الأربعاء , أكتوبر 21 2020

عبد الوهاب سلطان الدويري يكتب….هكذاهي السجيّةُ

هكذاهيالسجيّةُ

عبدالوهاب سلطان الديروي.باكستان

أَبَتْ علي السجيةُ اليوم، و لم تطاوِعني على ما أكتب، شددتُ عليها، لأعصِر ما فيها، فعاندَتْني أكثر.!
ثم أرخيتُ عنانَها، وتركتُها على طبيعتِها، فبدأتْ تتفتّح رويدًا رويدًا.
هكذا هي السجيّةُ تمامًا،
و قد تُرسِلها على طورِها، في وسط الصفحة، و بيدِها القلم، لِتمضي فيها كاتبةً، و لا تقطع مسافةَ فقرةٍ حتى تعترض طريقَها فكرة أخرى، تُلامِس ريشتَه، فتُغيّر مسارَها، و تَمضي تكتُب هذه الفكرة فقرتين أو ثلاثٍ، حتى تساورها أفكارٌ أخرى، تتعدّد مسالكها، و تفترق طرقاتها، حتى يتعثّر القلم مما يكتب، و تحار السجية مما تُملي عليه.
و فِعلًا، هذا ما حصل معي أكثرَ من مرّة ، و في أكثر من موقفٍ، وأنا أطبع هذه السطور.
آخذ في الكتابة لأقيد فكرةً سبحتْ على صفحة الذهن، و لا أكاد أقضي حاجتي منها حتى تطفوَ على السطح أفكار أخرى متشابهةٌ و متقاربةٌ، يقذفها القلب إليها.
و لِنفهم هذه النفسيّةَ أكثر، يسَعنا القول بأنَّها أشبه شيءٍ بمقترحات ” البحث الإلكتروني” التي يطرحها الشبكة في شكل فيديوهات أو منشورات مقترَحة أمام الباحث، لأدنى ملابسةٍ، عسى أن تلائمَ ميولَه و توجّهاته و أذواقَه، و ربّما بدونِ مناسبةٍ تدعوا إلى ذلك. و عجبًا فعلوا إذ نسخوا نظام الأمخاخ البشرية و ركبّوه في آلةٍ جامدةٍ لا تحسّ رِكزا.
لم أجد لمعالجة هذه الأفكار المتبعثرة التي تتوارد على ساحة الذهن حلّا،
فقلتُ: لأجعل من هذه المشكلة ذاتِها فكرةً، ينبغي أن أقيّدها، فهي بدورِها لا تقِلّ عن أن تكون ” حالةً نفسیةً” تناقَش في علم النفس. و هل كان علم النفس علمًا ؟
لا، لم يكن من العلم في شيءٍ، و إنما هي أفكار و هواجس و خواطر و أحلام و وساوس بشرية، قيّدوها في قفص الكتابةِ، و ناقشوها فأضحَت ” علما” يدرّس و يُناقَش. فلماذا لا أصطاد هذه المشكلةَ و أحبسها في نفس القفص، عسى أن يكون من العلم في شيء!
هكذا هي السجيّة تماما،
و كما رأيتها في السطورِ أعلاها، تذكر الشيء بالشيء، فتنسحب عليه، و تخرج عمّا كانت بصدِده.
بدأتْ القصة هنا من تعليق بسيط، و تخلّلتها أحاديث اليمين و الشمال،و تعرّجت على ثلاث منعطفات في رحلة واحدة.
و بشقّ كبحتُها من الاسترسال في هذه المنعطفات. فلو تركتها و شأنَها لذهبت في كلٍّ منها مذهبا بعيدا.
هكذا هي السجية،
تكبحها حينا فتَجمُد، و تُرسلها حينا فتجود.
هنا اكتسبتُ تجربةً، أو قل تعلّمت فائدةً.
و هي أن السجيّةَ كالبقرة الآبدة، لا تستسلم للاحتلاب بقوةِ يدٍ، و ضربةِ عصىً، و لكنّها تُعطيك مقادتَها بمَسحةٍ يدٍ ناعمة، تُمرّرها على شَعرها، فظهرِها، ثم تنحدرِ بها إلى ضرعِها، تمسحه برفقٍ و شئٍ من اللين، فتُدرّ عليك الحليب الحلال.!
هكذا هي السجية،
أبيّةٌ عنيدةٌ، لا ينفع معها سياسةُ الضغط و التشديد، و لا تُطاوعك إذا شدّدتَ زِمامَها، و كبستَ على عنانِها،
و إنّما تنقاد لك، و تُعطيك مَقادَتَها إذا تلطّفتَ معها، و عاملتَها برفقٍ وعطفٍ و لينٍ.
هكذا هي سجيةُ الكتابة يا سادة،
كلما أبَت عليك، وعاندتْك، أرخِ لِجامَها، واترك حبلَها على غاربِها، و قلَمَها على صفحتِها،
لِتُملي الطبيعةُ عليها ماشاءتَ أن تُملي، وتسوّد من بياض الصفحة ما شاءتْ أن تسوّد!
سُرعانَ ما ستجِدك أمامَ حروفٍ، وكلماتٍ، وفقراتٍ، نُسجت ببعضها، بخيطٍ من الجمال والأناقة، في إحكامٍ وقوةٍ، وانتظامٍ ورشاقةٍ، واندفاعٍ وسلاسةٍ،
و هي المقالة الناجحةُ بعينِها…!
هكذا هي السجية تمامًا.!

عبدالوهاب سلطان الدِّيروي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: