الإثنين , نوفمبر 23 2020

المعطف …..قصة قصيرة قصه قصيره للكاتبه علياء علي

كانت تبدو من بعيد ، من الباب المشرعة المفتوحة على اليسار واليمين ، صفوف ملونة من المعاطف والفساتين في محل راقٍ لازياء الاطفال مكتوب في واجهته ( المقص الذهبي ) .

كان صاحبه لبناني الجنسية جميل الصورة ، ربما جاوز الاربعين من العمر ، دخلت متاهة الالوان والموديلات طفلة في السادسة من العمر , تتغاوى بفستان قصير من الدانتيلا البيضاء المموهة باللون الأزرق وجوارب قصيرة بيضاء بحافة زرقاء تنتهي الجوارب بحذاء مشدود على كاحلها الرقيق بلطف يحنو على قامتها النحيلة ، كانت يصحبة والدها الذي يبدو كجدها ، فهذه الطفلة جاءت بعد زمن طويل من معاناة والديها بسبب العقم الذي بلا سبب ، يمسك بيدها الصغيرة بأحكام , وكأنه يخشى عليها من الطيران !
كان صاحب المحل مبتهجاً بقدومهما ورحب بهما ، أنتبهت الصغيرة الى يدها التي انفلتت وتحررت ، والى والدها وهو يصافح الرجل ، فتسربت كطيف وأخذت تدور بين المعروضات تتلمس فستاناً من هنا وبنطلوناً ملوناً هناك وتوقفت أمام صف من المعاطف ، وتأخذ نفساً عميقاً عند أكمام المعاطف وكأنها صياد بحاجة لمعرفة نوع طريدته !
ألقى والدها بنظراته الحريصة على المكان باحثاً عنها فوجدها على مرمى البصر فاطمأن ، تركها لبعض الحرية ، فقد كان يشعر بالذنب لمعرفته بكمية انعدام الحرية التي تعانيها هذه المخلوقة ذات العينين اللامعتين ، أستغرق بعض الوقت ليتحدث عن هموم التجارة وتداعيات السوق والضرائب المفروضة على البضائع المستوردة في ظل أنظمة تتغيير ، مرّ الوقت وكان لابد أن يختار معطفاً للصغيرة كي يعود على موعد الغداء وبذهنه موعد الشراب المقوّي الذي يجب أن تتناوله أبنته قبل الطعام بساعة ، نظر الى المعاطف وراق له معطف بلون أحمر موشى بورود صغيرة على الأكمام والياقة ، لاحظت الطفلة أعجاب أبيها بالمعطف فهزت رأسها موافقة وقام الأب بدفع ثمنه مسروراً ووضع صاحب المحل المعطف في علبة كبيرة وزينها بشريط رفيع من الستان الأحمر ، حملت الطفلة العلبة الأكبر منها وحاولت ان تخفي وجهها بها ، وكان الاب بحاجة لرؤية نظرة الرضى على وجهها فلمح بربق دمعة فلم يكترث لانه يعرف أن هذه الطفلة لاتبكي ، ففي يوم كسرت يدها وهي تلعب كانت تحدق بعين الطبيب وهو يجبّر الكسر وتقول له سأصرخ من الألم ، لا توجعني أكثر , كانت تتحدث فقط دون أن تبكي !
حاول الاب مشفقاً حمل العلبة ، لكنها أبت لأنها بحاجة لهذا الحاجز لاخفاء الدمع الذي بات يغرق وجهها ، خرجت قبله وهو يتابعها بنظره خوفاً عليها من التعثر على السلم الرخامي الأملس ذي الدرجات الخمس .
وطأت بقدمها الصغيرة السلمة الثانية وجلست على حين غرّة ووضعت العلبة بجانبها وانخرطت بالبكاء ، كان الموقف مفاجئاً , وغريزياً أحتضنها الأب محاولاً أن يفهم ما الذي حدث ، بابا هل تعانين من ألم ؟ هل يوجعك شيء ، يزداد البكاء والصغيرة تخفي وجهها بيدها وترفض الكلام ، خرج صاحب المحل مستفهماً ما حدث والتقت نظرات حيرته مع نظرات الاب الحائر هو الاخر وأصبحت هناك بركة من الحيرة يسبح فيها بجع من علامات الاستفهام .
حمل الرجل الصغيرة الى داخل المحل وأجلسها على مكتبه والأب الملتاع يريد بأي ثمن معرفة ما حدث لها ..
ــ ما بك يا طفلتي ، هل أنت جائعة ؟
تهز راسها نفياً ، استاذن من الرجل بمكالمة البيت فردت خالتها على الاتصال 
ــ هل هناك شيء أغضب طفلتي قبل الخروج ؟ 
ــ كلا , بل كانت مغتبطة بالخروج وحدثتني أنها تشعر بالحبور لخروجها معك .
يا ألهي ما بها أذن , عاد يستلطفها ويقبلها لتتحدث ويزداد الدمع أنحداراً ، شعر بأنفاسه الحائرة تضيق ولاحظت الصغيرة والدها يكاد يبكي ، رفعت وجهها اليه وعيناها محمرّة وأشارت بأصبعها الصغير الى معطف ذي لون أصفر بأزرار ذهبية كبيرة ، وعلى أكمامه وجيوبه الجانبية أزرار ذهبية أصغر حجما ً .. أهااا أنها ترغب بهذا المعطف لا الذي أخترته أنا !
يا لحماقتي ، أنها سيدة صغيرة
كيف نسيت أنها تختار لي ربطات عنقي , كيف غاب عن بالي غرامها بالألوان
أشار الاب الى المعطف الأصفر ، وأسرع الرجل كي يقوم بتغليفه ، هزت رأسها بأنها تريده دون علبة !
حملته بحرص واحتضنته وأستنشقت رائحة نسيجه ، أختارته بأنفها ، الذي كان لا يخطىء !
تركت والدها يحمل اختياره
وحملت هي اختيارها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: