الثلاثاء , سبتمبر 29 2020

محمد معراج عالم يكتب …. جثة للبيع..قصة قصيرة

قصة قصيرة.
جثة للبيع.
الكاتب:محمد معراج عالم، طالب الماجستير بجامعة جواهر لال نهرو بدهلي.

مازال وضع السيد نور الدين البالغ من العمر 60يزداد سوءا حيث بلغت حرارة جسمه أقصى حدها،ويبدو من حرارة جسمه كأنه جمرة تتقد أو شعلة تشتعل ،وعلاوة على ذلك تعذر عليه التنفس فيتألم صدره عندما يتنفس،وقد داواه الطبيب سرتاج ولكن عجز عن علاجه حيث الدواء لم يعمل عمله عليه ولم يستطع تخفيف آلامه،فازداد قلق أهل بيته عليه.
كان له إبنان أكبرهما انتظار حسين،وأصغرهما افتخار حسين وهو كان يتعلم في إحدى الجامعات الشهيرة بينما كان انتظار حسين قليل الثقافة لأن أوضاع أسرته لم تتح له فرصة للحصول على العلم على المستوى الجامعي فاكتفى بالتعليم الثانوي،ولكنه كان يساعد أخاه ليتعلم و يدعمه دعما ماليا ليتثقف كثيرا.
حينما انقضت على إصابة نور الدين بالمرض ثلاثة أيام فلم ير الطبيب سرتاج مفرا من حمله إلى المستشفى الرسمي،فقال لإبنيهما :لا قدر الله أن يصاب السيد نور الدين بالوباء المستجد الشائع في هذه الأيام،لكن لا مفر من نقله إلى المستشفى الرسمي ليتم فحصه لأن الآلة لفحص المرض المستجد ليست متيسرة عندي،فهي لا تتوفر إلا في المستشفى الرسمي،فأخضع الأخ الأكبر انتظار حسين رأسه وبدأ يفكر وطال تفكره، فقال افتخار حسين واضعا رأسه على رقبة أخيه :بم تفكر أخي ؟هذا ليس وقت التفكر كثيرا،نحن في وضع حرج،فلنسرع إلى حمل أبينا إلى المستشفى ليتم علاجه بعد تشخيص مرضه من خلال الفحص،فرفع انتظار حسين رأسه وقال:أما سمعت أن المريض إذا أدخل مرة في المستشفى فلا يسمح الأطباء أحدا بعيادته،فلو أدخلنا أبانا في المستشفى فكيف نصبر على فراقه بعيدين عنه ولا يأذننا الأطباء برؤيته من بعيد فضلا عن الاقتراب منه وعيادته،
فقال افتخار حسين:لا تقلق أخي،ولا تكن فريسة الأوهام التي وقعت في أذهان أهل القرية،لأنهم لا يعلمون ما يجري في العالم بسبب جهالتهم،فيتسكعون في الأوهام ويتيهون فيما تخلق أذهانهم بعيدين عن واقع العالم ومتنحين عن الحقيقة التي تعيشها الدول على اختلاف مواقعها الجغرافية.تفيد الصحف بأن الوباء المستجد قد تفشى بين الناس على نطاق واسع ،وهذا مرض يتعدى من شخص إلى شخص آخر،فلو تبين من خلال الفحص أنا أبانا-لا قدر الله له-أصيب بنفس المرض فمن الواجب إبعاده عن الناس ووضعه في غرفة منعزلة حتى ينال الشفاء والنجاة من هذا الوباء،ولو تبين في الفحص أنه غير مصاب بالمرض المستجد فلا يمنعنا أحد من الدخول إلى غرفته وعيادته. بينما كان الكلام يجرى بين انتظار وافتخار إذا جاءت سيارة الإسعاف من المستشفى وصفرت خارج بيته،وجاء العمال الذين ارتدوا ملابس وقائية إلى بيت يتأفف فيه السيد نور الدين من الألم،فحملوه إلى سيارة الإسعاف وأدخلوه داخل السيارة،ثم قاد السائق السيارة وحمل المريض إلى المستشفى،وجاء على إثرها ابناه،بعد قليل جاء الخبر بأن السيد نور الدين مصاب بالوباء ولحق به مرض مستجد،فأحزن هذا الخبر انتظار وافتخار وأقلقهما ،وبدأ انتظار يسيل الدموع ،ولكن افتخار امتلك نفسه وقال تحمل يا أخي وتصبر قليلا،لا داعي للقلق،فسيدخله الممرضون في غرفة منعزلة ويعالجونه وسيتحسن بإذن الله، من المؤسف أنه جاء الخبر بعد يوم بأن وضع المريض لا يزال يعود أسوأ،ولا يستطيع أن يتنفس إلا بمشقة كبيرة فيعاني من ألم تقشعر منه الجلود،فموته وحياته بيد الله،فجسده ينازع روحه،وبعد أربعة أيام جاء الخبر بأنه مات،فنزل هذا الخبر على انتظار وافتخار كالصاعقة،وبدأ انتظار يبكي و ينتحب ويذكر محاسنه حتى فقد وعيه وبقى مفقود الوعي أكثر من ثلاث ساعات،ولما عاد إلى الوعي واستفاق دعاه أخوه افتخار إلى المقبرة ليحضر في صلاة الجنازة،فهمهم شيئاً،فقال افتخار متوجها إلى أخيه،ماذا تهمهم؟ قل بصراحة و عبر عما يجول في خاطرك بدون أي خوف،فقال بصوت ممتزج بالغضب والحزن :أليس من الظلم أن يواري التراب أبانا ولم أغسله؟ولم أكفنه؟ فقال افتخار: ستحمل سيارة الإسعاف جنازة أبينا إلى المقبرة عند الساعة الثانية،وهذا من متطلبات التباعد الاجتماعي.
وعندما حان الوقت المحدد وصلت سيارة الإسعاف إلى المقبرة وفيها جثة مغطاة باللباس الوقائي،وما إن وقع نظر انتظار حسين عليها حتى أسرع إلى السيارة وكاد أن يفتح بابها ولكن منعه عمال المستشفى الموجودون في السيارة،فقال انتظار هذه جنازة أبي، دعني أرى وجه أبي،فقال العمال :معذرة،الاقتراب من الجثة ممنوع من قبل الحكومة فضلا عن مسحها،لأن منظمة الصحة العالمية تعتبر التباعد الاجتماعي سلاحا لمنع تفشي هذا الوباء،فلا أسمح لك بمس الجنازة،فلماألح انتظار حسين على الدخول في السيارة ورؤية أبيه تقدم إليه افتخار حسين وضمه إلى جانبه وقال وهو يمسح ظهره بيده:أترك يا أخي،وقد نال أبونا الشهادة ولكن لا بد لنا من الحفاظ على القواعد التي أجرتها منظمة الصحة العالمية لمنع تفشي هذا الوباء وصيانة أنفسنا وإبقاء حياتنا على قيد الحياة،ومن المعلوم أن الحياة أغلى شئ في الوجود،ولا يتكرر وجودها في هذه الدنيا،فهي أمانة من قبل الله فصيانتها مما يؤديها إلى التهلكة من واجباتنا،فمازادته هذه الكلمات إلا غيظا،فاستشاط انتظار غضباً وخنقا على أخيه،وقال مشيرا إلى افتخار بلهجة العاتب :أنت بقيت غبيا رغم ثقافتك الواسعة،ولم ينفعك علمك هذا ولم تفدك ثقافتك هذه،ولتبك على علمك البواكي،وتقدم انتظار إلى باب السيارة لفتحه رغم كره العمال،فدفعه عامل إلى الوراء فثار غصبه وجعل يزأر زئير الأسد ثم لطم ذالك العامل لطما شديدا حتى خر على ظهره،وخلى الباقون من العمال سبيله عندما شهدوا مدى غضبه،ففتح انتظار باب السيارة ودخل فيها،وكشف اللباس الوقائي من وجهه وكانت السيول الجارفة من الدموع تتدفق من عينيه،ثم قبل جبينه،وعندما رأى عينيه فأخذته الدهشة لغياب مقلتيهما من مواضعها،فصاح يا أخى،تعال وانظر إلى أبينا،فقد أخرج أحد عينيه، فجرى إليه افتخار فصدقه،ثم رأى أثر دم على ترقوته فكشف افتخار جسده فوجد صدره مقطوعا بين الفلقين وهو متلطخ بالدم،ولا يوجد فيه قلب ولا كبد على موضعهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: