الثلاثاء , سبتمبر 29 2020

د. نيفين عبد الجواد تكتب :طالب المعالي “صاحب المقام الرفيع”

                                                                                           

إن صاحب المقام الرفيع بحق لا يطلب علوًا لمكانته من أحد، بل يمنحها الجميع له صاغرين، أما ذلك الصغير الذي يمنحه الصغار مقامًا عاليًا لا يمكن أن يكون مقامه هذا رفيعًا في يوم من الأيام؛ لأن صاحبه ومانحيه سيظلوا دومًا صغارًا. وإذا كان خادم القوم يظل سيدهم ما دامت مكانته قد علت في قلوبهم، فإن سيد القوم الذي يفرض سيادته على قومه بكل بطش وطغيان لا يمكنه أن يتسيد عليهم إلا بعد أن يتكبر ويعلو ويطغى وبعد أن يرضخوا هم له بكل ذلة وخنوع فيسهل عليه أن يقيدهم بسلاسل من حديد لا يستطيعون معها التحرك من قريب أو من بعيد.

إنه من السهل على أي إنسان أن يعمل من أجل الحصول على مقابل مادي على عمله، ولكن إذا كان هذا العمل خدميًا أو تعليميًا أو فكريًا أو فنيًا أو بحثيًا علميًا، فحبك لهذا العمل وصدقك فيه إن ارتبط بالمقابل المادي فقط، واعتمد عليه دون غيره، فسيظل دائمًا خاضعًا لضوابط السوق المادية الخالية في أحيان كثيرة من التحيز للأخلاق والالتزام بالقيم النبيلة التي تعلي من قيمة الفضيلة فوق أي ربح أو مكسب مادي. وللأسف في ظل التكالب اللاهث على المادة والارتباط اللصيق بكل ما هو مادي وغير معنوي يختفي من أذهان الكثيرين معنى حب العمل وتتلاشى قيمة الصدق فيه ليظل الشغل الشاغل لأغلبية الناس هو ذلك المقابل المادي الذي يحصل عليه المرء مقابل عمله وليس أثره الطيب الذي يعود بالنفع على صاحبه وعلى المجتمع.

وها هو الطبيب الذي كان يُلقَّب منذ زمنٍ ليس ببعيد بـ “الحكيم”، رغم مقامه الرفيع وعلمه الوفير وندرة وجوده، لم يكن يتوانى من قبل أن يذهب بنفسه إلى المريض رحمة به وبضعفه وانصياعًا لما عليه من واجب أقسم أن يؤديه بأمانة، فيساعد كل من يطلب المساعدة تخفيفًا لآلامه قبل حصوله على أي أجر أو مقابل.

أما اليوم فلم تعد الرحمة قرينة بكثير من الأطباء، فعلى الرغم من ازدياد عددهم إلا أنهم أصبحوا يعرفون كيف يصفون المرضى على أبواب عياداتهم الخاصة بالساعات الطويلة قبل أن يقدموا لهم بكل “حكمة” ما قد يسبب لهم أحيانًا ما لا يتوقعونه من أمراض جديدة لم يشتكوا منها من قبل بعد أن يدفعوا لهم الكثير من الأموال!

وها هو الدواء الجيد قد أصبح في كثير من الأحيان في مقدور الفئة المقتدرة ماديًا فقط، ليصبح هو الآخر طبقيًا وكأن المريض الفقير قد قدِّر له أن يتلقى من المجتمع عقوبة صارمة على إصابته بالمرض دون أية رحمة أو شفقة. بل إن الغني أيضًا قد أضحى يعاني الأمرَّين من تعاطي بعض الأدوية تارة بسبب احتكارها، وتارة أخرى بسبب ما قد تسببه له من أعراض جانبية يدفع ثمنها بالعلاج منها فيما بعد ليفقد الدواء بذلك قيمته الفعالة والمرجوة منه وهي تحقق الشفاء والتخلص من الآلام.

ومثلما تحول العلاج بكل حكمة ومهارة إلى تجارة، تحول التعليم أيضًا إلى صفقة مضمونة المكسب لكل مدرس “خصوصي” استطاع أن يستقطب الطلاب إلى مركزه “التعليمي” ليتزاحموا فيه علَّهم لا يفقدون مكانهم وسط الصفوف المتكدسة خارج المدارس من أجل الحصول على تعليم تلقيني تحفيظي لا يغذي العقول ولا ينميها.

وفي تلك المجتمعات التي يتدهور حالها الإنساني يومًا بعد يوم بعدما علا صوت الربح المادي بكل حكمة ومهارة فلم يعد هناك مكان للقيم الأخلاقية التي بها تبقى الأمم وترتقي، أصبح كل شيء يمكن شراؤه بالمال، وكلما دفعت أكثر كلما حصلت على ما هو أفضل. وللأسف كلما تكدست أموال الأغنياء كلما ازداد الكثير منهم جشعًا وبغيًا وبطشًا، وكلما ازدادت فاقة الفقراء وحاجتهم إلى أبسط الأشياء.

ولكن وسط كل هذه الغوغاء ما زالت هناك قلة قليلة استطاعت أن تندس بأقدام ثابتة وسط هذه الفوضى العارمة لتعيد إلى الأذهان حكمة ما مضى من أزمان والتي بها يحيا الإنسان بأمان. لقد حفر هؤلاء أسماءهم على ألواح الزمن التذكارية بحروفٍ من نور، واستطاعوا بكل إصرارٍ وعزيمة أن يلفتوا الأنظار وأن يسترعوا انتباه القاصي والداني، لينحني الجميع بإجلال وتوقير احترامًا لما قدموه للبشرية دون رغبة في أي مقابل مادي أو مكانة اجتماعية أو درجة وظيفية.

إن هؤلاء ممن طلبوا المعالي كان منهم الطبيب “مشالي” الذي آمن بإنسانية الطب ولم يكترث بما يمكن أن يدره عليه كـ”مهنة” من ربح إذا تاجر به بكل حكمة ومهارة مثل كثيرين ممن حوله. لذا كانت تجارته مع الخالق الذي أدرك أنه قد علَّمه ما لم يكن يعلم كي يكون هو وعلمه في خدمة الناس وليس متسلطًا عليهم ومستغلًا لضعفهم وحاجتهم.

ولأنه اختار أربح تجارة فإنه لم يجنِ منها ذلك المكسب المادي الذي يُغري الناس جميعًا فيسيل لعابهم طلبًا للقليل منه، ولكنه كسب منها نفسه الإنسانية الحرة التي تحررت من كل القيود المادية المطغية وكل الأفكار المجتمعية البالية، فعاش مُحلقًا في عالمه “المثالي” الذي لم يعترف بمدى جدواه أحد ممن حوله، ومع ذلك ظل متمسكًا بمبادئه حتى آخر لحظة في حياته ليُجبر الجميع في النهاية على احترامه وتصديقه والانحناء إجلالًا لسمو رسالته التي لم يتشدق بشعاراتها البراقة بل مارسها بصدق وإخلاص في كل ثانية من حياته، ليكون بذلك مثلًا حيًا لكل من يُصدِّق مدى جدوى التجارة مع الخالق، وكل من يرغب في أن يصبح يومًا ما صاحب مقامٍ رفيعٍ بحق، فيكون له من حُسن العمل ما يبقى فواحًا في القلوب، ومن طيب الذكر ما يظل مُنعشًا للذاكرة ومُوقظًا للعقول.

وما دامت الإنسانية بكل نبلها هي المعنى الذي يسعى للوصول إليه من لم تغرهم الدنيا بكل زينتها، فسيظل دومًا هناك من يفكر ويبدع ويكتب ويبحث ويُعلِّم ويخدم الاخرين بما تعلمه بكل حب لعمله وصدق فيه، سواء وصل اسمه إلينا أم لم يصل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: