الثلاثاء , ديسمبر 1 2020

د.حمام محمد زهيريكتب …..تواشيح صوفية في قصيدة :رسالة إلى الحلاج لمْ تُقرأْ بعدْ للشاعر اسحق قومي…

حين يشدو الشاعر بكل ما يملك ،مرة واحدة فذلك يظهر انه على “أهبة “العطاء المتواصل، الذي لا توقفه “أدوات الوقف” ولا حتى حدود المعنى، عندما انظر إلى قصائد الشاعر العربي “إسحاق قومي”، أجدني أحاكي منقولات سامية تكيف الكلام على منطوق “الثقافة الواسعة” فهو يقدم الملفوظ في سياقه المعروف عند السواد الأعظم ويبلغ عن معانيه المعروفة عند النخب، بذلك يجمع بين طرحين فكريين أولهما صورة التنسك في زمن الذرة،عند (متلقي متشبع)،وثانيهما صورة التأمل الفلسفي الراقي، والجمع بينهما باستعمال الملفوظ العربي الأصيل، يعد مسألة تناصية يكتسب صاحبها خبرة واسعة في توظيف سيبرنطيقا المعنى..

01-قبل البدأ هل هناك شيء يقال:
يجمع الشاعر في مطلع القصيدة بين “أربع قيم” (ثمينة) هي “الصمت، الغيث، المعصية،الراحة والمأساة” كلها تؤدي إلى فلسفة التنسك العبادي، الذي يتوخاه كل إنسان على مشارف إدراك حقيقة الراحة الأبدية، التي لا نعني بها “الموات” دفعة واحدة بقدر ماهي فناء في “مورفولجية معنى الراحة ” ،فروي العجز عند منتهى القوافي، يستقر دوما على لون التفعيلة، فجر المنحنى الموسيقى بين نواديها وبما فيها، يعكس تدفقا في الرنة ، كان له وقع جميل، ثم تبدأ مرحلة “التأمل” والناس نيام في المعاصي المقترفة في النهار والليل ، إنها نظرة تأملية لساهر ينتظر بلوغ الراحة عندما تفرج المآسي وتدير وراثتها للأحزان ثمة شيء سيحدث عندما تزول المآسي يتحقق فعل الرجاء والسكون.
استعمل الشاعر وصفا يليق بحالة الصمت التي لا تريد أن تبرح أفق “إما “مأساة في حياة الشاعر وهو يتذكر فقدان الأخ (عبد الحي) لغاية منتهى الحزن ، باستعمال القفر والتشحب، يشكل أيقونة سالبة بان الأمر جلل، وحاول من جهته أن يعظمه في صفة الممالك التي (تشجبها الصمت) إلى درجة القحط مشبها المكان “بطلل هاربة من الذاكرة ” الخاصة بالشاعر، ولكن في غمرة هذا القحط يسترجع الغيث مكانه ، تتوالد الزواية الغريماسية من بؤرة القحط والغيث ،معبران عن حالة سيطيل الشاعر في شرحها لاحقا، وكأنه رسم عنوانا مباشرا للمأساة عند قوله ” ممالكُ صمتكِ أقفرت نواديها /// وأزهرَ غيثُكِ سرَّاً بما فيها،)مما يدل انه تكلم من عمق معاناته، لان منطوق الصمت لا يعتبر قيمة ايجابية في توضيح معنى الانسياب العاطفي، بقدر ماهو مجلبة لتوضيح، حجم المعاناة في تفكيك أدوات الصمت السابقة واللاحقة.
وهنا تستيقظ “محنة الوصف” لما آل إليه وضع الصمت ،ولاشك أن أول ما يوصف حركة البشر مادام الصمت يعتريه فهو للتو خرج من الصمت والنفوس التي تتلوى كانت صامتة في إيقاعاتها ،الخيشومية مما يؤكد دلالة العلاقة الترابطية في بث القصة،من بدايتها إلى نهايتها ، أنا أتناول هنا معيار “القص المنهجي”،وليس الحكي فكلاهما يختلف عن الأخر.
تتقاذف إلى موسوعاته “أدوات العشق”، ولا أريد أن أفسر درجاته ، لان المنطلق هنا يجرني إلى لغة المتصوفة، فهو قد أوضح سابقا أن النفوس تتلوى ،إما معايشة لأحلام بها كوابيس أو مغانم كثيرة منها التعفف الصوفي، الذي يجعل النفس هائمة في هدوء، كان لزاما على الشاعر في هذا المقال أن يستدعي العشق العذري(يحنُّ في رُباكِ العِشقُ من زمنٍ /// وأبقى للهوى عهداً أُناجيها)..
يرابط الفارس الشاعر غير بعيد بين العشق والهوى ، نسميه تقليما في الماضي ، وهي كركرة الفضالة في أسمى معانيها، لما يدقق النظر في صنائع الرحمان من” كواكب سيارة وقوة وطاقة” تسري بين أرجائه أولها، جمال الكون، وثانيها نجومه، فالصدر الأول من البيت جاء” تأمليا” في الصنعة الإلهية وثانيها، “محطة نهاية التأمل” بإضافة تشبيه المبالغة بقوله قد فاح الشذا بالكأس صافيها، وصل إلى مرحلة “الطهر الفضيل ” الذي تميزت بها رابعة العدوية في نشرتها التأملية، وهو ما أدي بابن الجني إلى تسميته بالموضع الشريف اللطيف، وقد يقصد بالألفاظ أشباه المعاني التي فتق أوراها الشاعر قومي، بقوله (رحلتُ في مساماتِ الهوى عَمِداً /// وعِشقاً كانَ في التكوينِ يُعطيها) مستعملا حرف الحاء كحرف بطوطي يستوجب الرحلة العميقة في المدى، وكان سفره عبر المسافة أشبه بالغوص في المنهج الجينالوجي أو البنيوي، بنظرتي” لالاند وفولكييه” ،مستعملا ما يظهر انه أتعبه من كد وسهر وتقفية الوزن للقوافي ، تلك هي سفرية كلها ” تعب وضنك “لذا سافر من عمق المسامات، ليدل أنها قصيدة في عمق التأمل وطرح السؤال الفلسفي المعقد( إلى أين أريد أن اصل؟ بعد الذي كان’)
تتضح قوة العشق بدرجة الميس إلى وطن يتبختر على الأوطان كلها بتاريخه وعبقرياته مما قو ى لديه عبقية العشق ، ثم صرف مرابط الكلم لهواه، تتراءى صوره خالدة عبر المدارات حيث يحيط بالبشري من كل الجهات ، يأبى أن تبقى زاوية واحدة بدون تهيئة وطنية في عمق وغور مساماته(تُهيىءُ في مداراتِ الهوى وطناً /// وتسكُنني إذا جئتُ منافيها)..
استرسل هنا هنيهة ..لأساءل مرة أخرى بوصب الجهد، لا فاصل بين قرينتين تشكلان بالنسبة إلي منطلقا نحو العشق الصوفي، أما القرينة الأولى (أنا بحارها) دلالة على المتفرد في وصف الحرقة البعادية عن وطن يكاد يذوب من هول المأساة والثانية (بقايا الفجر) حيث المدامة الصوفية والمنزلة الربانية ، فالاعتلاء على مقام صوفي أشبه بالرجاء ، تنسك شاعرنا قومي كالعابد في خلوة لا يرى من فيضها الا هو فانيا في روح الوطن(أنا بحارُها في عِشْقها دمثٌ /// خمورٌ من بقايا الفجرِ أَسقيها) مما يلاقي كثيرا تفكير الشاعر بحوار الأديان القائم على تعظيم القدرة الإلهية وبصفاء الوحدانية، وسقاية الخمرية..في أحوال الحلاج..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: