الإثنين , سبتمبر 28 2020

جمال غيطاس يكتب :أزمة البحث عن بطل في زمن الجفاف الإنساني

في ظل الاستبداد والديكتاتورية، والقهر والعسف وتكميم الافواه، وتعطيل العقول، وإيقاف الابداع، واختزال الملايين في شخص واحد، يذبل المجتمع، ويصفر، ويغادره غناه ونداوته وخصوبته ونضارته وحيويته العقلية والفكرية والقيمية ويدخل بكامله في زمن الجفاف الإنساني، ويصبح اشبه بارض تشققت، وتربة تمتد آلاف الأميال بلا عود اخضر واحد.
ولأن السلطة المستبدة تبحث دائما عن بطل أو نصر أو شيء، تتغني به زورا وبهتانا أو نصبا علي الخلائق، لتثبت أن مجتمعها لا يزال علي قيد الحياة، فإنها سرعان ما تتلقف أي نبتة ضئيلة نضرة، أو يشتبه في أنها نضرة، داخل الجفاف الذي صنعته، والصحراء التي فردتها علي مرمي البصر، وتعيد انتاجها وتسويقها علي أنها نصر مؤزر، وبطولة نادرة، وهمة عالية، وتقيم الدنيا ولا تقعدها لمثل هذه الأشياء البسيطة، حتي لو كانت تذكرة يدفعها شخص لآخر داخل قطار، أو درجة دراسية يحققها بائع متجول علي شاطئ، وغيرها من آلاف الأشياء التي تحدث آلاف المرات، في زمن النداوة والنضارة والخصوبة والرطوبة الإنسانية، باعتبارها أمور طبيعية، دون لفت نظر، أو طبول جوفاء، أو استرعاء لانتباه.
لذلك حينما تتحول أنباء مثل هذه الأشياء البسيطة الي فيض يجتاح مجتمع بأكمله، ويشغل بال ولاته من الغفير للأمير، فاعلم أن مثل هذا المجتمع قد بلغ ذروة الجفاف الإنساني، وبات يري في قطرة الماء الواحدة، التي تبل ملليمتر واحدا من اللسان، بديلا للنهر الفياض الذي كان قبل الاستبداد ينساب حاملا تيارا ضخما من الماء العذب الرقراق، الذي لا يمنع فقط وقوع الظمأ، بل يكفي للغرس والري والنماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: