الثلاثاء , سبتمبر 29 2020

حلمي السقا يكتب .. غاشوراءوذكرى الفاجعة الكبرى

عاشوراء،وذكرى الفاجعة الكبرى!

ما أصعب الكلام حينما نتكلم عن فاجعة الإمام الحسين (رضي الله عنه )الأليمة الصعبة فى كربلاء ،حينما كنت أقرأ سيرته الشريفة لأول مرة كنت حينها فى المرحلة الثانوية ،وكنت أشعر أن روحي وقلبي يرتجفان داخل جسمي،وحينما أعود لقراءتها مرة أخرى من كتاب آخر ينتابني نفس الشعور ،ولكن هذا الشعور ممزوج بين الشجن والحب والألم والحزن والاعجاب والاكبار والتساؤل التعجبي الذي يطرحه عقلي قائلاً :

كيف هذا؟…كيف طاوعتهم أيديهم هؤلاء الحثالة البشرية بقتل الإمام الحسين بهذه الطريقة الوحشية الإجرامية التى تتنزه عنها الوحوش الضاريات؟

‏هل يعرفون حقاً من هو؟!
‏هل يعرفون حقًا من هو والده سيدنا علي بن أبي طالب؟
‏هل يعرفون من هي أمه السيدة فاطمة الزهراء ؟
‏هل يعرفون من هو جده ؟وأعظم به من جد!(عليه الصلوات والتسليمات)

الحسين ‏الذي أعلن قبل خروجه من المدينة هدف ثورته قائلاً:
“إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر ».

وعندما نذكر الإمام الحسين ،كأننا ذكرنا: الإيمان ،والفداء ،والُطهر ،والبطولة،والمروءة،والإيثار،ويقظة الضمير،وحب الفضيلة،والجلد فى المحنة،والشجاعة فى وجه الموت،والصبر الشديد،والحلم الكبير،وثبات الجأش

والحرب التى دارت فى كربلاء، بينه وبين الجيش الذي أرسله يزيد بن معاوية،كما يصفها (العقاد)فى تعبير جميل أحبه جدا: هي حرب بين الكرم واللؤم،وبين الضمير والمعدة،وبين النور والظلام،وبين أشرف ما فى الإنسان وأوضع مافى الإنسان.

ويمكن أن نرى أمثلة صغيرة على سبيل المثال لا الحصر كله ،وعلى سبيل أن نتذكر لا أن نغفل، من ذكرى تلك الفاجعة على ذلك:

من حوله أولاده وأتباعه ونساؤه منهم :الشيخ الكبير،والطفل العليل ،والكل يتلظى على قطرة ماء فلا ينالها بسبب الجيش الذي حاصره ومنعه من النهر!!

عندما وجد ابنه عبد الله يتلوى من العطش،فاقترب من النهر قائلاً لهم:” اتقوا الله في هذا الطفل إن لم تتقوا الله فينا “،فجاءه سهم من جيش ابن زياد فى أحشاء الطفل و صاحبه يصيح ساخرًا منه: “خذ اسقه هذا”!

أو وهو يحاول أن يشرب من نهر الفرات فيصيبه حصين بن نمير بسهم وقع فى فمه ،وعندما ينتزعه يجد أن راحتاه امتلأت بالدم!

رغم كل هذا وهو لا يبدأ بالحرب ولا يبدأ بالعداء!!

بعد أن جرت عجلة الأحدات ،والرماح والسيوف ظلت تنوشه من كل جانب هو ومن معه ،احتز الرأس الشريف، ثم من بعده ندبوا عشرة من الفرسان يوطئون الجسد الشريف بالخيل بأمر من ابن زياد ! ثم بعد ذلك يحاولون أن يخلعوا الثياب الذي كساه!

يمكن أن تتخيل درجة الوقاحة أنها امتدت ووصلت لمرحلة أن تؤخد نساء آل بيت النبي سبايا إلى يزيد!!!!
“بنـــات زياد في القصور مصونـــة وآل رســــول الله فــــي الفــــلوات !!!!!”
‏تقطع رأس الحسين وتحمل إلى قصر ابن زياد ثم يُوضَع على رمح وفي سفط ويُخرَج كل حين ويطاف بها الشوارع ويُؤتى به إلى الشام ويضرب على ثنيتيه يزيد بقضيب من حديد!
رجل يجلس من حاشية يزيد ويتطلَّع إلى فاطمة بنت الحسين ويقول يا أمير المُؤمِنين هب لي هذه، أريدها لكي أنكحها كسبية !!

الأحداث كثيرة ومؤسفة حقًا ،ولا أستطيع أن أسىردها تفصيلاً ،لأن القلب لا يتسع لهذا الحزن!!،لكن الكتب حاضرة وشاهدة على الأحداث!

رغم مرور أكثر من ألف سنة
العقل كلما قرأ هذه الأحداث ،يقف عندها ولايستوعب كل هذا!
ويتساءل فى حيرة ..هل هؤلاء كانوا بشرًا حقاً؟!

وأيضا يطرح السؤال الدنقلي :
كيف السيوف استباحت بني الأكرمين؟
التي كانت إجابته :إنه الذهب المتلألىء فى كل عين !

إن كل من يعشق الحق والخير والفضيلة والجمال والكمال ،سيشهد بهم حتى لو هو من دين أخر، فحب الإمام الحسين يطغى على كل الحواجز ،ويتعدى الحدود المذهبية والطائفية والدينية

فنجد “جبران خليل جبران” الأديب العظيم وهو مسيحي يقول :

“لم أجد إنسانًا سطر مجد البشرية بدمائه كالحسين بن علي”

والشاعر إدوارد مرقص يقول:

رَكبَ الحسينُ على الفخارِ الخالدِ
بِيضَ الصِّفاحِ فَكانَ أكرَمَ رائِدِ

حَشَدَ الطُّغاةُ عَلَيهِ كُلَّ قِواهُمُ
وحَمَوا عَلَيهِ وِردَ ماءٍ بارِدِ

تَأبَى البُطولَةُ أن يَذُلَّ لِبَغيِهِم
مَن لَم يَكُن لِسِوَى الإِلهِ بِساجِدِ

أيَهابُهُم سِبطُ النَّبِيِّ وعِندَهُ
جَيشٌ مِنَ الإِيمانِ لَيسَ بِنافِدِ

ولَئِن قَضى بَينَ الأَسِنَّةِ ظامِياً
فَلَسوفَ يَلقَى اللّهَ أكرَمَ وافدِ

ولَسَوفَ يَسقيهِ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ
كَأسا تَفيضُ مِنَ المَعينِ البارِدِ

إنني أكتب هذه الكلمة؛ حبًا فى آل البيت وحبًا فى سيدنا الإمام الحسين ،ولست ألتفت لهؤلاء الجهلة السذج الذين إذا ذكرت لهم :الإمام علي ،أو الحسين ،أو الحسن أو سيدتنا فاطمة الزهراء، ينظرون إليك بريبة،ويقولون لماذا تذكرهم ياأخى هل أنت شيعي؟ لماذا نتكلم عن الحسين؟ هل تتشيع يارجل،مع العلم أن السائل مسلم! ،ولا يعرف من هؤلاء حقا!!
هذا السؤال الأبله المعتوه الذي لا يخرج إلا من رجل…..

وهؤلاء السذج فى كل العصور تقريبًا ،فالإمام الشافعي كان يهيم فى حب آل البيت ويذكرهم كثيراً، وبعض الحمقى كان يقولون له :كف عن هذا ياإمام ،فهذا كلام الشيعة ،هل تتشبع ياإمام؟

فكان رده على هؤلاء الحمقى قائلاً:

إذا في مجلس ذكروا عليَّا
وسبطيه وفاطمة الزكية

فاجرى بعضهم ذكرى سواهم
فأَيْقِنْ أنه لسلقلقية

اذا ذكروا علياً أو بنيه
تشاغل بالروايات الدنيّه

وقال تجاوزوا يا قوم عنه
فهذا من حديث الرافضية

برئت إلى المهيمن من أناسٍ
يرون الرفض حب الفاطمية

على آل الرسول صلاةُ ربي
ولعنتُه لتلك الجاهليهْ

يعاود الحمقى السؤال الأبله للإمام الشافعي تكثر من ذكرهم هل أنت رافضي؟

فيجيب:
إنْ كانَ رَفضًا حُبُّ آلِ مُحمدٍ
فَلْيشْهَدِ الثَقَلانِ أنّى رافضى.

البعض قد حاول أن يلعب دور الأستاذية والمشيخة عليه فى حدود الحب هذا ويجب ألا يزيد عن حده ،فرد عليه قائلاً:

لو شُقّ عن قلبي لبدا وسطُه
سطران قد خُطّا بلا كاتبِ.
الشرع والتوحيد في جانب
وحبُّ أهلُ البيت في جانبِ.
إن كنتُ فيما قلته كاذباً
فلعنة الله على الكاذبِ.

إن ما يفعله غلاة الشيعة من التطبير وسفك الدماء
وإيذاء الإنسان لنفسه فى هذا اليوم ،كلها أمور خارج نطاق العقل والمنطق،ولا تفيد الحسين بأي شىء ،لكن الذي يفيده أن تسير على دربه،متخذا منه مثالاً فى البطولة والكرامة ،وكما يقول عبد الرحمن الشرقاوي فى (الحسين شهيدًا)على لسان الحسين:

“فلتذكرونى لا بسفككم دماء الاخرين
بل فأذكرونى بانتشال الحق من ظفر الضلل
بل فأذكرونى بالنضال على الطريق
لكى يسود العدل فيما بينكم
فلتذكرونى بالنضال
فلتذكرونى عندما تغدو الحقيقة وحدها
حيرى حزينة
فإذا بأسوار المدينة لا تصون حمى المدينة
لكنها تحمى الأمير و أهله و التابعينا
فلتذكرونى عندما تجد الفضائل نفسها
أضحت غريبة
فأذكرونى
فلتذكرونى حين تختلط الشجاعة بالحماقة
و إذا المنافع و المكاسب صرن ميزان الصداقة
و إذا غدا النبل الأبىّ هو البلاهة
و بلغة الفصحاء تقهرها الفهاهة
و الحق فى الأسمال مشلول الخطى حذر السيوف !
فلتذكرونى حين يختلط المزيف بالشريف
فلتذكرونى حين تشتبه الحقيقة بالخيال
و إذا غدا جُبن الخنوع علامة الرجل الحصيف
و إذا غدا البهتان و التزييف و الكذب المجلجل هن آيات النجاح
فلتذكرونى
إذا تحكم فاسقوكم فى مصير المؤمنين
فلتذكرونى
إذا شكا الفقراء و اكتظت جيوب الغنياء
فلتذكرونى عند هذا كله و لتنهضوا باسم الحياة
كى ترفعوا علم الحقيقة و العدالة
فلتذكروا ثأرى العظيم لتأخذوه من الطغاة
و بذاك تنتصر الحياة
فإذا سكتم بعد ذاك على الخديعة و ارتضى الإنسان ذله
فأنا سأذبَح من جديد
و أظل أقتَل من جديد
و أظل أقتل كل يوم ألف قِتلة
سأظل أقتل كلما سكت الغيور و كلما أغفا الصبور
سأظل أقتل كلما رغمت أنوف فى المذلة
و يظل يحكمكم يزيدٌ ما .. و يفعل ما يريد
وولاته يستعبدونكم و هم شر العبيد
و يظل يلعنكم و إن طال المدى جرح الشهيد
لأنكم لم تدركوا ثأر الشهيد
فأدركوا ثأر الشهيد

ُقتل الحسين ومُثلَ برأسه أبشع تمثيل،ظنًا بذلك أنهم محو سيرته ،لكن هيهات هيهات ،ظل الحسين سيرته لا تنقطع حتى يومنا هذا ،ظل قيمة مرتفعة، وظل المبدأ ينير كل من يسير على دربه ،وظل حيًا فى قلوب كل المحبين حول العالم ،أما الحثالة البشرية القتلة فنبذهم التاريخ وصاروا فى قعر مزبلته.

وهذا المعنى يقوله أحمد شوقي:

من سرَّه ألا يموتَ، فبالعلا
خَلُدَ الرجالُ، وبالفعالِ النابِه

ما مات مَنْ حاز الثرى آثارَه
واستولت الدنيا على آدابه

_حلمي السقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: