة عيناك ، وبمقدار سقوطك الأخلاقي والفكري . فكلما زاد مستوى أنحدارك علا منصبك وقدرك ، فالعلاقة عكسية . وكلما كانت مشاعرك مرهفة وصادقة وتملك قلبا صغيرا كالطيور فعند تلك اللحظة يحكم عليك بالموت حيا و … وهنا ألتف العسكر من حولي وعلت صيحات المتفرجين تعبر عن سخطهم بأن مزقو جسد ذلك الكافر العاصي ، الذي يجادل في المسلمات اليقينية . ولأنني أعلم تلك النهاية المأساوية لكل صرخة حق ولكل ثورة يقودها الفقراء ، أخرجت الخنجر المسموم لأقتل نفسي وأهرب من طقوس التعذيب الذي يستلذ بها المتفرجون ويسيل لعابهم لأجلها . ولكن لم أستطع لذلك سبيلا !! وأن كنت أملك تلك الشجاعة لأنهيت بكاء خلايا جسدي وهي تهرول إلى حتفها منذ تشكلها . وأستسلمت لقدري الأحمق وأنا أقضم خبز وجعي قطعة قطعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: