الثلاثاء , سبتمبر 29 2020

قُلْ فِي الْعِبَادِ كَلَامَكَ الْمَجْنُونَ!» شعر يحيى الشيخ ــــــــــ

« قُلْ فِي الْعِبَادِ كَلَامَكَ الْمَجْنُونَ!»
(كُلُّ الْعَقَارِبِ صَمْتُ عُمْرِكَ لَا تَدُورْ…)
ــــــــــ شعر يحيى الشيخ ــــــــــ

(1)
مَا زَالَ يُغْرِيكَ التَّعَبُّدُ فِي مَغَارَاتِ الْأَنِينْ..
اِفْتَحُ صَحَائِفَكَ الْقَدِيمَةَ لِلَّذِينَ تَعَذَّبُوا
كَيْ يَقْرَأُوا مَا قَدْ تَيَسَّرَ فِيكَ
مِنْ آيٍ تَنَاسَخَ وَانْتَهَى…
رَتِّلْ لَهُمْ غَدَكَ الْحَزِينْ!
اُهْرُبْ بِجِلْدِكَ حَيْثُ شِئْتَ..
دَعِ الْقَصِيدَةَ تَنْتَشِي بِجُنُونِهَا
فِي غَفْلَةٍ مِمَّنْ دَعَوْكَ إِلَى الْوَلِيمَةِ
فِي قُصُورِ الْمُتْرَفِينْ!
(2)
يَا سَيِّدَ النَّكَبَاتِ..
هَذَا الْفَصْلُ، أَنْتَ خَرِيفُهُ..
فَصْلٌ يُؤَرِّخُ لِلْبِدَايَاتِ الْحَزِينَةِ،
ثُمَّ يَمْضِي..
ثُمَّ يَعْصِفُ بِالرَّبِيعِ وَلَا زُهُورْ…
لَكَأَنَّمَا كُلُّ الْعَقَارِبِ صَمْتُ عُمْرِكَ، لَا تَدُورْ!
فَمَتَى النُّشُورُ؟ مَتَى النُّشُورْ؟
(3)
لَمْ يَعْرِفِ الْعَرَّافُ أَنَّكَ مِتَّ حَقًّا..
خَالَفَ الْأَعْرَافَ لَمَّا أَخْطَأَ التَّنْجِيمَ،
قَالَ لَكُمْ:
ـــ «سَيَكْبُرُ طِفْلُكُمْ..
سَيَعِيشُ فِي هَذِي الْبِلَادِ مُبَجَّلًا
بَيْنَ الرَّعَايَا شَامِخًا مِثْلَ الْأَمِيرْ…».
كَبُرَ الصَّغِيرُ..
وَفِي سُجُونِ أَمِيرِهِ أَضْحَى أَسِيرْ!
(4)
لَمْ يَعْرِفِ الْعَرَّافُ أَنَّ السَّجْعَ قَافِيَّةٌ
تُغَذِّي الْأُذْنَ مُوسِيقَى..
تَرِنُّ وَتَخْتَفِي زَمَنًا..
وَأَنَّ الشِّعْرَ يَكْذِبُ حِينَ يَمْخُرُ
فِي عُبَابِ الْغَيْبِ زَوْرَقُهُ..
وَأَنَّ السِّحْرَ تُبْطِلُهُ مِيَّاهُ الْبَحْرِ وَالْمَنْفَى..
وَأَنَّ السَّقْفَ يَوْمَ تَهَدَّمَتْ أَرْكَانُهُ
بَعْدَ التَّقَادُمِ لَمْ يَعُدْ سَقْفَا!
لَمْ يَعْرِفِ الْعَرَّافُ أَنَّ الْحَرْفَ ضَاعَ..
تَرَاهُ فِي قَامُوسِنَا الْوَطَنِيِّ وَالْعَرَبِيِّ وَالْأُمَمِيِّ
يَرْقُصُ زَائِفًا..
قُلْ:
«كُلَّ شَيْءٍ صَارَ هَذَا الْحَرْفُ، لَكِنْ جَانَبَ الْحَرْفَا!».
كَلِمَاتُنَا!
يَا خَيْبَةَ الْكَلِمَاتِ..
تُعْرَضُ وَالْمَعَانِي الْيَوْمَ فِي سُوقِ النِّخَاسَةِ..
يَعْزِفُ الْإِعْلَامُ سِيمْفُونِيَّةَ تُغْرِي،
تُوّقِّعُ فِي الْهَوَى الْعَهْدَ الْقَدِيمْ..
هَا نَحْنُ نَرْقُصُ هَائِمِينَ،
نُبَارِكُ الْفَوْضَى الْجَدِيدَةَ وَالنَّغَمْ!
أَلَمٌ.. أَلَمْ!
أَلَمٌ مَضَى.. أَلَمٌ أَتَى يَسْعَى إِلَيَّ..
أُحِسُّهُ يَرْغُو عَلَى شَفَتِي الْجَرِيحَةِ…
مِنْ صَدِيدِ الْوَيْلِ يَسْقِينِي،
وَيَبْعَثُنِي إِلَى قَعْرِ الْجَحِيمْ!
أَلَمٌ مَضَى، وَغَدًا سَيَأْتِي..
سَوْفَ يَدْعُونِي لِأَرْقُصَ لِلْكَرَاكِيزِ الْجَدِيدَةِ،
كَالْكَرَاكِيزِ الْجَدِيدَةِ، فِي الْهَوَاءِ عَلَى قَدَمْ!
(5)
قَدْ أَخْطَأَ الْعَرَّافُ يَوْمَ تَبَعْثَرَتْ أَوْرَاقُهُ
بيْنَ التَّدَيُّنِ والتَّحَزُّبِ والشَّيَاطِينِ
الَّتِي ظَلَّتْ تُوَسْوِسُ مِنْ قِدَمْ..
بَيْنَ التَّأَكُّدِ وَالْعَدَمْ..
بَيْنَ انْقِلَابَاتِ الْمَوَازِينِ الْقَدِيمَةِ
وَانْتِحَارَاتِ الْأُمَمْ!
قَدْ أَخْطَأَ الْعَرَّافُ،
جَاءَ هُنَا يُسَاوِمُنِي الْمَنَافِي..
هَلْ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ أَرْضَ الشِّعْرِ مَمْلَكَةٌ
وَأَنَّ الرِّدَّةَ الزَّرْقَاءَ تَسْكُنُهَا..
تُبَايِعُهَا الْقَوَافِي؟
بَلْ قُلْ كَلَامَكَ وَانْتَصِرْ!
قُلْ حَيْثُ كُنْتَ ــ كَمَا تَشَاءُ ــ مِنَ التَّشَرُّدِ،
وَانْتَشِرْ مِثْلَ الطَّحَالِبِ..
لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّوَجُّعِ والتَّفَنُّنِ
أَنْ نُزَوِّقَ بِالْفَصِيحِ مَنَارَةً لِمُرُوقِنَا..
كَذِبَ الَّذِي رَسَمَ الْمَحَبَّةَ فِي رِمَالِ الشَّكِّ
إِذْ مَسَحَ الْهَوَى بِيَقِينِنَا!
(6)
هَذِي فُتُوحَاتِي..
أُوَقِّعُهَا عَلَى خَدِّ التَّشَرُّدِ دَمْعَتَيْنْ!
أَصْلُ الْحِكَايَةِ أَنَّنَا قُلْنَا لِآدَمَ:
«أَيُّهَا الْمَطْرُودُ، إِنَّا قَدْ أَضَعْنَا جَنَّتَيْنْ:
أُولَى، رَأَيْتُ الْجِنَّ يُوصِدُ بَابَهَا..
وَرَأَيْتُ أُخْرَى، فَوْقَ هَذِي الْأَرْضِ،
تَغْرُبُ شَمْسُهَا فِي المَشْرِقَيْنْ!
هَا نَحْنُ نَدْفِنُهَا..
نَصَلِّي رَكْعَتَيْنِ تَرَحُّمًا،
لَكِنْ تَضِيعُ صَلَاتُنَا،
لَمَّا نُرَدِّدُ آيَهَا، بَيْنَ انْشِطَارِ الْقِبْلَتَيْنْ!
يَا آدَمُ الْمَطْرُودُ، يَا أَبَتِي!
طُرِدْنَا مِنْ جِنَانِ اللهِ، يَا أَبَتِي،
وَتِهْنَا مَرَّتَيْنْ!».
(7)
هَذِي النِّهَايَاتُ الَّتِي لَا تَنْتَهِي..
سِفْرٌ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ الْمُسْتَجَدّْ!
مَنْ كَانَ لَاوِيًّا يُسَبِّحُ فِي الْمَعَابِدِ وَالْمَذَابِحِ
لِلَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بِلَا عَمَدْ..
فَلْيَأْتِ بِالْعَهْدِ الْجَدِيدِ مُكَبِّرًا،
وَلْيَرْمِنِي قِرْبَانَ صَفْحٍ لِلْإِلَهْ!
إِنَّ السَّمَاءَ مَرِيضَةٌ..
إِنَّ الْخَطَايا فِي الْبِلَادِ كَثِيرَةٌ،
وَالْحُبُّ فِي مَلَكُوتِ هَذَا الكَوْنِ تَاهْ..
قُلْ مَا تَيَسَّرَ مِنْ كِتَابِ الرِّدَّةِ الزَّرْقَاءِ،
يَا مُرْتَدُّ مِثْلِي..!
وَلِّ وَجْهَكَ لِلَّذِينَ تَشَرَّدُوا،
وَاقْرَأْ عَلَيْهِمْ جَهْرَةً سِفْرَ الْحيَاهْ..
قُلْ فِي الْعِبَادِ كَلَامَكَ الْمَجْنُونَ،
إِنَّ الْقَوْلَ يَصْدُقُ..
حِينَ يَصْدُقُ، يَرْتَقِي نَحْوَ السَّمَاءِ كَمَا الصَّلَاهْ!

باريس، بتاريخ 06 غشت 2020م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: