الجمعة , سبتمبر 25 2020

أشرف الريس يكتب : اللص و الكلاب و خيانة الطبقة الفقيرة

كى نكون مُنصفين يا عزيزى القارئ فى نقد هذا الفيلم الرائع علينا بالتعرُض أولاً لروايته التى كتب سُطورها أديبنا الراحل الكبير نجيب محفوظ حيثُ لا يُذكر الفيلم مُطلقاً إلا و يُذكر معه اسم بطل الرواية الحقيقى ” اللص السفاح محمود أمين سليمان ” كما أطلقت عليه الصُحف المصرية و الذى أفزع البلاد و العِباد حتى قتله البوليس المصرى فى إحدى مغارات منطقة حُلوان فى مطلع الستينيات من القرن الماضى …
و بلاشك فلا تخلو أى دراسة نقدية من هذه الإشارة المُقتضبة عن أصل الحكاية و عن مصدر شخصية سعيد مهران الروائية التى لعبها فى السينما الجان ” شكرى سرحان ” فى فيلم « اللص و الكلاب » و لعبها أيضاً على المسرح الراحل ” صلاح قابيل ” حيثُ ” محمود سليمان ” الذى هو أصل ” سعيد مهران ” الواقعى الذى انتقل من خلال رواية محفوظ من صفحة الحوادث و القضايا إلى صفحة الأدب و الفن و صار نموذجاً أدبياً مُستقلاً بل إن سعيد مهران أصبح أكثر خلوداً و بقاءاً من البذرة التى صنعته حتى إننا نستطيع أن نُقارنه بشخصية ” راسكولينوكوف ” فى « الجَريمة و العِقاب » للأديب ديستوفسكى و مُسْتلهَماً مِن شخصية واقعية ارتكبت جريمتها بالفعل ثم اندثرت و تلاشت مع مُرور الزمن …
و إذا كانت أسطورة السفاح محمود سليمان بدأت عَقِبَ هُروبه من السجن فإن أسطورة سعيد مهران قد بدأت عقب خُروجه منه بعدما قَدَمَ المُخرج المُبدع ” كمال الشيخ ” فيلمه اللص والكلاب بعد عامٍ كامل من نشر الرواية و تضمن أكثر من مئة مشهد و التزم بمُعظم شخصيات الرواية لكنه قلص حُضور الشيخ ” الجنيدى ” فى مشهدين فقط و جعل ” بياظة ” صاحب مقهى و ليس أحد أتباع عليش و اختلق بعض الشخصيات مثل ” السَجين مَهدى ” …
و الحقُ يُقال أن كمال الشيخ قد تعامل مع الرواية بتقدير فنان صادق وقف على جَمالِ النص و إبداعه وعُمقه فكشف بلغة الفن عن خيانة تجاه الطبقات الفقيرة التى يتم نهبها ولا تجد القوت أو العلاج و تتجه للسَرقة و الدِعارة بسب هذا الخلل الفظيع فقد شيد كمال الشيخ المعمار السينمائى على أرضية الرواية و لم يَعَبَثَ بها و أنما حافظ على أستقرارها و على محاورها التى تتناول الخيانة المُتمِثلة فى الزوجة ” سلوى محمود ” ( نبوية) و ” زين العشماوى ” ( عليش ) و معهُما ” كمال الشناوى ” ( رؤوف علوان) و الأخير هو الثورى السابق الذى عَلَمَ سعيد التمرد و بأن سرقة الأغنياء حلالاً اذ ما أخُذ بالسرقة لا يُسترد الا بغيرها ! …
فى هذا الفيلم استطاع كمال الشيخ أن يرسم لحظة لقاء سعيد بعليش فى حُضور المُخبر ( حسب اللة ) فى منظرٍ يُعبِر عن حِماية الشرطة و الحُكومة للصوص ! و قد أختار كمال الشيخ المثل العملاق ” عدلى كاسب ” ليُقدم شخصية المُخبر فى هيئة قُطاع الطرق المُجرمين والباطشين بالضعفاء بعد أن تَصَرَفَ ( حسب اللة ) بجفاءٍ و قسوة مع سعيد حينما طلب رؤية ابنته سناء و جاءت الطفلة باكية ناكرة لأبيها و كان المشهد كله يرسم ملامح مأسأة سعيد مهران الذى فقد كُل شيئ و لم يتبق أمامه سوى رؤوف علوان أستاذه و مُعلمه …
و لكن عندما يذهب سعيد لرؤوف علوان لا يجد الثورى القديم و أنما صحفى يعمل فى صحيفة ( النجمة ) و يكتب عن الموضة و الفن ! و قد تغير علوان و أنقلب على سعيد و هدده لينضم رؤوف علوان الى أعداء الأمس و بعدما أصبح منهم و أستغل ثقافته لفتح النار على سعيد و أمثاله الذى لم يجد الأخير أمامه سوى ” شادية ” ( نور) و التى قامت بأداء مُبهر للفتاة الفقيرة التى لا تجد أمامها سوى أحتراف الدعارة لتعيش حيثُ يربط المؤلف بين سعيد و نور بعد أن جمعهُما الفقر و البؤس و غياب العدل لكن نور مُستسلمة بهذا القدر الإجتماعى إما سعيد فيقرر الإنتقام من الكلاب و على رأسهم رؤوف عِلوان الخائن الذى طعن الفقراء بقلمه و سكن القصر الفاخر على ضفاف النيل ! …
و فى نهاية الفيلم يظهر سعيد مهران مع رؤوف علوان بجانب سيارته الفارهة و هناك أبتسامة نصر اذ تم قتل التمرُد الغبى الذى أعتقد أنه يُمكنه بمُفرده الفوز لانه صاحب قضية عادلة و البُسطاء يقفون خلفه و لم تبك على سعيد مهران سوى نور ألتى نظنُ أنها غير شريفة لكنها الوحيدة التى شعرت به و حاولت جذبه بعيداً عن شهوة الأنتقام …
من أروع المشاهد من وجهة نظر كاتب هذه السُطور هو المُشهد الذى احتمى فيه سعيد بالشيخ الجنيدى لعله يجد فى عالمِه الخلاص من مُطاردة الكلاب و نُكران ابنته له و لكن الشيخ رد عليه بمفهومه الذى لا يعرف سواه حيثُ قال له ” خُش يابنى اتوضى و صلى ركعتين و ربنا حايفرجها ” ! و هو ما ذُكر فى الرواية بالحرف الواحد فى دلالة واضحة من نجيب محفوظ عن رجال الدين الذين لايملكون مُطلقاً سوى لُغة النُصح و الإرشاد مع افتقادهم لحل أو حتى المُساهمة فى حلٍ جُزئىٍ ! لا كُلىٍ ! لأىٍ من المُشكلات الحَياتية …
و ينتهى الفيلم من وجهة نظرى بعودة الجميع إلى أماكنهم فى المُجتمع فسعيد لص يُطارد الكلاب فتقتله و نور مومس بنت ليل يسُبها مُجتمع الذكور نهارا ليَنْسَلَّ إلى أحُضانها فى فراشها ليلاً و هكذا يسقُط سعيد مهران اللص المحبوب من الجميع بطلاً ثورياً مهزوماً يؤوساً بين أملٍ عاشه آخر أيامه ” نور” و بين خيبة أمل تَجَلَتْ فى نُكران إبنته له و  يموت و هى ماثلة أمامه و لكن لحُسن حظنا أن سُقوطه لا ينهى الأسئلة مُطلقاً بل يُعمقها أكثر حيثُ ستظل دماء سعيد مهران تُحرضنا دوماً على السؤال الكبير ألا و هو لم لا تُطبق المَحكمة العدل و تكتفى فقط بتطبيق القانون ؟! .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: