السبت , سبتمبر 26 2020

أحمد العش يكتب : صفحاتَ مشرقاتٌ من التاريخ مطويات ٢٠

رأيتُ الكارثة فى أصعق معانيها ، فى ندب تدوين التاريخ إلى التحوت دون الوعول عمداً ، وما لفجاجة توسيد أمانة بلورة الأحداث لغير أهلها نظيراً ، لكن هيهات أثلمت مروءة المؤرخين حقاً ، أم جئثت عزائم العارفين ذعراً ، وبين هاتين المسوءتين تمعر وجهى غضباً ، وعيل صبرى كمداً ،،،
كان أكثر كتاب التاريخ فى السبق واللحق ، جفاة جهلاء غير أمناء مع سبق الإصرار ، فرحين بما أتاهم الشيطان من وكره ، فخراً بالفجار ، طعناً فى الأبرار ، سحقاً سحقاً لمن رجعوا على أدبارهم القهقرى ، فجعلوا التاريخ عضين ، يأخذون ما يريدون متبخترين بظلماته ، ويتلمظون على إشراقاته ، تلمظ الأفاعى تنفث سمومها حقداً وخبثاً ،،،
ولما كانت النسوة شقائق الرجال ، تشاطره وتؤازره فى صناعة الأجيال ، كانت صورتها المثلى فى مرآة أكثر الكتاب المعاصرين ، تنتهى عند هدى شعراوى وصفية زغلول ، اللتين غرستا بذور التحرر الفعلى ، بغيض من فيض جمودهما العقلى ، بمباركة المنظر المدلهم قاسم غير أمين ، الذى تندر على الشريعة الفيحاء ، بعقيدته الفكرية الدهماء ، فى تحرر المرأة من كل القيود والمكبلات ، التى تحول دون أن ترتع وتلعب وترقص وتطرب على سنام المجتمع حرة طليقة ، لا تعصى إبليس أبداً ما أمرها ،،،
وبينما كان سمت الزيف للفضيلة والمثالية ينحصر فى العواهر ، على طول الخط الزمنى منذ تباشير القرن التاسع عشر إلى يومنا الآنى ، بالتكريم والإحتفاء والقلادة والتقليد ، والتسويف والتسفيه ، كانت الصورة المثلى للنسوة الحق فى بطون أمهات الكتب مطويات متجافيات ، وهذه ثالثة الأثافى وتتمة الفاجعة ،،،
وحبذا التعرف عليهن والتعريف بهن ، فى هذه السطور الذكية الندية ،،،
هلموا بنا نشحذ همم بعضنا ، لنتسور جدار التاريخ الشاهق ، فمن ورائه تتجسد مواطن العظمة فى كثيرات فضليات ،،،
وحسبك إن كانت هذه أو تلك مقرونة بعلم من علماء الأمة ، ليضاعف لها الأجر كرتين ،،،
كانت ست النعم بنت عبدالرحمن الحرانية ، امرأة بالغة الصلاح ، موفورة الكفاح ، تقية نقية ، ذات شمائل وفضائل ، رائعة ورعة ، أنجبت للإسلام عظيماً حاذقاً فى العلم الشرعى والفقهى ، بعد أن ربته على الخير والبر ، وتابعت خطواته فى العلم عن كثب ، إنه الإمام المبجل والجليل أحمد ابن تيمية ، محيى السنة ومفند البدعة ، فلتة زمانه سابق أوانه ، وإن شئت فقل أعظم الصالحين من لدن أوائل التابعين ، حتى أصبح تيمة غير مكرورة من بعد القرن السابع الهجرى تتابعاً إلى اليوم ، كانت أمه هى الداعم الأكبر فى نبوغه العلمى والألمعى ، وسطوعه الخلقى والتربوى ، وفى ذلك دارت بينهما رسالة منضودة ، مفادها أن ابن تيمية لما كان بمصر ، تلبية لنفسه الجامحة وهمته الطامحة فى تحصيل العلم وتبليغه فى الآفاق ، اعتذر عن العودة لأمه التى كانت بالشام ، فما كان من الأم الثاقبة الراسخة أن قالت ( والله لمثل هذا ربيتك ، ولخدمة الإسلام نذرتك ، وعلى شرائع الدين علمتك ، ولا تظنن يا ولدى أن قربك منى أحب إلى من قربك من دينك ، وخدمتك للإسلام والمسلمين فى شتى الأمصار ، بل إن غاية رضائى عليك ، لا يكون إلا بقدر ما تقدمه للمسلمين ) فبماذا تمثل أم ابن تيمية ببلاغتها الرصينة ، ورجاحتها الناصعة ، وأمومتها الناصحة ، من مشاهير النسوة فى زمننا عرايا الفكر والجسد فى آن ؟
وعلى درب ست النعم أم ابن تيمية ، كانت ست الركب أخت الإمام ابن حجر العسقلانى ، وبينهما ترادفات عدة ، فى الشطر الأول من الاسم هذه ست النعم وتلك ست الركب ، كذلك ارتباطهما بعلمين جليلين ،كبيرين عظيمين ، ابن تيمية وابن حجرالعسقلانى مجددين مجيدين ،،،
قال ابن حجر العسقلانى عن أخته ست الركب ( كانت أمى بعد أمى ، تعلمت الخط وحفظت الكثير من القرآن ، وطالعت الكتب ، فمهرت فى ذلك جداً )
ولنعرج إلى امرأة ثالثة رائدة ، تلك هى هما خاتون أو خديجة حليمة خاتون ، أم السلطان العظيم محمد الذى فُتحت على يديه القسطنطينية العتيقة ، بعون الله ومدده أولاً ، ثم ببشارة نبيه صلى الله عليه وسلم ثانياً ، ثم بدفعة وتهيأة هذه الأم ثالثاً ، وهذه هى أغرب لمحات القصة قولاً واحداً ، كانت أم محمد الفاتح تأخذه وهو صغير وقت صلاة الفجر ، لتريه أسوار القسطنطينية ، وتقول له أنت يا محمد تفتح هذه الأسوار ، اسمك محمد كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ، فيرد الطفل عليها ، كيف يا أمى أفتح هذه المدينة الكبيرة ؟ فتقول بالقرآن والسلطان وحب الناس ) فما لبث أن بلغ نيفاً بعد العشرين من عمره ، حتى تضوعت عزيمته مسكاً ، وآنس من جانب أسوار القسطنطينية نوراً ، رابط الجأش مرفوع الرأس ، عابراً أبوابها بكل يسر ، محطماً رايات الروم على ثراها ، رافعاً آيات الهدى على ضحاها وسناها ،،،
هذه ثلاث صور بهيجة لثلاث نسوة فى الأحقبة البعيدة ، هن ست النعم أم ابن تيمية ، وست الركب أخت ابن حجر العسقلاني ، وهما خاتون أم محمد الفاتح ، وكيف قدمن أعظم الضروب فى شتى الدروب ، بأعمال وضاءة ومآثر خلابة ، تهز الأفئدة هزا ، وتقر العيون قرا ، والسؤال الذى يعترينى ماذا يمثلن هؤلاء النسوة من ماضينا القريب ؟ وبماذا يعنين لحاضرنا الصفيق؟
البقية فى المقالات القادمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: