الإثنين , سبتمبر 28 2020

سلسلة حوار ..مع الاديب والقاص سعدي صباح- عين وسارة الجلفة / حاورته وردة أيوب عزيزي

ضيف هذا العدد:
الأديب والقاص سعدي صباح /عين وسارة الجلفة-
قامة من قامات الأدب في الجزائر والوطن العربي

أهلا ومرحبا بك أديبنا الفاضل

_ سؤال تقليدي ككل مرة ،من هو سعدي صباح الإنسان والمثقف ؟

1.سعدي صباح كاتب جزائري من ربوع ولاية الجلفة ..جوهرة الإبداع والمبدعين ،تربيت وترعرعت في البيداء وتعلمت في مدرسة الريف ،في المرحلة الإبتدائية ، عشقت الطبيعة في صغري حد الهوس أو الجنون ،غصت في خباياها ،أصخت للأطيار واستمتعت بأغاريدها ..وقطيعها ومنبسطاتها وسنابيلها ،مع الطبيعة دوما في الأصباحي وقت الذهاب إلى مدرستي الحبيبة ..وفي الأماسي عند الإياب ،لذلك أعطتني الطبيعة ربما أكثر مما أعطتني المدرسة ،كتبت الشعر الشعبي في الإبتدائي وبعض الفصيح النثري ،ولما فزت في الإمتحان وابتلعتني المدينة من أجل الدراسة ،كانت الصدمة الكبرى التي فجرت الموهبة ،علما أن الموهبة تلد مع الإنسان فتأتي الصدمة وتفجرها ،وأنا صدمتي هي الرحيل من المفازة التي رضعت حبها مع الحليب إلى المدينة وضوضائها ،فصرت أنتقم منها وأكتب بفضاء منفصل ،مقيم في المدينة وأكتب عن البوادي وعن بناتها وحرائرها ،ولأن الفتاة كانت العملة النادرة في القرى ،لذلك كان لها الشأن ،وكنت أكتب عنها ،أنصفها أحيانا وألومها أحيانا ،وأدين المجتمع الذي يكون حتما وراء انحرافها إذا أخطأت ، من الشعبي صرت أكتب الخواطر القصصية إلى أن ولجت في عالم القصة القصيرة ،من أول محاولة أرسلتها إلى جريدة الجنهورية .وكانت الطبيعة مادة خصبة لقصصي وكانت المرأة أيضا ،أكتب عنها منصفا ومدافعا ،ريد أن أكسر مقولة : الرجل عقل والمرأة جسد .

_____________

_ نتاجاتك الأدبية ؟

2.خلاف اصداراتي . الكتب التي نشرت لي أعمالي.. تحت إشراف دكاترة وكتاب كبار في إطار انطولوجيا القصة الجزائرية ..أو حتى العربية ،وأذكر منهم : الدكتور حسن دواس في حدث الهدهد قال ،الدكتورة حفيظة طعام كتاب في النقد ،الأديب السعودي الكبير جبير الملحان في كتاب شبكة القصة العربية ،وكتاب المترجم منير مزيد برومانيا ،ولي أربعة إصدارات ،أولها المجموعة القصصية ( عرس الشيطان ) كانت مخطوطا وفازت بجائزة وطنية وطبعت على نفقة دار الثقافة بالجلفة ..تحت رعاية السيد الوالي ،الإصدار الثاني : سر البيت المفتوح ..فازت بجائزة الإستحقاق الدولية بلبنان .وأعيد طبعها بدار على بن زيد للطباعة والنشر ،وشاركت بها في المعارض الدولية والوطنية وفي جلسات بيع بالتوقيع وفي الجامعات. .على المستوى الوطني ،الإصدار الثالث : ( عرس في الزنزانة ) وعرس في الزنزانة قصة داخل المجموعة .فهي عنوان المجموعة القصصية وفائزة كذلك بجائزة وطنية بدار النشر يوتيوبيا ،وطبعت بدار خيال للترجمة والنشر ..تحت إشراف الأديب الكبير : رفيق طيبي .الإصدار الرابع رواية السيرة ( حديث الغبرة ) سيصدر بعد أسبوعين لا أكثر . وسيكون حاضر في المعرض الدولي للكتاب إن كان للعمر بقية بإذن الله

___________

_ .أكثر شيئ يستفزك للكتابة ؟

_3 .عادة المبدع إن أعجبه أمرا يكتب وإن لم يعجبه أمرا يكتب أيضا ،ومحدثك من هذا الصنف ،يستفزني الجمال . لا سيما جمال الطبيعة والمرأة ،ولا يخلو نص قصصي أو شعري من المرأة والطبيعة ،كما صرحت لك آنفا ،كذلك تستفزني المهرجنات والملتقيات والجلسات الحميمية . الجلسات التي أحولها إلى نصوص نثرية وقصص بكامل شروطها ،من عقدة وحبكة وزمان ومكان ..والشخوص هؤلاء الشعراء والشواعر الذين استلهمت منهم مادتي الإبداعية . دون أن أسمي الأشياء بمسمياتها ..فالأدب تلميحا وليس تصريحا ،أيضا السفر مادة جاهزة لإبداعي ،جل أعمالي الفائزة كتبتها إبان الرحلة ،مثلا (عرس الشيطان). كتبتها في المغرب ..المغرب الذي زرته أكثر من عشرين مرة..كتبت : (هذا قلمي) في مصر ،وكتبت : (الربيع في الصحراء زهر وعشب وغناء) في تونس خلال حضوري لملتقى الشعر بسيدي بوزيد …وهو نص مطول ..يدخل في أدب الرحلة..

______________

_.أصعب الأمور بدايتها ..ماهي أصعب مرحلة مررت بها ؟

_ 4. أي نعم أصعب الأمور بدايتها ..دعيني أعرج عن أصعب مرحلة مررت بها خارج الإبداع ،وهي انتقالي من الريف إلى المدينة من أجل الدراسة ،فراق الوالدين والمضارب والأتراب ،والمكوث عند الناس ولا سيما الغرباء ،والمعيشة الضنكة بعيدا عن نبع الحنان ،صعب جدا بالنسبة للطفل البدوي ..الذي كنته،لكن صيرتني رجلا بعد حين وعلمني الحرمان مثلما علمتني الطبيعة في مرحلة الطفولة الأولى ،أما أصعب مرحلة مررت بها داخل حيز الإبداع ،هي بداية حضوري للملتقيات ،للعلم أن الكتاب والشعراء ..لما يبزغ مبدع على الطريق لا يفرشون له المكان بالورد . بل ولا يرحبون به ويطفشونه ،وإذا كان هشا سوف يكسر قلمه ،وإذا كان قويا سيسافر إلى بعيد ،فالطائرة لا تطير إلا إذا عاكستها الرياح ،عثمان بالي كان يراشق بالحجارة في مدينته وتلك الإهانات التي تلقاها من المقربين . كانت وراء وصوله إلى العالمية ،وصدقت أحلام مستغانمي حين صرحت قائلة : شكرا للذين راشقوني بالحجارة فعززوا فيّ روح البقاء ،قلت هذا حتى لا يتأثر الشباب المبدع بالإنتقادات الهدامة التي تجعله يفشل ويقلع عن الإبداع …ويتخلى عن موهبته التي كانت هبة من الله.. سأقول لهؤلاء : أكتبو ا. أكتبوا .مع المطالعة والإحتكاك بأهل الخبرةو النيات الحسنة . فالنجاح حليفكم بإذن الله وعنوانكم .

_________________

_.ماذا منحتك موهبة الكتابة ؟ولمن تقرأ من أدباء الجزائر وغيرهم ؟

_5 . منحتني موهبة الكتابة الصبر على كل حال والتجاوز ثم الإحتساب ،منحتني معرفة الأكياس من رجال الكلمة وصناعها على مستوى الوطن وخارجه ،بفضل الموهبة كسبت أصدقاء بكل ولايات الوطن ..وعلى المستوى المغاربي والعربي ،بفضلها كنت الأب الروحي لبعض الطلبة والطالبات لا سيما من تخرجوا من خلال الإشتغال على قصصي القصيرة ..بجامعات لا تحصى في الجزائر ،وحضرت للكثيرات ساعة النقاش ..وكنت أطوي المسافات بسيارتي من أجلهن وأنتشي بنجاحهن تماما مثلما يسعد الأب،أذكر على سبيل المثال لا الحصر : جامعة تزي وزو ..جامعة محمد خيضر بسكرة ..جامعة ڨالمة ..جامعة باتنة.. الجامعة المركزية ..والحمد لله في كل جامعة أجد بناتي وأبنائي بفضل الموهبة ..لا أكثر .

لمن تقرأ؟ أقرأ لأدباء الجزائر : رضا حوحو ،عبد المالك مرتاض ،أمين الزاوي، ومعظم أدباء الجلفة ، أقرأ لمصطفى فاسي كثيرا ،وجميلة زنير ،وفطيمة غولي ،جنات بومنجل ،عبد الحميد بن هدوڨة ،محمد ديب ،ابن العابد الجيلالي ..وهو أول قاص جزائري ،والقائمة طويلة ..مع اعتذاري للذي سقط سهوا ،ومن خارج الجزائر ..أقرأ أولا للذين قرأت نصوصهم في المقررالدراسي ،أمثال : المنفلوطي ،جبران خليل جبران ،مي زيادة ،محمود سامي البارودي ،فدوى طغان ، محمود تيمور ..وغيرهم وغيرهم .. أما خارج المقرر : هيفاء بيطار،يوسف ادريس ،سهيل ادريس ،حنا منه ،إليف شافاق ،محمود المسعدي ،وكل ما يروقني من الروايات الشبابية وغيرها على مستوى العالم العربي خاصة ، بمعنى صرت انتقائيا لا يمكنني أن أقرأ للجميع كما كنت في التسعينات ..حيث كنت مدمنا فلا تسلم صحيفة أو مجلة من قراءتي وخاصة في المجال الأدبي ..جل كتاب الوطن قرأت لهم في الصحف والمجلات ..ونشرت معهم يومئذ وحضرت معهم ملتقيات لا تحصى ،أمثال رشيد بوجدرة ،الدكتور سعيد بو طاجين ،أمين الزاوي ،جنات بومنحل ،الدكتور فيلالي حسين ،بشير خلف ،أحمد ختاوي ، مصطفى فاسي ،براهيم سعدي ،الدكتور عبد الكاظم العبودي، الدكتورة المبدعة أم سهام ،والقائمة لا تنتهي وأعتذر للذي سقط سهوا أو سقطت .

_____________

_ .متى تحاج الثقافة إلى وعي ؟

_.أعتقد أن المثقف هو الذي تحولت معارفه إلى سلوكات ومواقف ،وعند البعض لا نجدها ويا للأسف ،والأديب من أدب نفسه وأحسن صقلها قبل الولوج في عالم الإبداع ،ونفتقدها عند بعضهم ونتأسف أيضا، في رأي ولا ألزم به أحدا .تحتاج الثقافة إلى وعي حين لا تسمو الثقافة بصاحبها وتنزله إلى الحضيض،فتجده يتصيد سقطات الآخر ،وحين ينسج الشائعات عن صديقته أو صديقه ،وعندما تسول له نفسه بحفر المطبات للآخرين ونسج الشائعات المدمرة بدافع الغيرة والحسد هنا لا بد من وعي ،يحتاج المثقف المبدع إلى وعي حينما يكولس لدعوة أو تكريم مثلا ،دون أن يدري بأنه قد سجل ذكرى سيئة في حياته الأدبية ،المثقف الذي لا يحتاج إلى وعي هو ذلك المثقف المتعفف الذي يترك الناس تتحدث عنه وتكرمه وترسل له الدعوة لانه يستحقها،والحديث قياس.المثقف الذي يطبل للسياسي ..إذا كان مخطئا طبعا لحاجة في نفسه،هذا المثقف ثقافته تحتاج إلى وعي ..إن لم أقل إعادة رسكلة ،والمثقف الذي لا يقول الحقيقة ويظلم ويشهد الزور..ويطعن رفيق دربه في الإبداع مثلا بالبهتان و…….و…ولا يصلح ذات البين ولا يتحدث صدقا .. ولا ينفع الناس ولو بكلمة طيبة . هذا المثال يحتاج إلى وعي كبير واعادة النظر في ثقافته وعكسه ذلك الأديب المتأدب لا يحتاج…ولولا هذا الصنف الثاني لكانت الثقافة مضرة بنا ولا سيما بالطيبين ..نحمد الله على وجود مثقفين حقيقين ..تعرفهم الساحة واحدا بواحد ،ولا يمكن لأحدأن يغطي الشمس بالغربال…….

__________________

_ ماهي مشاريع سعدي صباح المؤجلة ؟

_ .أجلت طبع حواراتي بالصحف والمجلات ،كنت أنوي طبعها كاملة في إصدار ليستفد منه كل قارئ ومبدع على الطريق ،وكذلك الدراسات النقدية التي كتبت عن قصصي من قبل أقلام وطنية وعربية ،وأجلت لقائي مع القراء بدار الثقافة بالجلفة ..كما كان مبرمجا وأجل بسبب كورونا ،أيضا لقائي بجمهور القراء والمهتمين والمتتبعين ..كما كان مبرمجا بجامعة البرج وغيرها ،ولأسباب وقائية أجلت إلى حين ،أجلت بسبب الوباء جلسات بيع بالتوقيع لأعمالي وسرد تجربتي الأدبية بولايات كثيرة في وطني ،أجلت حضوري لملتقى القاهرة بعد ما وصلتني الدعوة ،وأجلت كل شيئ للسبب نفسه ،لكن قريبا سينبلج الفجر وينطلق القطار لا محالة بإذن الله ،وبأكثر قوة وإرادة وجديد في لإبداع ..

___________

_. هل كرمت الجزائر سعدي صياح ؟ أو هو من كرمها بتواجده في المحافل الأدبية ؟

_ . الحقيقة كرمتني من خلال أعمالي وجوائزي الوطنية والعربية والدولية ،وكرمتها بحضوري المكثف في الملتقيات الوطنية الكبرى على مستوى جل الولايات وفي الجزائر عاصمة الثقافة العربية ،وفي الأسابيع الثقافية حتى النهاية مع آخر آسبوع في ولاية بشار،وكرمتني الجزائر في مناسبات شتى من خلال التتويجات ،كرمت في البرج على همش الملتقى الدولي بن هدوڨة ،وبمقر الشروق يوم فوز قصتي عرس الشيطان بالقلم الذهبي ،كرمت في مدينتي عدة مرات وكرمت في ولايتي كذلك في مناسبات ،منها اليوم الوطني للفنان ،وبمناسبة فوزي بجائزة المسابقة الكبرى ،ويوم فوز مجموعتي القصصية الأولى : عرس الشيطان ،ويمكنني أن أقول : كرمت في عدة ولايات : البيض ..تلمسان ..العاصمة . الوادي..سيدي عيسى .. الأغواط..أفلو ..عنابة …باتنة ..عين التوتة .. بسكرة …بجاية ..النعامة .. بشار …سوق أهراس ..أم البواقي .. خنشلة .. قصر الشلالة …سيدي بلعباس….منها التكريمات المادية ومنها المعنوية بالدروع والأوسمة والشهادات التقديرية ..

______________________

_ .أين تكمن جمالية الإبداع في القصة

_ . بالنسبة لي الجمالية تكمن في الوصف ،والمتعة عندي في المقام الأول ،وإذا جاءت مع المتعة رسالة فيا حبّذا ،أعطيك مثالا: بإمكاني أن أقول فكرة القصة في كلمتين ..مثلما يفعل بعض كتاب الومضة ،لكنني لا أفعلها ..حتى لا أحرم القارئ المتلقي من المتعة ..وكذلك اللغة سر الإبداع وجماليته.

________________________

.أين يجدد ويلون سعدي صباح جنسه الأدبي أكثر .في القصة أم في الشعر ؟

_..في القصة القصيرة أكثر من الشعر ،كما أنني معروف بكتابة القصة ولي فيها اصدارات وجوائز ،لكن لا أنكر بأن الشعر ساعدني على المنصة ،مؤخرا صرت أقرأ الشعر الشعبي والفصيح ..وجدت راحتي فيه القائه على منبر التغريد ،عكس قراءة القصة على المنصة وصعوبتها ،ولا أحد يقص ما تقرأ ،بعد ثلاثين سنة اكتشفت بأن القصة لا تتلى على المنصة ،بل يقرأها صاحبها على الورق قراءة متأنية مركزة ،لذلك أنا أكتب وأنشر بالصحف والمجلات والكتب والمريد يقرأ ،بالمناسة حتى القصة القصيرة الطويلة لا تلصح ولا تقرأ في العالم الإفتراضي ،فما يناسب القراءة على الحاسوب هي القصة القصيرة جداجدا ..أو الومضة ق.ق.ج.

________________

_ .مقطوعة من شعرك ؟

تحت الرّمانة

_______

جلست على طرفهاكالغرير

غناء الطّيور وعزف الخرير

فهبّ بقربيي نسيم سرى

من الشرق مرّ مرور العبير

فيسري عليلا على المنحنى

يراقص عشبا بلمس الحرير

يعطّر زهر العراء والرّوابي

يهفهف بين السّناء والغدير

فَتَحْتَ الرّمانة يحلو الغناء

يطيب المكان بلطف الأثير

وتحلو الهنيهة في ظلّـها

وتمحو السّحابة لفح الهجير

وكنت طليقا أحاكي الطّيور

مع العشب كنت بحجّم الأمير

ولدت حديثا جميل السّجايا

نسيت المنايا ووخز السّمير

دفنت همومي هصرت الخبايا

نسجت قصيدا بطول المرير

مشيت ..خفيفا كريح الصّبا

بكيت ..ضحكت.. كطفل صغير

و بين العراء يؤوب الشّفاء

ونقطف زهر الصّفاء والضمير

______________________

-.هل يشعر سعدي صباح بالغربة في قصصه

-. بالعكس أشعر بالغربة خارجها ،فداخل قصصي أعود إلى مرابع طفولتي ،وبنات الرحل اللواتي لعبت معهن وحرائر البدو ..وعيشة الريف ببساطتها وحياتي أيام الصبا بأفراحها وأحزانها ،مع العلم لما بدأت كتابة القصة القصيرة انطلقت من الذاتية إلى أن خرجت منها بعد أمد ..لذلك لا أشعر بالغربة ،فجل قصصي أستمدها من الواقع وأصب عليها شيئا من الخيال،لأن الخيال يشوه الواقع ويعطيه صورة خاطئة ..كما صرح رضا حوحو وغيره ،لا أشعر بالغربة داخل قصص تذكرني بحياتي الجميلة في كنف الوالدين ،أكتبها بمحبة وصفاء معتمدا على الذاكرة ،قصصي تشبهني لذلك أشعر بالسعادة حين أكتبها وبالراحة حين أنشرها للقارئ الكريم .

_____________

_. بعض من ومضاتك للقارئ

الفرس العربي بقلم : سعدي صباح

______________________________

بين سندان الرّتابة ومطرقة الفزع، رحت أقلّب صفحات طفولتي ،لأهصر أنباء الشّاشات .. التي تنزل نزول الصّاعقات.. على أبناء جلدتي بأقطار المعمورة ، فتراءى لي يوم قائظ من عنفواني.. خصّصته للنّزهة بين المفاوز ،حيث السّراب وطقطقة الأعشاب ..و بلابل تعزف وصلتها العذبة ..ليسمعها الصّادي والغادي ،..أبحث عن خلوتي في صمت البوادي ،أتوق إلى فراشة بشريّة باهيّة الألوان والتنسيق ..تسبح في دمي، ونسيت بأنّني آسير البراري،والطّفل الذي كنته يعربد في الفلوات،..إلى أن أفقت على مشهد أسطوري ،فرس بلا فارس،تطارد أرنبا بريّة ،فارتعت فرائصي ،وراحت عيناي تقصّ ومضة البرق فيها .. خطوة بخطوة، حتى توارت الطّريدة في عجّاجة .. أحدثتها حوافرها ،وما هيّ إلاّ هنيهات،حتّى أبصرته يدنو من البطمة الوارفة التي أوتنا بظلّها.. غير مكترث بسخال ترسل مأمأتها على بساط الشّيح المخضرّ ،تنفّست الصعداء مستشرفا.. بأنّه سيقتل تساؤلي ،ودن سؤال راح يروي بسلاسة الأعرابي، :-لا تخف ولدي . . أنا صاحب الفرس التي راعتك،ما في الأمر أنّني كنت أطارد الأرانب على ظهرها ، ومن التّكرار تعوّدت المطاردة بمفردها،فهي عربيّة أصيلة،ولدتها أمّها مهرة ،اجتمع لمولدها شيوخ من خيّالة العرب، قالوا بأنّها من سلالة عربيّة.. ركبها صاحب البراق ،وكتبوا شهادة عن أصلها ،وضعها والدي في جيدها بقلادة من مسد. بعد أن خرّزها في جلد بكرة فتيّة. على عادة الأوّلين، واستطرد : -فرسي جبلت على الشمائل .. مطيعة وفية لصاحبها، تطعمني لحما برّيا. أشهى من لحم الغزلان.أحيانا حين أمتطيها وأخرى بمفردها ،حين يماشيها ” السلوڨي” الذي أيضا له خلال ،يحتفظ بالطّريدة لصاحبه ..ويأبى أن يلعق حتّى دمها ..وأنا اسمي طلحة وخيمتي هنالك ب ” المرڨب العالي”، كما ترى ، أرعى السّخال إبّان فطامها ،وأروّض الجياد العربية الأصيلة وأغرس فيهم عادة الصّيد،تكبر وستعرف أسرار العرب ..

ثم طلب أن أقصّ عليه بعض مغامراتي ،أردت أن أبوح له بمها الرّحل التي غرست بداخلي عادة الذهاب إلى البيدر مع كلّ قيلولة، لكنّني احترمت رجلا في مقام والدي، وخلاف القصة الشائقة أدخل يده في جرابه وأعطاني حفنة ” دڨلة نور”،وحثّني على الرّماية وركوب الخيل ..ففعلت

______________

-..هل أنت راض على المشهد الثقافي في الجلفة

– .بكل تأكيد أنا راض ،لأنني على دراية بمكانة الجلفة الإبداعية عبر الوطن ،وعلى علم بزخمها الإبداعي من شعر شعبي وفصيح وقصة ورواية ،راض على جل الإصدارات الجلفاية الموجودة بمكتبتي وقرأتها كم من مرة قراءة متفحصة ،وتعلمت منها معنى الإبداع الحقيقي ،في الجلفة ،يولد الشاعر شاعرا والروائي روائيا وكاتب القصة ،جل شعراء الجلفة وكتابها نالوا جوائز عربية ودولية ،آخرها الروائي عبد الوهاب عيساوي .وهذا إن دل على شيئ إنما يدل على جودة الإبداع الحقيقي الآصيل ولا مبالغة ،بمعنى ولاية الجلفة ولادة للمبدعين ،من مسعد إلى حاسي. بحبح إلى عين وسارة إلى بيرين ..إلى الإدريسية ..إلى …..إلى ….كل مداشرها وقراها ،وأهل الإختصاص من نقاد ومتكلمين يعرفون علاقة الجلفة بالجودة في كل شيئ ولا أغالي .

__________

_ .حدثنا عن أول تكريم لك ؟ ماهي أعمالك ونصوصك المترجمة

_.أول تكريم كان من قبل المجلس الشعبي البلدي لمدينتي عين وسارة ،كم نبتت أجنحتي حين غصت القاعة بالجمهور ،وكنت انظر لقيمة التكريم التي تجسدت في الحضور ..حتى لا أغضب من ثمن التكريم الرمزي ،القيمة المعناوية والثمن ليس سيان .نصوصي المترجمة جلها ضمن المجموعة القصصية الأولى (عرس الشيطان ) التي حدثتكم عنها آنفا

____________

_ .هل تحضر الأنثى في كتابات سعدي ..وماذا تختار لنا ؟

_. كما أعلنت سابقا ،إن الانثى حاضرة دوما في قصصي ،وكل قصصي الفائزة بجوائز وطنية وعربية بطلاتها نساء ،منهن المرأة العفيفة الأطهر من المطر ..فتلك أنصفها لأن القرآن أنصفها وأعطاها حقوقها كاملة ،وفيهن المتمردة نتعلم منها ويتعلم منها القارئ المميز ،والمنحرفة لا أدينها . بل أدين المجتمع الذي كان وراء انحرافها ،ايمانا مني بأن كل فتاة سقطت في الخطيئة والرذيلة ..كان سببها نحن معشر الرجال . ولا أعمم.

_اخترت لكم

شغلته اسكندريّة

_______________

وصلتك الدعوة و كنت محظوظا يا عباس ،نزلت بالقيروان طائرا محلقا في سماء الخضراء،انثنيت إلى فندق حنبعل.. بنجومه الثلاث،وجدت الفنانين في الباحة يضحكون حد القهقهة ،استلمت مفتاح الغرفة رقم عشرين ،التي احتوتك مع شاعر من طرابلس ،ونزلت في لمح البصر ،بنية التعارف والإطلاع على إبداع الآخر ،لتجعل إبداعك في الميزان ،رميت التحية وأندمجت معهم ،رحبوا بك أيما ترحيب ،تريد أن تعرف الأسماء المبرمجة ،وأين محلك من الإعراب ،تريد أن تقتل الهيبة من منبر التغريد ،دنقت يمنة ويسرة ،فلم تكن إلا أنت من جمهورية الأمير ،..لاحت عيناك صوب جميلة العينين شقراوية الشعر ،كانت تجلس على أريكة منفردة، كنت تسرق النظر من حين لآخر لتخفف من وعثاء الطريق ، نسيت ما تريد أن تعرفة ،و تلاحقها خفية بعينين

زائغتين،وكانت عابئة بك لكنها تتجاهل ،غصت القاعة بالضيوف ،احتضنتهم المقاعد ،وأخذت الجميلة مكانها على مرأى منك ، ودون أن تقصد ..لكنك ظننت (… )،لم تشدّك كلمة الإفتتاح المقتضبة .. التي ألقاها رئيس الملتقى ،و كنت منتبها لها وهي عابئة ..قرأت ما يدور في نجواك ، لقد أنستك التفكير فيما تقرأ ..ولا يهمّك أن تقرأ ،خلعت معطفها الوردي ،فتناثرت خصلاتها ..فلملمتها ،فراحت عيناك تلاحقها باهتمام ..غير مكترث بما يتلى من شعر جميل

،صعدت شاعرة من سوسة ،قرأت قصيدة عمودية غزلية صفقت الأيادي ..ولم تصفق أنت ،وكنت ترقبها ،كنت تقول في النجوى ربما من المشرق …ربما من مصر .. باليقين أنها ليست من تونس ولا من الجزائر ..واستحيت أن تسأل غيرها ،حضرت منيرة حمدي كفاصل.. بين قراءات وقراءات ،قامت من مكانها صوب النوافذ لتقتنص النسمات ،ازددت ذهولا وانبهارا بقدها وقوامها ،نسيت بأنك قلم على الطريق ،ونسيت بأنك أتيت من أجل أن تتحدث عن نفسك.. وتتلو قصائدك..وتنحت اسمك ..خارج وطنك،ولهذا كنت تلوم نفسك ..على اهتمامك بشاعرة لا تسمع بك ولا تعرفها ،لا في الإفتراضي ولا في الواقعي ،نسيت حتى أن تذكّر المشرفين بتسجيلك ، ،وسقطت سهوا من ذاكرة المنشطة ،وبقيت وكأنك واحد من الجمهور ،لاتهتم إلا بذات العينين الجميلتين التي أسرتك ،و كانت تدري بأنك أدمنتها .. لكنها تتبله ،الكل يتفاعل مع منيرة ،وأنت بعيد كل البعد عن هذا الضجيج ،فقدت حضورك ..وعقلك، حتى هي كانت تسرق النظر ،لا لأنك وسيم أو أنيق ،ولكن اهتمامك بها زاد من تغنجها ،و لفت انتباهها، لكنها تتغافل وتكابر ، كانت لغة العيون أكثر حضورا ..لكنها مبهمة ،إلى أن اختتمت فترة المساء ،وقال أحد المنظمين : يا جماعة فيه رحلة سياحية عبر السباسب ،وتوقفت الحافلة ،صعدت وجلست في المقاعد الخلفية تحلم وتتمنى أن تجلس إلى جانبك..وتبوح لها بميلك لها ، الآخررون لا يعتبرونها إلاكبقية الحاضرات ، إلا أنت أعطيتها أكثر من حجمها ،ومع ذلك لم تجلس جنبك ..كما كنت تتمنى ،بل أخذت مكانها في الصف المقابل لك.. يسبقها عطرها..الذي لا يشعر به أحد سواك ،كنت تراها ملاكا ،لكنك لا حدث بالنسبة لها ،سارت الحافلة في العراء وتعالت الأصوات ..تغني بكل اللهجات ،إلا أنت الذي تطلق العنان لعينيك لقنص العينين الجميلتين ،وضميرك يؤنبك على القنص في الأرخبيل ،توقفت الحافلة بين المروج ،وكانت المروج تطفح بالنواوير العشبية والبشرية ،كل واحد له حبيبة ،يرتمي معها على الحشائش ،المكان مزبرج وزركشته النساء ،تمنيت لو كنت جسورا.. واتخذت من السؤال ذريعة لتفاتحها ،وترتمي وإيّاها على الحشائش الزاهية ، لكن خانتك الجرأة والخبرة ..وأنت في بداية المشوار ،نزل الكل مهرعين صوب الإخضرار ،تأخرت لحاجة في نفسك ،لكنها خذلتك الفاتنة ،نزلت تتخطر بمشيتهاالتي زادت من شغفك،جلست وحدك جنب شجيرة برية..خجولة مثلك ،عبرت من أمامك.كالنسمة الغادية ، ولم تمنحك نظرة ترقص لها فرائصك ..أو حتى نصف ابتسامة شاحبة ،وتركت عطرها ينعشك دون أن تدري ،جاء الغروب فزادها نضارة وبهاء ،كنت تنتظر رذاذ الظلام ليضفي لك جرعة من الشاجعة.. لتسألها من أي قطر جاءت ومن أية مزنة نزلت ،جاء الظلام لكن رئيس الوفد أمر بالإقلاع ،تجلس في نفس المكان وتقابلك تكفكف شعرها الأشقر كلما تسربل على صدرها تسربل أشعة الشمس على الأعشاب ،سارت الحافة عائدة ،الناس زاهية وأنت غائب عن الجموع ..حاضر في الوقوع ، نظمت جلسة حميمية ،بإمكان أن يقرأ إبانها الشاعر وغير الشاعر ،لكنك انزويت ولم تنبس بابنة شفة، وفضلت القراءة في عينيها ،كم من مرة تحاول أن تدنو وتسألها ،لكنك لا تلبث أن تتراجع ،إلى أن انتهت السهرة ،وصعد الجميع إلى غرفهم ،رحت تقصها من بعيد إلى أن ابتلعتها الغرفة رقم ثلاثين ،تنحنحت ،ربما سمعتك أو لم تسمعك ،دلفت إلى غرفتك ،لم تحدث صاحبك الطرابلسي ..ولا يهمك ،ورحت تبني قصورا وتهدم أكواخا ، وداهمك الأرق حتى انبلاج الفجر،كنت تنوي أن تشكو لها بما جرى من أجلها ،وتشجعت مع قهوة الصباح ،ورحت متردّدا.. تحاول الحديث معها ..وتظفر بابتسامة الصباح ،تهيأت.. لانت ..لوت ،تقدمت منك قليلا..نبتت أجنحتك ،لكن المكالمة التي وصلتها من خارج تونس ..حالت بينكما لسوء الحظ ..دخل الضيوف القاعة لحضور الإختتمام ،بدأ توزيع الشهادات ،وكنت تحلم لو تفوز بتقديم الشهادة الشرفية لها ،لكن حظها كان مع شاعر طرابس ،استأت خشية أن يقدمها لها مع قبلة ،لكنه اكتفى بمصافحتها ..وانتهى الملتقى وأنت لازلت تطارد سراب البيداء..يحسبه الضمآن ماء ،حضرت الحافلة التي تنقل البعض إلى ڨفصة ،والبعض الآخر إلى العاصمة ،فصعدت إلى الحافلة ،ملوحة لك بيديها الحريريتين،وبارحت دون أن تعرف حتى من أية مدينة في أم الدنيا.. إلا ماسمعته من المنشطة التي ذكرت اسمها ودولتها خلال توزيع الجوائز ،وتركتك وأنت تحلم أن يجمعك بها ملتقى آخر ،لكن (هيهات وابدنيا فنات) .. ….وجمعتك بها قصيدة نثرية كتبتها فيها حين عدت لمسقط رأسك ،تشجعت وبحث عنها وطلبت صداقتها ،وها أنت تنتظر الموافقة ، لترسل لها القصيدة التي تذكر فيها محاسنها ومفاتنها ،لكنك لم تزل معلقا في قائمة الإنتظار إلى أجل غير مسمى.

_______________

_ .ماذا تقول عن أمين الزاوي ووسيني الأعرج

_ .من عادتي وطبعي لا أحكم على شمائل شخص أو طبائعه ،الدكتور أمين الزاوي أعتبره صديقا من المقربين ،نشطت معه خلال سنين الخراب في الجزائر والتمست فيه الوفاء والطيبة والتواضع مع الكبرياء ،وكنت قبلها معجبا به من خلال حصة أقواس الذي كان يعدها يومئذ ويقدمها للمشاهد بالتلفزة الجزائرية ،وكان المشاهد ينتظرها على أحر من الجمر ،قرأت له كل أعماله الروائية ،وجعلت له قراءة انطباعية حول رواية الملكة ونالت اعجابه ،فتحية لأمين الزواوي الروائي. والإنسان ،أحترمه ولو أخطأ في تصريح مثلا،كلنا نخطئ ونصيب لأننا في الآخير ليس ملائكة ،أنا لا يهمني تفكير الشخص أو ميوله بقدر ما يهمني احسانه . .من أحسن إليّ سميته محسنا ولو أساء إلى جميع الناس والعكس ،أما وسيني الأعرج فهو شخصية أدبية ..التقيته مرات محتشمة لكنني لم أتحدث معه ..ولم أقرأ له إلا رواية الأمير ..ورواية الأمير يطول الحديث فيها .

______________

_ . ماذا تقول لنا في كلمة أخيرة ؟

_. أولا أشكركم لأنكم فكرتم في محاورتي ،ومنحتوا لي فرصة كي أفضفض وأطل على المتتبعين بحديث من خلال أجوبة تخرج صادقة من القلب ،ثم ندعو الله أن يحفظ الجزائر الحبيبة من الزلازل اوالحرائق ،ويرفع عنا الوباء والبلاء، ويحفظ كل الأقطار من كل سوء ،وأتمنى لبيروت العزيزة أن تضمد جراحها وتعود المياه إلى مجاريها ،وأقول للكتاب والشعراء على مستوى العالم العربي :حبوا بعضكم ،فإن لم نتعض من كورونا فمصيبتنا بأنفسنا أكثر من مصيبتنا بكرونا ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: