أوراق لكل شئ غير الكتابة …قصيده للشاعر ممدوح درويش ابو هبة

(1) 

عصاي لم تشق البحر
فغرقت وحدي في الخواء
يدي التي تخدعني لتقلب الجريدة
وتخفض صوت المذياع
و تقص أشجار الحديقة
فكرت ان اخرج بها قطعتين من النقود
لصبي صغير يتسول في القطار
وحين اخرجتها ، لم تكن بيضاء .
(2)
يحكمون علي بالنفي ،
أحمل عمري و ما قرأت عن فلاسفة الإغريق ، فلا تقبلني مدينة
أغترب بغير هوية بين الغرباء
لا أعلم الناس السحر ، لا أفرق بين المرء وظله
ولا بين القلب و موته
أتهم أني مارق ، داعر ، و شقي
و أني تلصصت على حشد من الأقمار كانت تدور في فلك سرمدي
له حرملك ، يتبع الف إله غير أشقاء
كل منهم يقاسمني الحلم ،
و رزق اليوم ،
و يدق مساميره في يدي .
( 3)
الهاربون من السبي ، عبدوا العجل ، وضعوا الصباح على قوائم المنع من السفر
تركت خلفي رجلين يتعاركان ، تجاهلتهما
بعد يومين عاد الرجلان لعراكهما
أحدهما
كان معي حين أطلق الجند زخيرة حية
خدشت ذراعه طلقة ،
فلففت جرحه بكوفيه
صارت كوفيتي جرح آخر
اجلسته على الرصيف و أخذت مكانه
والثاني كان رجلاً فظاً ، يخدش بلسانه السماء
يلوك جرح كوفيتي بالزيف
وحين شهدت للأول ، أبلغ عني رجال الأمن
و حين شهدت للثاني ، أتهمت بالخيانة “
– الواقفون في انتظار المخلص ، أضنتهم المسيرة ،
صوت جانبي يشبه صوت معلم الكيمياء الغليظ
” انت من ضلل البسطاء ”
تركت في العراء ألتحف بخوفي .
(4)
هذه المدينة ، أكوام من الضغينة يحوم حولها الذباب
أهش ما أهشه من موتها الأبله
تحاصرني بجدرانها الأربعة
زنزانة أحس ضيقها في قلبي ، أنفث الدخان
يتسحب كطابور من النمل من تحت الباب
أحاول اللحاق به ، فتصدني القضبان
هي أصابع غليظة ، وحشية ، لها أنياب
وحين تخدش جبيني ، يتسربل قدري كخيط ضعيف من السكر
أحاول رشوة النمل منه ، لكي لا يبلغ عني إن تسللت بينهم ، كأنني نملة
يعاملها النمل بشكل عنصري
لكن دخاني صار قيد من الف حلقة
أولها بين يدي وآخرها في يد السجان .
(5)
أتحسس ذراعي بعد أن بتر ، كنت أمده لأنتشل قشة تنجيني
صارت القشة سيف بيد الموج ، فعاقبني .
(6)
كسجادة مهترئة معلقة علي جدار البهو
تطالعني عيون الزوار ، و تبدي اندهاشة
الذمن الذي خربشت أظافره الجدار الأثري
وغبرت أهداب القمر فصار مثلي
لا يلائم صورة فتاة ريفية بجواري
خذلتها سحابة صيف ، فضحكت ببشاشة .
الساعة تدق ، يعلو رنينها ، كأنها مطرقة
تدق رأسي فأنغرس و يكسوني الصدأ ،
صرت مسماراً عتي
يعايرني عقربها الكبير ، يلدغني
أشعر بسريان سمه في يدي
اشرب الترياق من صمتي ، فيزداد الظمأ
الذمن متراس ، يسد باب البهو
صراخ الفتاة الريفية يشق البرواز الذهبي
وانا أطالع لا مبالٍ لمرور النادل العجوز
وهو يحمل رأسي ، يقدمه لضيوف الحفل في وعائه الخشبي
أتحسس جسدي ، أخجل
قلبي مازال يخفق ،
احس بظهري رغم انحناءات الرطوبة و الهشاشة ،
يداي متشبثتان برداء أمي وقدماي تسيرا خلف أبي
تخافا ان تدوسا ظله ،
او تسبقاه فتسقطا في الوحل
او تهربا منه لتطاردا الفراشة .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: