الإثنين , سبتمبر 28 2020

خالد جعفر يكتب: سينما الأولياء

 

بعد مشاهدتي لفيلم (صاحب المقام) قصة إبراهيم عيسى وتابعت ما كتب حولها وثارت ثائرة كثير من الناس باختلاف ثقافاتهم ووعيهم , وكل أدلى بدلوه , منهم بعقله ومنهم بهوى نفسه وميوله .. فكرة الفيلم حول الصراع بين الخير والشر لم يكن للكاتب فضل السبق فيها , ولكن تناولها كثير من الكتاب والمفكرين قبله , والمشكلة هنا ليست في الفكرة ولكن في طريقة تناولها . والراصد والمدقق في أحداث الفيلم دون الخوض في تفاصيل يكمن في داخلها الشيطان يدرك أن الكاتب عرف كيف يثير فكرته سواء كان مقصده التسويق لها أو تحذير الناس منها , وبعيدا عن منهجة الفكرة دينيا فلا يختلف اثنان على أن المصريين لهم فلسفة خاصة في علاقاتهم بالأولياء وأصحاب المقامات . إنه حب فطري وجين متوارث لايلهيهم عن ذكر الله بأي حال من الأحوال وليس في ذلك أدنى شك . فالقصة ليس فيها جرأة فكرية ولا ابتداع أدبي جديد إذا ما قارناه بتوفيق الحكيم في روايته المثيرة والجريئة (طريد الفردوس) والتي تم انتاجها سينمائيا سنة ١٩٦٥ بطولة فريد شوقي والذى جسد فيها شخصية (السيخ عليش) الولي المبارك . في اعتقادي أن إبراهيم عيسى إن لم يكن قد استنسخ الفكرة وحور فيها إلا أنه لم يكن في مستوى جرأة توفيق الحكيم في طريقة وتناول فكرة الخير والشر في رواية (طريد الفردوس) والتي طرق فيها توفيق الحكيم أبوابا محصنة لايجرؤ أحد أن يقترب منها في هذا الزمن .
فكرة (طريد الفردوس) أن شخصية الشيخ عليش هذا الولي مات وبعث للحساب يوم القيامة وبعد مراجعة صحيفته وجدوا أن حسناته تساوت مع سيئاته فرفضه ملك الجنة والذي مثل صوته الفنان (عماد حمدي) ورفضه ملك النار والذي مثل صوته الفنان (توفيق الدقن) فوقف الشيخ عليش حائرا وهو يقول : لا الجنة عايزاني ولا النار قبلاني أعمل إيه يا اخوانا ? أبات في الشارع ?! فكان الحل أن يعود عليش للحياة مرة أخرى وينزل الأرض حتى يحسم أمره بأعماله إما الجنة وإما النار .فكانت المفاجأة للمقربين منه الذين كفنوه ودفنوه بأيديهم كيف عاد للحياة مرة أخرى ?! وهنا تبدو اللحظة الحاسمة التي ظهرت فيها تجليات البسطاء ونسجوا فيها قصص الخيال التي بها أصبح الشيخ عليش وليا مباركا من أولياء الله الصالحين يهوى إليه الراغبون والمريدون من كل فج عميق , وصار علما يلجأ إليه كل محتاج وكل مريد وهو في قرارة نفسه يعلم أنه في اختبار شديد . هل تغريه مكانته الجديدة لطريق الشر ويصبح من راغبي الدنيا وأهل النار ? أم يتجه إلي عمل الخير ويصير من أهل الجنة وتفتح له أبوابها ?
ومع أحداث الفيلم يدور هذا الصراع في داخله بين الخير والشر , إلى أن جاءته يد القدر ثانيا ومات وهو ينقذ فتاة حاولت عصابة أن تختطفها وصعد عليش للحساب بعد أن أقاموا له مقاما ومزارا يشهده الناس . وتنتهي القصة بصوت ملك الجنة يقول : إن عليش ابن آدم مات نتيجة جهل الناس . وترك لنا توفيق الحكيم النهاية مفتوحة ولم نعرف مصير الشيخ عليش ولا مستقره الأخير .
فكرة توفيق الحكيم أنه رصد لك حكمة وهي أن الله منحك نعمة الاختيار وعليك أن تحكم عقلك وتقرر مصيرك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: