الإثنين , سبتمبر 28 2020

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل سيد درويش

هو ” فنان الشعب ” و ” خالد الذكر ” و ” مُجدد الموسيقى العربية ” و باعِثُ نهضة الألحان و المَقامات الموسيقية فى مصر و الوطن العربى ” الموسيقار العملاق ” السيد درويش البحر ” الشهير بسيد درويش ذلك الموهوب الرائع الذى يُعد واحداً من أهم الموسيقيين العرب على مدار التاريخ ذلك الفنان طيب القلب المرح الضاحك المُتفائل دائماً المائل للسُخرية الجميلة الذاكية من دون مرارة و لا حقد و شديد الولاء لأصدقائه فكان كريماً مفتوح الكف عطوفاً على الفقير و الضعيف و كان ذكى العقل و مُرهف الحِس الى أبعد الحُدود و هو أيضاً المُعمم المُطربش الذى كان يخفى تحت عمامته ثورة غاضبة قلبت كل الموازين فى الأسلوب التقليدى للغناء فى عصره حيثُ كان هدف الموسيقى المصرية قبله هو الطرب فقط و لكنه جعل منها مهنة أكبر و أهم بعد أن استخدمها فى الجهاد الوطنى و الإصلاح الإجتماعى و شارك فى حث الجماهير على الثورة ضد الإنجليز عام 1919م و قدّم للموسيقى و الفن المصريين الكثير رغم قصر عمره و وفاته التى لا تزال لغزاً كبيراً حتى كتابة هذه السُطور ! و الحق يُقال أن سيد درويش كان فناناً كاملاً فى بهائه و مُتوَّجاً بتاج ثقيل تُرصِّعُه آلافُ اللآلئ و فى قلبِ كلِّ لؤلؤة مَشهدٌ و فكرةٌ و بيتُ شعرٍ و قلبُ شاعرٍ و روحُ أديبٍ و ليالٍ طوالٌ من السَّهر و السفر و القراءة و التدريب الصوتى و الحركى و الروحى حتى وصل على عربة ملكية تجُرُّها خُيولٌ عربيةٌ قُدَّت من ماء الشِّعر و الملاحم و الأساطير فتعلّقتِ الأبصارُ بموسيقاه و أغانيه اللتين تحملان إرثًا هائلاً من فرائد رفيع الآداب العالمية الصعبة التى لا يقوى على مُطارحتها إلا ذوو البأس و ذوو الموهبة من الحقيقيين الذين لا تُدثِّرُهم قشورُ الزَّيف و غُلالاتُ الادّعاء .. ولد سيد درويش فى حى كوم الدكة بمُحافظة الأسكندرية فى 17 / 3 / 1892م وسط أسرة فقيرة و كان والده ” درويش البحر ” بحاراً له ورشة صغيرة فى كوم الدكة يصنع فيها القباقيب و الكراسى الخشبية و يحصُل على رزقه هو و أسرته بصُعوبة بالغة و كان أمياً لا يقرأ و لا يكتب أما والدته ” ملوك ” فكانت سيدة أمية هى الأخرى و أنجبت شقيقتان تكبرانه ” فريدة ” و ” ستوتة ” و أخرى تصغره ” زينب ” و قد كانت أمنية والده أن يراه شيخاً مُعمماً يحفظ القرآن و يُجوده فأدخله كُتاب الشيخ ” حسن حلاوة ” و تعلم مبادئ القراءة و الكتابة و حفظ قسطاً من القرآن الكريم و كان شغوفاً فى طفولته بالاستماع الى الشيوخ الذين يحيون المولد النبوى و يحفظ عنهم و يُقلدهم أمام أطفال الحى و فى عام عام 1905م التحق درويش بالمعهد الدينى بالأسكندرية و كان فى وقت فراغه ينشُدُ مع أصدقائه ألحان الشيخ سلامة حجازى و الشيخ حسن الأزهرى و تزوج و هو فى السادسة عشر من العُمر و صار مسؤولاً عن عائلة فعمل مع الفرق الموسيقية لكنه لم يوفق فإضطر أن يعمل فى مجال المِعمار كعامل بناء ! و كان خلال العمل يرفع صوته بالغناء مُثيراً إعجاب العُمال و أصحاب العمل أيضاً و قد تصادف وجود الأخوين ” أمين ” و ” سليم عطا الله ” و هُما من أشهر المُشتغلين بالفن فى مقهى قريب من الموقع الذى كان يعمل به الشيخ سيد درويش فإسترعى إنتباههما ما فى صوته من قدرة و جمال و إتفقا معه على أن يُرافقهما فى رحلة فنية إلى الشام فى نهاية عام 1908م و ظل درويش هُناك حتى عام 1914م حتى أتقن أصول العزف على العود و بدأت موهبته الموسيقية تتفجر و لحن أول أدواره ” يا فؤادى ليه بتعشق ” و فى عام 1917م عاد درويش إلى القاهرة و مُنذ ذلك الوقت سطع نجمه و صار إنتاجه غزيراً فقام بالتلحين لكافة الفرق المسرحية فى عماد الدين أمثال فرقة ” نجيب الريحانى ” و ” جورج أبيض ” و ” على الكسار ” حتى قامت ثورة 1919م فغنى ” قوم يا مصرى ” و يُحسب لدرويش أدخاله الغناء البوليفونى ” فى الموسيقى للمرة الأولى فى مصر فى أوبريت العَشرة الطيبة و ” أوبريت ” شهرزاد ” و ” البروكة ” و بلغ إنتاجه فى حياته القصيرة من القوالب المُختلفة العشرات من الأدوار و أربعين مُوشحاً و مائة طقطوقة و 30 رواية مسرحية و أوبريت و جديرٌ بالذكر أنه فى الفترة التى عمل فيها الشيخ سيد درويش على المسارح الرخيصة انغمس فى أمرين لم يكن بهما سابق معرفة و هُما ” عشق النساء ” و ” صياغة الألحان ” فالتعارُف الأول كان طبيعياً لأى فنان ! و أما التعارُف الثانى فكان بحُكم الموهبة المُتأصلة فى نفسه و روحه و كلاهمُا فطرىٌ بالنسبة لهذا الفنان الكبير كما أن ألمه الكمين فى نفسه كان السبب فى أن يخرج إلى الوجود بلغته الفلسفية النغمية فيُسحر بجمالها الألباب و يرقص بطربها النفوس حيث إنه ما كان يُلحن أغنية حتى يرددها أفراد الشعب و العوالم اللواتى يقمن الأفراح و المسارح الغنائية و موسيقات الجيش و الموسيقات الأهلية كما تميز درويش بأن كل لحن له كان له قصة و مُناسبة و لكل مُناسبة أثرها العميق فى نفسه المُرهفة الحساسة فأول أغنية لحنها كانت ” زورونى كل سنة مرة حرام تنسونى بالمرة ” و كانت مُناسبة تأليفها أن امرأة يحبها قالت له هذه العبارة ( إبقى زورنا يا شيخ سيد و لو كل سنة مرة ) و لحن آخر كان وحيه امرأة غليظة الجسم إسمها ” جليلة ” أحبها حُباً عظيماً و غدت إلهامه فى النظم و التلحين و الغناء و لكنها هجرته و أخذت تتردد على صائغ فى الأسكندرية و عمل لها الصائغ خُلخالا فغضب الشيخ سيد و كانت رائعته ” أنا هويت و إنتهيت ” .. فى عام 1917م فوجئ درويش بسلامة حجازى يطلب منه تلحين رواية كاملة لفرقة جورج أبيض هى ” فيروز شاه ” و عنها إنتبه الجُمهور و كذلك الفرق الأخرى إلى أن فناناً جديداً قد أتى و أن ألحانه أثمن من الرواية نفسها ! مما جعل مُعظم الفرق تحرص بعد ذلك على إجتذاب سيد درويش لتلحين رواياتها ثم أصبح فى سنوات معدودة المُلحن الأول فى مصر مُتفوقاً بذلك على المُلحنين المُخضرمين ” كامل الخُلعى ” و ” داود حُسنى ” و غيرهما .. إقتبس درويش من أقوال الزعيم مُصطفى كامل بعض عِباراته و جعل منها مطلعا للنشيد الوطنى الحالى ” بلادى بلادى ” كما لحن أيضاً نشيدا وطنياً من نظم مُصطفى صادق الرافعى و مطلعه ” بنى مصر مكانكم تهيأ فهيا مهدوا للمُلك هيا و خذوا شمس النهار حليا ” كما لحن فى مُناسبة أخرى أناشيد وطنية قال فيها ” أنا المصرى كريم العنصرين ” كما أنشد فى جماعة من المُتظاهرين ضد الإحتلال الإنجليزى هذا النشيد مُحمساً إياهم ” دقت طبول الحرب يا خيالة و آدى الساعة دى ساعة الرجالة ” كما عالج سيد فى أغانيه الموضوع الإجتماعى فى غلاء المعيشة و السوق السوداء قال ” إستعجبوا يا أفندية لتر الجاز بروبية ” و هكذا نجد أن سيد استطاع أن يدرك و يلمس سائر الأمراض الإجتماعية و أن يُسهم فى الميدان الوطنى إسهاماً كبيرا فكانت أغانيه الوطنية يُغنيها الشعب بكل حواسه و قلبه و مشاعره و قد ظل درويش على هذا المنوال حتى لفظ أنفاسه الأخيرة فى يوم 15 / 9 / 1923م بعد عُمرٍ حافلٍ بالعطاء بعدما صعدت روحه إلى بارئها و له من العُمرِ واحد و ثلاثون عاماً فقط ! و ما أقصره من عُمر و ما أغزره من إنتاج و ما أخلدُه من تاريخ سيظل باق له و لنا و لبلادنا و لوطننا العربى بأكمله حتى يومَ يُبعثون و قد تعددت الروايات عن سبب وفاته و منها أنها بسبب جرعة زائدة من المُخدرات و لكن أحفاده خرجوا و نفوا تلك الرواية مُستندين على خطاب بخط يده يقول فيه لصديقه أنه اقلع عن السهر و كل ما يُصاحبه و ينصح صديقه بالتخلى عنهم و إستندوا فيها أيضا على ما تم ذكره فى مُذكرات بديع خيرى بأن الشيخ سيد أقلع عن المُخدرات و يظهر ذلك جلياً فى أغانيه التى تنصح الشعب بالإبتعاد عن المُخدرات أما الرواية الأخرى فهى التى تؤكد ! أن سبب الوفاة هو تسمُم مُدبر من الإنجليز أو الملك فؤاد بسبب أغانيه التى كانت تحُثُ الشعب على الثورة ضدهُما ( و اللهُ أعلم ) .. رحم الله سيد درويش و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: