الأربعاء , سبتمبر 30 2020

سمير اليوسف يكتب :بيروت في القلب

لماذا حظيت بيروت بكل هذا القدر من الحب والتضامن، في حين لم تحظ، لا بغداد ولا دمشق يوماً بهما، رغم ان هاتين العاصمتين من أعظم مدن الشرق الأوسط؟
أحباً بلبنان؟ ليس بالضرورة.
انحيازاً للبنانين؟ لا اظن.
ولكن بيروت ومنذ خمسينات القرن الماضي لم تكن مجرد عاصمة بلد أو مدينة لأهلها فقط.
بيروت مدينة كوزموبوليتية(عالمية) والمدينة من هذا النوع لا تكون حكراً على أحد ولا حتى على ابنائها الأصليين. أنها بطبيعتها مدينة مضيافة، تستقبل كل قادم، بل وتشجع الناس على زيارتها والاقامة فيها بل واتخاذهاً وطناً.
الأمر تغيّر منذ بداية حرب عام 1975 من دون شك. لكن رصيد بيروت كمدينة لم يُستنفذ. الناس، من مختلف انحاء العالم، ما انفكوايتذكرون بيروت ويتحسرون على ما جرى لها.
وحتى خلال الحرب حافظت بيروت على قسط من طابعها الكزموبوليتي. عشرات المعارضين السياسين العرب (خاصة العراقيين) فرّوا من بلدانهم وجاؤوا الى بيروت رغم ما كانت تعانيه من ويلات الحرب. أن تهرب من بلد لا حرب فيه الى مدينة قد تتحول في أية لحظة الى ساحة وغى، فهذا دليل على أن الذين لجؤوا اليها رأوا الوجه المضياف رغم انعدام السلم.
الى ذلك فان هذه المدينة العجيبة كانت دائماً تنتهز فرص السلم التي عرفتها لكي تعيد بناء نفسها على المثال الذي كانت عليه قبل الحرب. وليس فقط بمعنى الاعمار وانما بمعنى التعالي على الهوية المحليّة والانفتاح على بقية العالم، رغم المحاولات المتكررة لقوى سياسية عديدة على تحويلها الى مجرد مدينة محليّة.
خذّ على سبيل المثال “ثورة 17 تشرين”
بنات وأبناء هذا البلد المحكومون بالهوية الطائفية، سياسة وثقافة، أفلحوا في التعالي على هوياتهم الطائفية والارتقاء نحو هوية سياسية أرقى، ليست لبنانية فحسب بل وكونية أيضاً. اللبنانيات واللبنانيون الذين انضوا في هذه الثورة لم يثوروا ضد نظام سياسي فاسد فحسب وانما ضد أنفسهم، ضد ما ما تعلموه في المدرسة والطائفة من أمر هويتهم الطائفية.
كيف حصل هذا؟
هناك من دون شك أسباب عديدة لا مجال للخوض فيها هنا. ولكن، بتصوّري، أحد أهم هذه الاسباب هو بيروت نفسها. انها منحت المتظاهرين فرصة تبني الانتماء الى عالم فوق الهويّات السياسية الضيقة.
أذكر حينما كنت أتابع أخبار الثورة، من لندن، كنت أحسّ بأنني لا اشاهد لبنانين أو عرباً وانما مواطنين ينتمون الى العالم كله، او ما يُعرف، بالكزوموبوليتين، أي مواطني العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: