الجمعة , أكتوبر 23 2020

(سِرُّ الْحياةِ والوُجود) بقلم الدكتور البروفيسور / لطفي منصور

أ.د. لطفي منصور
(سِرُّ الْحياةِ والوُجود)
اُتْرُكِ الدَّهْرَ والأَيّامَ تَفْعَلْ ما تَشاءُ، وَلا تَكْتَرِثْ بِعُلُوٍّ يَسُرُّ، أوْ هُُبوطٍ يُساءُ. فَأنْتَ لا تَقْدِرُ أنْ تُغَيِّرَ قَضاءً وَجَبَ، ولا حُكْمًا تَقَرَّرَ في السَّماواتِ الْعُلَى،
فَكُلُّ مَنْ دَبَّتْ فيهِ الحياةُ هَذا مَصيرُه: الابتِداءُ والنِّهايَةُ، من إنْسانٍ، وحَيَوانٍ بَرِّيٍّ أوْ مائِيٍّ، أوْ طائِرٍ يَطِيرُ، أوْ زاحِفٍ يَزْحَفُ، أوْ نَباتٍ يَنْبُتُ، حتّى البكتيريا والجراثيمُ والفيروساتُ كلُّ الأحياءِ تَسيرُ المَسارَ نَفْسَهُ: بدايةٌ أو ما قَبْلَ البِدايَةِ، ثُمَّ مَسِيرّ إلى نِهايَةٍ لا بُدَّ مِنْها، ثُمَّ إلَى فَناءٍ وَعَدَمٍ لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ إلّا اللّهُ الذي أخبرنا عن طريقِ أنبيائِهُ أنَّهُ التُّرابُ – وهذا ما نُشاهِدُهُ من رُفاتِ الموتى، وصَدَقَ الشّاعِرُ الحكيمُ حينَ قالَ:
“وَكُلُّ ما فَوْقَ التُّرابِ تُرابُ”
ولكِنْ لَوْ سَأَلْنا: ما هو سِرُّ الوُجودِ، وما الْحِكْمَةُ من هذهِ الحياةِ الَّتي تنتهي بالْفَناء؟ لنْ نَصِلَ إلى أجْوِبَةٍ مُقْنِعَةٍ لِلْعَقْلِ. فَفي الكتُبِ المقدَّسَةِ، ومنها القرآنُ الكريمٌ، الْعِلَلُ مَعْروفَةُ كما جاءَت في الآيَةِ الكريمةِ (وما خَلَقْنا الْجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدونِ) سَبَبٌبٌ واضِحٌ ومعقولٌ، لكِنَّ باقي المخلوقاتِ منَ الذُّبابِ والنَّمْلِ والذَّرِّ وما دونَها منَ الجراثيمِ الْمَخْلوقَةِ والنباتُ والأشجارُ، وحيوانُ البَحْرِ منَ السَّبابِحِ وغَيْرِ السّابِحِ ما لَها وعبادَةُ اللَّهِ (تَعالَى اللَّهُ عُلُوًّا كَبيرًا عمّا يقولونَ).
مكثَ عُلَماءُ المُسلِمينَ وفلاسِفَتُهم وَمُعْتِزِلَتُهُم خَمْسَ مِائَةِ عامٍ، وقبلَهمُ علماءُ اليونان والفراعِنَةُ والمجوسُ والهندوسُ. فلمْ يَأْتُوا بِقَوْلٍ مُقْنِعٍ، وَرَفَعَ فيلسوفُ العرَبِ محيي الدينِ بنُِ العَرَبي شعارَ وَحْدَةِ الوُجودِ فاتُّهِمُ بالكُفْرِ، وحاوَلَ ابنُ رُشْدٍ في قُرطُبَةَ التَّوْفيق الدِّينِ والفلسفَةِ في كتابِهِ “فصلُ المقالِ فيما بينَ الشَّريعَةِ والْحِكْمَةِ منَ الاتِّصالِ” فَأَخْفَقَ، واتُّهِمَ بالزَّنْدَقَةِ فَصُلِبَ وَأُحْرِقَتْ كُتُبُهُ.
وَلَمّا رَأى ابنُ حَنْبَلٍ أنَّ سُلْطانَ العَقلِ يقوى عِنْدَ المعتَزِلَةِ وأتْباعِهِمْ كَفَرَ بالعقلِ، واتَّهَمَهُ بالنُّقْصانِ وَالْقُصورِ وقالَ كَلِمَتَهُ المَأْثورَة : “بِلا كَيْف”.
وَلَمّا رَأى أبو العلاءِ اخْتِلافَ الأيانِ وتَكْفِيرَ بَعْضِها بَعْضًا قالَ بيتَيْهِ الشَّهيرَيْنِ:
هَفَتِ الْحَنِيفَةُ والنَّصارَى ما اهْتَدَتْ
وَيَهودُ حارَتْ والْمَجوسُ مُضَلَّلَة
اِثْنانِ أهْلُ الأرْضِ ذُو عَقْلٍ بِلا
دِينٍ ، وَآخَرُ دَيِّنٌ لا عَقْلَ لَهْ
والْيَوْمَ وقد تطَّورَ العلمُ والتِّكنولوجيا، وأصبَحَ الإنسانُ يَغْزو الفضاءَ، ويمتلِكُ سُفُنَ الْفَضاءِ، وتلسكوباتٍ تكتَشِفُ نُجومًا ومَجَرّاتٍ تَبْعُدُ عنّا ملايينَ السِّنينِ الضَّوْئِيَّةِ، لم يصِلوا إلى الآن لِاكتشافِ نَوٍعٍ منَ الحياةِ عَلى ظهرِ واحِدٍ منَ الكواكبِ التي يُمْكِنُ أنْ يكونَ فيها حياةٌ حتّى ولو كانَ نوعًا منَ البكتيريا.
وأختتِمُ هذهِ الكَلِمَةَ عن سِرِّ الحياةِ والوُجودِ بِما كتَبَهُ أُستاذي وأبي العِلْمِيِّ والرّوحيِّ برفيسور يشعيا غولدفلد قبلَ رحيلِه: ” ما أنا إلّا جُزءٌ منَ الطبيعَةِ كَشَجَرَةٍ مَثَلًا، كانَتْ بَذْرَةْ ثُمَّ نَبْتَةً ثمَّ فسيلَةً ثُمَّ شَبَّتْ وَأثمَرَتْ ثمَّ هِرِمَتْ وماتَتْ. لا شَيْءَ بَعْدَ المَوتِ.
هذا قولُهُ واللّهُ أعلَمْ.
الخطابُ في البدايةِ لنفسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: