الخميس , ديسمبر 3 2020

المبدع التشكيلي السوري اسماعيل الرفاعي: إشكالية نهاية اللون الابدي للاشياء… تأملات في خلق اللون الرمادي للمعنى

 
كتب :عبدالرحمن شاكر الجبوري 
أن اإشكالية نهاية اللون الابدي للاشياء تخص قبل كل شيء آخر، كينونة المبدع والمثير، ذاك الذي يشن دهشة ضارية، باحثا عن نماذج للمعنى، كما عن مُوَجِّهين تأملات ومَنْ هُم أجرأ للون الابدي للاشياء على اللون الرمادي، فلا يفلح في العثور عليهم ضمن رفات في ذاكرته الحاضرة ولا في زمنها القادم . لا يكتفي المبدع التشكيلي السوري، بإقامته لسيميولوجيا الكيانات اليومية للالوان، بأن يبرز الدلالات البارزة خلف الحركة التشكيلية التقليدية، وكيف تتحول ثقافة الالوان بعينها إلى طبيعة تضارسية او فسلجية قائمة بابديتها، فتتماثل المعاني وفق الدلالة المُسبقة، وإنما يسعى فنانا المبدع (اسماعيل الرفاعي) إلى أن يشغل التفكير لقضايا الفلسفة الشائكة من حيث متابعته لليومي الثابت والمتغير للون والاشياء، ومن غير لجلجة وحاجة إلى أن يقتحم تاريخ اللون وابديته مع الفلسفة، ويضيع بين أعماله الفنية التشكيلية، ويغرق في استغراقية المفاهيم المجردة والمصطلحات الساكنة. على هذا النحو يعرض في أعماله التخطيطية للاشياء، في وقفة على التمرحل الميثولوجي لمسألة الزمان التاريخي للون والمتغير للاشياء، وقضية المفاضلة بين التوليدي للون الاشياء والتاريخي في معناها عن طريق مقارنة يعقدها بين لوحة  “الابيض والاسود”، كأن يقول: أن الالوان عبارة عن نص ذهني في الذاكرة تُبنى دلالته تحت مراقبة أعين المشاهدة للمعنى الثابت. أما في الاشياء فالمعنى يُستمد من اللحظة للون الثابت المؤقت، وليس من الدّوام والاستمرار وابدية الاشياء في جوهره. المشاهدة والإشكالية هنا لا تشغل باله بعملية تكوُّن ونشأة علاقتهما المتلازمة فحسب، وإنما يترقب “تحول” الصورة اللحظية المؤقتة، لتجلي بعض الانفعالات في بدأ نشأ دلالة التفسير الغامضة مستقبلا. مما يستدعي الفنان المبدع (اسماعيل الرفاعي) إذن قراءة مباشرة لمعان تتراكم على شكل إشارات دونما حاجة لربطها فيما بينها كرمز متصلة الدلالة بمعزل ساكن، فلا يهمّه الامر بإشغاله المشاهدة، هنا مآل تفتح اوجه الإشكالية الذي يمكن للعقل أن يتتبعه ويتعاقب معه في التأملات. أما الإشكالية في التأملات فهي تستدعي معرفة التحولات اللونية التي يغمس الفنان نفسه  بالمآل وتبينا للغايات والمرامي للاشياء وعلمه بمستقبل ازاحة الالوان ضمن قراءات دلالية حقيقية الا انها غير معترف بها كموت او رفات الذاكرة. بعبارة أخرى فان الفنان التشكيلي المبدع (اسماعيل) أعماله تتماثل مع ذاته كحصيلة مشاهدة لا تشكل أيّ منها دالة لونية تتوقف على غيرها من المتغيرات للاشياء. فكل لحظة مؤقتة للون بالنسبة إليه تتطلب إحاطة كلية وانفعالا ذاتيا كما الاشياء في مكونها العضوي والحسي، مما ينبثق في انعزاله وتفرّده للمعنى من غير أن يمتد ليتوّج مآلا بأكمله على أبدية اللون مع وجود الدالة الشادة في ذات الاشياء او بذاتها او لاجلها للتغيير.
مشغله الفني وأشكاليته، ذاكرة تروي انتقال خطوط تواصلية منبثقة عن أصل الاشياء لتمتد بعمق في الزمان للون كي تسير نحو غاية ومعنى، أما مشاغله التأملية، فإن دلالاتها تقف عند اللحظة المؤقتة الذي لا يتخذ دلالته من غاية الحركة وانتقالات مسعاها للون ما، ولا يتوقف معناه على كلية خارجية لظاهرها. لا يعني هذا بتاتا أن المسعى يقتصر على التماثل بين الزمانية واللحظة المؤقتة، بين الحركة الانتقالية والتوقّف الابدي، أو بين التّاريخ للاشياء ونفيه للالوان، بقدر ما يعني تمييزا بين تاريخية شيء ما، وتاريخية لون ما. اذن تأملاته الإشكالية في مشغله الفني، هي تأملات في تاريخية نوازع لونية بجوهره مع الاشياء وتاريخية اصل الاشياء في توليديها التكويني génétique، لا يدرك مشغله الفني والفكري مشاهدة معناه إلا إن هو يبَنَى تنميطا لذاكرة تربط الأصل للاشياء بالدلالة، كي يرى فيها اللحظة المؤقتة، ليس معنى في ذاته فحسب، بل لاجل استكمال الحلقة الفكرية لديه في سلسلة مترابطة يتوالد فيها المعنى ولا يكتمل إلا عند معرفة المآل بحسب مدلوله. لذا يعلق باعماله خطوط ودوائر تشكيلية في عمله الفني مشغلا صراعيا، تقع راهنيته على نتيجة المآل لصرعات فلسفية في التفكير لديه. أي أن الأمور تكون في مخاضها بخواتمها او منجزها الذهني المنجز، أما في تأملاته نتلمس بالوقت نفسه فلا معنى للراهنيه على النتيجة لمجرد سبب أساس على المدلول عليه، بل صراعه الذاتي-الفني وهو أن المعنى لا يمثل في حركة الأصل للاشياء بالجوهر، ولا ينتظر المآل نحو الحس عنه عابرا، وإنما يتجسد في غنى اللحظة المؤقته لتدارك ما للظاهر ثمة جوهر يتماثل في الصراع اللوني المعاكس، وبالضرورة. بيد أن هذا لا ينفي التراكم اللوني في ذات اللون، ولا يستبعد التاريخيه عن مكنوناته من الشيء للاشياء. لكنه ليس التاريخية اللونية، هي التاريخية للاشياء عينها، وهو ليس ايضا يمثل حركة حاضر لوني مستقرة دائمة، بل هو إشارة مشغله ينطلق من أصل الشيء لينمو في اتصال-المؤثر، أو مع تأثير- التأثر، أو تأثر- المنفصل مع المتصل.. حتى يبلغ اللون في الشيء للنهاية والغاية والمعنى sens. ليس التاريخية الإشكالية للون هنا سريان المعنى ونموّه وتطوره développement في سلسلة مستمر و”سيرورة” processus متواصلة للاشياء خارجة عن دلالتها الزمانية للذاكرة، وإنما هو إعادة اعتبار لكثافة اللحظة المؤقتة، لكي تحتفظ بمكون ثرائها من غير أن تسيل في الديمومة القاهرة لمستخلفها او مستحضرها ومآلات مستقبلها.
تنتقل بنا سيميولوجيا مشغل الفنان إذاً من دلالة التأملي، إلى معنى التاريخية اللونية، ومن تمنطق الإشكالية إلى تمنطق الزمانية التاريخية للاشياء. إلا أنّ ما ينبغي الإلحاح عليه هنا هو أن الأمر لدى الفنان المبدع (اسماعيل الرفاعي) لا يتعلق مطلقا بهشيم وقذف التاريخية اللونية وتفتيت زمانها إلى أوجاع متناثرة وآنات متراصة، كما أنه لا يتعلق بتتالي الخطوط والشكل بدوائره المغلقة وافقية البنية للخطوط على حساب النشأة والتكوين للموضوع، على غرار ما كان يوجّه للبنيوية التقليدية من انتقادات خلال فترة الماضيgenèse/structure لدى بعض من الرسامين/النقاد التشكليين. كما ايضا ، لابد التنبه، بانه لا يتعلق الأمر إلا بالتمييز بين تاريخية اللون وتاريخية الاشياء، ضمن توافقية متزامنة لتاريخيهما التوليدي التكويني بالذاكرة، وبموقف آخر يريد أن يكون مضادّا في تمويله الذهني الفلسفي، أي انه يرفض أن يضحّي باللحظة المؤقتة للون في سبيل حركة كلية للمتوالد التكويني من لحظة مخاضه، بل إنه ينقل الكلية التوليدية إلى مستوى الحدث التكويني المؤقت كي يقف عند كثافته وغناه في عطاء سمة التأويل المستقدم في التأملات عبر خلق اللون الرمادي للمعنى.
ولعل كل وقفة تأملية تؤول عند فنانا (اسماعيل الرفاعي) تراكم اضافي للذاكرة، إلى التمكّن والقدرة من الانفلات من النزعة التكوينية التوليدية للمعنى من غير التضحية بالتاريخية اللونية ايضا. ذلك ما قد نلاحظه في معظم اعماله الفنية، والتي تدلل على اعتراف الفنان نفسه في مد خطوطه وهو يمنحها “تمردها” بسرعة بين “بؤرة المكان نحو تماثلها لفضاءها” كأعتراف عن نفسه، عندما يبيّن أن ما يأخذه على النزعة التوليدية للاشياء هو خلطها الدائم بين الحقيقة “البؤرة” والأصل “الاثير” في مدعيته بين “الظل والضؤ”.  ان دل على شيء فان ذلك يدل، على اللحظة المؤقتة للون مع الاشياء وهي تعجن حسيا في العجين التوليدي لوعي نفسها الأصل والحقيقة المؤقتة.. فترى الفنان في بحثه التنقيبي في الذاكرة عن الأصل الاشتقاقي للون مع الشكل هو مرمى كل معرفته نحو الاشياء. وهو يبين هنا كيف كان يتماوج بذاته لمراوغة فكرة الأصل للاشياء ومكوناتها اللونية الابدية، ليقول إنه كان يسعى ألا يرى في الطبيعة اللونية إلا الثقافة للاشياء، مما يدفعه ليعمل بذلك على إقصاء الطبيعي اللوني المؤقت ليحل محله التاريخي للاشياء، واقتناعا منه، ربما، وبحسب رأيي و وجهة نظري المتواضعة، أن للفنان السوري المبدع (اسماعيل الرفاعي) يختزل الاشياء في كل ثقافة لونية ليست إلا لغة بعدية في افق تاويلي للون المعنى “فلسفيا”، فانه كان يرمي بالثقافة في الحركة اللامتناهية للخطوط المتراكمة الرمادية، هي ليست بخطوط  متوالدة عبثا، بل لها تاملاتها الخاصة وتحمل دلالتها في تأمله اللاواعي عن الشيء بذاته.. لا لاجل ذاته او الواجب لذاته بل لأبثاق تأويل للحظة التأمل المتعالي كما وكأنه يستغرق في عوالم العوم مع ” مَثنوي” جلال الدين الرومي.
يبدو من قبيل الاستفزاز أن نتحدث اليوم عن الفنان الالتشكيلي السوري المبدع في إشكالية نهاية اللون الابدي للاشياء كحقيقة فنية. لنطرح اليوم سؤال ما هو تأثير الالون على الفنان، التجربة التي لم يتلقّ منها أيّ تجاذب تكويني ابدي أو لجة فنيّة لدلالة المعنى للاشياء. إذا كانت هذه التجربة عكست ما يُتابع بهنيته الفكرية تمفصلات عن حقائق لها وقع ليس قليلاً على جرحه الحسي الفني الانساني “الاخر/المرأة/الأم”، فإنّنا سنتجاوز ربط تاويله الفني بإرهاص حسي تفويضي عن تثبيت اللون ابدية الان، أو فضح الجنسنة الابدية للاشياء بمكونها التوليدي للحظة الثابتة، والتي تستفحل في المكون الانسني المؤقت حتما. بعض “لآخر” سيفكر في التوالد للمكون المتحرك الانتقالي للاشياء عبر اللون من زاوية اللوحة، في محطة التفتيش والمحاكمة على سبب نهاية اللون الابدي، وينقب فقط في أنظمة الاشياء الأخلاقية بقمعية مترفة، أو حتى في نظرة أسطورية للعالم بتجاوزها العلم الحديث وحقائق المكون الطبيعي للمعنى. واستثارة ما في معظم الحالات سيفهم الفن على أنّه العكاز أو الأفيون الذي يحتاجه الذين يرفضون تقبّل حقيقة الموت والوجود الآيل للزوال. هذا الفن هو فن الموهوبين العاديين الذين تَتقَبَّلهم مجتمعاتنا الفكرية والفنية العلمانية بشرط ألّا يُؤْذوا أحداً ذهنيا في التاويل في بحث اللحظة المؤقتة والثابتة للاشياء، عكس ما يفعله المغامرون أو المبدعون. أن لم يكن الفنان (اسماعيل الرفاعي) يتحدث عن الحقيقة في هاتين الحالتين فلن يكون حديثه ذا معنًى، اذا لم يكن رافضا الناسخ للافكار… اي بمعنى ان الفنان يضيف الفكر الفلسفي لاعماله اثناء الحركة والسكون وإشكليتهما من حيث فهم كل وحدة واحدة لنهاية اللون، كتماس حقيقة مع الاشياء في لونها المتغير والثبات للحظة المؤقتة للمعنى، لأنّنا لن  نتجاوز خطوط التأملات العميقة في أعماله دون التوقف عندها، كي نجد إلا سبب نهاية اللون الابدي للاشياء، وما مبرهن عليها، علاوة على كونها تحمل معان خطيرةً في التاملات في خلق اللون الرمادي للمعنى الإشكالي المتعاقب.
نحن هنا نتوجه بإنطلاق من تَمَثُّل نبيل للحقيقة في أعمال الفنان السوري المبدع (اسماعيل الرفاعي)، أي باعتباره ما يمكن التأكد منه بأسلوبية الخطوط والحركة وتأملاته الحقة للاشياء واللون. إنّه من الجدير التأكيد أنّ الاوان والمعنى، تتغير كما الأرض حين تدور وأنّ عكس هذا خاطئ تماماً، كما أنّه من الخطأ فرض توقع أنّ الاشياء خُلقت في ثبات. يمكننا أن نصدّق أنّنا قد نسمع صوت للاشياء وبتحسس تغيراته وتحولاته، وأنّ اللون “الرمادي” ذا كمال بذاته، يُرأى مدقعا ونابضا كواجب لاجل ذاته او بذاته، أو أنّ الفنان حين يبُعث لونا بعد ممات الشيء، يسود عليه، المكثف اللوني الرمادي. يمكننا أن نقول ذلك، لكنّها تظلّ أشياء لا يمكن التأكد منها بطريقة محايدة الا باللون الرمادي للمعنى. لا يمكننا التأويل او القول إنّ هذه حقائق ابدية الدلالة ايضا. الشيء نفسه ينطبق على  أعمال الفنان (اسماعيل) أو وجود الدلالة للحركة بعد الموت كيف يصبح اللون للاشياء. مما لاشك فيه، أنّ هذه تأملات نقدية شائعة في اعمال الفنان “لاجل ذات الاخر/الهو/المرأة/الأم”، لكنّ الأمر لا يتعلق بحقائق يمكن التأكد منها بمعنى التحقق من صِدْقيتها في نظرنا بصفتنا او صفة الفنان “الاحياء”، بل قرأته الفلسفية وتأملاته، أفرزت نهاية اللون الابدي للاشياء..واحياء متنامي في خلق اللون الرمادي للمعنى وفق عمق تأملي متعالي للفنان ذاته مع الهو/الاخر. 
بأي أشكالية وضعت نهاية اللون الابدي للاشياء، وأي من التأملات وضعت في خلق اللون الرمادي للمعنى، لتجد معنًى مبرر للتفسير، الذي يمكننا ان ندخل مع الفنان بشكل اعمق في النقد الحديث عن الحقيقة الكامنة في اعماله الفنية الابداعية؟  نحن نريد وفق منهجنا النقدي أن نبرهن “المدلول عليه” ممكنا، وبمعانٍ مختلفة ومتنوعة. لا يتعلق الأمر بوضع الحقيقة الاسلوبية للفنان، والحقيقة الموضوعية للاشياء في التشكيل، موضع الشك امام اللون، ولكنّ الأمر يتعلق بأن نرى إذا ما كانت التجربة الفنية بإمكانها أن توسع فهمنا للحقيقة وللبراهين التي تفترضها قرائتنا الجادة لها، وبحرص.
 لعل أية مقاربة للذاكرة لمفهوم الفنان، امام إشكالية نهاية اللون الابدي للاشياء والتأملات في خلقه اللون الرمادي للمعنى، تكاد لا تستقيم دونما استحضار الذاكرة كهواجس أزمة وصراع؛ أي كتصنف لانشطة عناصرها الضرورية، على أساسها نشأ الحضور الإشكالي ومعه التماثل الراهن. هكذا تفرس الاهتمام الفكري للفنان اسماعيل موجها ومرتبطا باللاوعي وما تستعرضه الذاكرة التطبيقية “ان صح التعبيرط، عندما كشف عن أن ماضوية كل فعل على الاعمال حتى فنون حضورها الفلسفي وضميمة “اللمسة” او “الضربة اللون” من اتصال، أن شئنا ملاحظته، إنما هو من حيث نتاج تناقضات صياغته، دون اتفاق مسبق عليها، اتخذت في كل تكنيك للتشكيل، وكيفيات الإشكال واستطراده او انزياحه عنها، باستعادة أشكالات مختلفة؛ وان رصدنا كان هو متابعة ايضا، ما يقدمه ظاهريا او خفية كحركة موضوعية، بجوهر ما اراد ان تشكل نهاية للون الابدي للاشياء، موسومة بسياق خارج ارشاديته الواعية، او لقاءات عرضية بين اللون والتشكيل، لا تخضع لإرادته الفنية فقط، بل هي تشكيل مصغر لرمزية تأملاته في خلق اللون الرمادي للمعنى، وفي تقديمها كظاهر مرئي بدلالتها، او خفاء بجسم تلك المفاصل، للاستدلال.
 فالاشكالية اذن، بأعمال الفنان، هي كرسالة آيلة إلى مبتغاه، بفضل انتصار محتوم لنهاية اللون على الاشياء. تبعا لذلك، تكون تأملاته قد تعرضت بفكرة منجزة ووجاهة في خلق اللون الرمادي ليس من حيث هو فنائها، بل من حيث انتسابها إلى أحد الطرفين للمعادلة الظرفية، وما تملكه وما اقره بإظهار الضمنيات، وكشف الافتراضات الفلسفية لنهايتها، واستعادتهما من حيث أشكاليتهما، والتوظيفان الماضويان للالوان: بأبديتهما في الاشياء أو اثبات المعنى ليس بحقيقة ثابتة  بابدية قيمتهما. فالاسلوب للاعمال الذي حلَّلَها، وترقبة المتفحص في احداث معطاه الفني وبادراكه ان يرفعها لا يَتكوَّن من ذاتية الاشياء، إنما هو تراتب الشك المترادف بين الذاكرة والفعل الراهن، لغرض  الاشكال اللوني بتكتلاته الصريحة بصدد بنيوية اللوحة في اثبات حقيقة الاشياء، بل حتى اللحظة وتسلسلها الزمني بذاته، فهي ليست نتاج قوة الفنان بوعي ذاكرة الشيء المثبتة، أكثر مما هو نتاج قوى القواعد للتفكير التي تتوخاها الالوان في تماس مباشر مع الذاكرة بصفة اللحظة الموقتة براهنيتها. بديهي، بالتالي أن الفنان (اسماعيل الرفاعي)، لايستحضر غرضه الاشكالي كنهاية للون الابدي للاشياء، إلا باعتبارها حزمة في مكنونات اصل الاشياء، وفهم ما قبلها مع صفات في تشكيلها الراهني بالأساس.
 إذن، الاشياء في غايته ان يبرر ما يقوله عن تأملاته هو، من يناديها فيما قالوه الاولون بمسمياتهم عنها، باعمال يتفقدها ويعدل عليها، ما كانت قابلة للنقد، لما جاؤ بعدهم عن وجاهتهم في فرض المعنى على الاشياء، و بكيفية الالوان والأزلية في استجابتهم الزائدة عن اللزوم للمعنى وما شرعوه في امتحان للاخر بها. الا ان الفنان في حواره في محك تلك الاشكالية على: قبول/ تعديل/ رفض/ المغالاة الا ما شرع هو لنفسه في تمرده على وهم حقيقة “زائفة” داخل افقه “الوهم” الذي قرر ان لا يتجنى او اخراج اللون عن معناه بحسب ما اجابوا به من محددات،  بل من خلال تمرده باثباته الإشكالي للموضوع، وما يمكن أن يؤكد ما ينطبق على احقيته، اقرار لاطروحاته وان يتفقد ويستعرض خاصتين هما: الاثبات الموضوعي لتلك الاشكالية، تشكيلا نقديا معدل للنقد ومسموح بتبرير ما قيل قبله من نقده، وما قد يجد معناه لاحقا من خلال مبرر الراهنية. لكن إذا كان واضحا أن الخطاب الفني للفنان، يدعو إلى وحدة الموضوع والتشكيل، التجمع وربط الأوصال للاشيااء، فبخلافه تماما نعثر على نهايتها اللونية، على نهاية تكاد تكون مُفكِّكة كليا للتاملات المجردة. ذلك أن ذات الفنان لاجلها مع الاخر، رغم أنه لم يرقنها ولم يسطح احدا منها في التغيير سواء نقده لتكلس المعنى أو وهم المعنى الثابت، مما كان أشد نقده بفلسفته الفنية النقادة للاشياء، شراسة نحو التغيير، وهو ولئن مَثُلَ كعدوها اللاعقلاني من ناحية، فهو من ناحية ثانية، يكاد يعتبر أكثر مركبا للالوان من الاشياء بذاته، ويبقى مع ذلك، مناصرها سواء كمشَّكل باعماله للفلسفة الارتيابية أو النقدية باشكالية نهاية اللون الابدي للاشياء. فلا عجب، إذن أن ينتقد التأملات الما قبلية للالوان ومشروعها التاريخي في الاشياء، مثلما فعل باعماله في خلق اللون الرمادي للمعنى، مع أنه، بخلافه يسترسل إلى حد انتقاده أيضا لمنتوج التأملات قد خلق الالوان الابدية الحيثيية ذي النزعة الأداتية العقلانية في ازلية الاشياء، متصورا الحيثية الراسخة كسجن للفكر الابدي، وحاجز ضخم في وجه الالوان·، سيما مع انتصار ابدعيات اعماله في اهمية تلمس بقائة في اشديد الرمادية للمعنى كي يزداد قوى الارتكاس رغم سيادة العدمية للمعنى، لكن كي يتأمل استغراقه في اصل الالوان ونهايتها الابدية في الاشياء… ما ساد الصمت باتأملاتنا معه، في السعة الهائلة من الجمالية المدهشة، ولخلقه اللون الرمادي للمعنى كما يراها. كما املين ان نسفيض اكثر في مقالات لاحقة للموضوع. والتي سنتناولها بعمق في مقارباتها النقدية لمفهوم الفنان بذاته/لذاته/لاجلها وصراعية التفكير الفلسفي في تبني تناقضات الاشياء وخطوط الارادة والاتصال والانفصال والقطيعة التاويلية مع كل منهما وفق للمحاور التالية: اولها، اسماعيل الرفاعي: الانا السردية لإشكالية نهاية اللون الابدي للاشياء. ثانيا،  اسماعيل الرفاعي: الذاكرة وتاريخية تأملات في خلق اللون الرمادي. 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: