الإثنين , سبتمبر 28 2020

محمد العولقي يكتب : جوارديولا .. المسألة يا عزيزي (جينات) ..!

للموسم الرابع على التوالي، يخرج بيب جوارديولا خالي الوفاض من دوري أبطال أوروبا مع فريق مانشستر سيتي الإنجليزي، ترى أين يكمن القصور في ناد غني ماليا و بشريا حد التخمة ..؟
هل المشكلة تكمن في عقلية المدرب بيب جوارديولا الذي يستنسخ التيكي تاكا أينما حل و ذهب ..؟
بالتأكيد ينصب السواد الأعظم من فشل السيتزن على فكر جوارديولا، و إصراره على تقليد رقصة برشلونة أيام السنوات السمان، و كأنه هو من ابتدع و اخترع التيكي تاكا، أو الكرة الشاملة القائمة على استنزاف قدرات الخصوم بأكبر عدد من النقلات ، مع الاستحواذ شبه الكامل للكرة بهدف إنهاك الخصوم بدنيا و ذهنيا ..

فارق كبير بين جيل كان يقدم التيكي تاكا في أبهى صورها و فاعليتها النتائجية كما و نوعا، و بين جيل يفتقد جينات تلك الفاعلية التي بنى عليها جوارديولا مجده الذهبي مع برشلونة ، لا يريد هذا الإسباني الخروج من جلباب الكرة الشاملة ، فهو يعتقد أن في وسعه تطبيق فلسفة التيكي تاكا مع أي فريق يدربه، و كأنه يريد القول إن التيكي تاكا تنبع من فكره و من فلسفته و من حركاته الكوميدية التي يؤديها أحيانا، حيث يبدو و كأنه يعمل في مدرسة للمكفوفين ..
أبدا لا يمكن إنكار حقيقة أن جوارديولا طور من سرعة التيكي تاكا مع برشلونة، ثم منحها نفسا جماليا مثيرا للإعجاب ، لكن ما كان لهذا الشاب أن يجني ثمار الكرة الحلوة و الناعمة المدهشة لولا أن برشلونة كان يضم نخبة من اللاعبين النادرين، امتلكوا ناصية و بديهية هضم و تطبيق فلسفة جوارديولا المستلهمة من تعاليم الطائر الأشقر يوهان كرويف ..

مشكلة (بيب) أنه كان و لازال يظن أنه جاء بما لم تأت به الأوائل، وأنه لولاه لما شاهد العالم طوفان البلوجرانا بكل زخمه و بطولاته ، بمعنى أن (بيب) يؤمن بأن برشلونة اكتسح أوروبا و العالم بفكره و فلسفته و عبقريته فقط، متناسيا أن التيكي تاكا خلقت فقط لأجل نوعية معينة من اللاعبين المذهلين أمثال : أندرياس أنييستا و تشافي هيرنانديز و ليونيل ميسي و تيري هنري و صامويل ايتو و ديفيد فيا و داني آلفس ..

كان نادي بايرن ميونيخ الألماني مهووسا بعجينة جوارديولا ، و اعتقد مسيروه خطأ أنه المدرب الوحيد القادر على نقل تجربة التيكي تاكا من برشلونة إلى بايرن ميونيخ، وهم بهذه الاندفاع غير المحسوب كانوا يؤمنون بأن (بيب) مثله مثل ميداس يلمس الأشياء من حوله فتتحول إلى ذهب صافي مصفى ، نجح (بيب) في أمر واحد مع بايرن ميونيخ، و فشل فشلا ذريعا في أمور أخرى كانت بالنسبة له جزئيات صغيرة يمكن تداركها، بينما في الواقع كانت جزئيات فكر و تراث مدرسة ألمانية لا تقبل التزاوج اللاجنسي مع التيكي تاكا ..
كانت نسبة استحواذ لاعبي بايرن ميونيخ على الكرة كبيرة جدا أمام خصوم لا تمتلك ربع مؤهلات لاعبي البايرن ، لكن العيب الخطير برز أوروبيا عندما لم يجار الفريق الألماني خصوما يمتلكون ما لا يمتلكه جوارديولا ، إنه الانضباط التكتيكي الذي يعتمد على الضغط المتقدم وعلى براعة الكونترا تاك ..

اختنقت تيكي تاكا جوارديولا أوروبيا ، و بدأ أن البايرن في عهده فريق بوجهين، وجه محلي يلعب بخبرة لاعبيه و ضعف وقلة حيلة منافسيه، ووجه أوروبي بلا ملامح يعاني من سكرات الإيقاع المختل غير المتوازن تكتيكيا ، ظهر البايرن أوروبيا و كأن له علاقة بذلك الغراب الذي قلد مشية الحمام فنسي فيما بعد مشيته ..
خرج (بيب) من باب بافاريا الضيق، وهو يؤكد أن المناخ لم يساعده أوروبيا في استنساخ تجربته مع برشلونة ، وعندما حط رحاله في مانشستر سيتي الإنجليزي بلغت ثقته في استنساخ تيكي تاكا برشلونة حدا لا يقبل مجرد التفكير في فشل المشروع ، فكل شيء أمامه متاح، من مال، و من صفقات، ومن مناخ جعله يستمتع مع سعاد حسني وهي تغني : الجو بديع و الدنيا ربيع قفل لي على كل المواضيع ..

ومنذ أن تولى بيب جوارديولا تدريب السيتيزن أجبر إدارة النادي على إنفاق أكثر من 762 مليون جنيه إسترليني لجلب لاعبين تتوافر فيهم جينات التيكي تاكا على حسب رغبة (بيب) الذي راح يطلق الوعود تلو الوعود، مؤكدا للأنصار أن الفوز بدوري أبطال أوروبا مسألة وقت ..
و مع كل موسم يحصد (بيب) الخيبة من جميع أطرافها ، فهو يبالغ في الاستحواذ أوروبيا و بمعدل مرتفع، لكنه يسقط سقوطا ساذجا في منتصف الطريق ، فيعود (بيب) إلى نغمة الترميم و التعاقد مع لاعبين جدد في عملية تبدو حقل تجارب تضرب انسجام الفريق في مقتل، في وقت تكتفي إدارة السيتيزن بضبط النفس و الاستمتاع بمتواليات الصبر و الوعود العرقوبية للكابتن (بيب) ..

ربما كان خروج مانشستر سيتي أوروبيا أمام فرق كبيرة مثل ريال مدريد و ليفربول مقبولا إلى حد ما ، لكن سقوطه الأخير أمام ليون الفرنسي (قليل الحيلة ماديا و بشريا) في ربع النهائي فضح منسوب طريقة جوارديولا و عرى مشروعه من كل أوراق التوت ..
يصر (بيب) على ركوب الباص الخاطئ مع كل محاولة فاشلة ، لا يتوب و لا يكف عن استنساخ مغامراته الموسمية التي تستنزف الكثير من مال بيت مانشستر سيتي ، لأنه ببساطة يظن أن فلسفة التيكي تاكا تنبع من فكره ، لهذا يبدو (بيب) و كأن سراب برشلونة قد غره تماما ، فلم يعد أمامه سوى البحث عن المستحيل بين لاعبين يرون في فلسفة الإسباني عملا مملا يخالف قدراتهم و إمكانياتهم، و لا يفرز إلا استحواذا سلبيا سرعان ما يتبخر كخيط دخان ..
يعيش جوارديولا على الوهم، و يحيا على حلم يتحول في الأمسيات الأوروبية الساخنة و الملتهبة إلى كابوس مخيف و لا يتوب ، هذا لأنه لا يريد أن يفهم أن فلسفة التيكي تاكا الإيجابية مسألة جينات دفعت السير أليكس فيرجسون إلى امتداح ربانيها المدهشين تشافي هيرنانديز و أندرياس أنييستا قائلا :

إنهما لاعبان يشكلان منطلق و مستقر التيكي تاكا، وفي استطاعتهما أن يحتفظا بالكرة طوال الليل ..
التيكي تاكا صممت أصلا على عبقرية تشافي و أنييستا، ووحدهما من كانا يجسدان الكرة الشاملة بنهجها المتوازن و قدرة فاعليتها ، ولقد انهارت تيكي تاكا برشلونة و اضمحلت تماما بعد مغادرة هذين العبقريين لمعقل الكامب نو ، و المؤسف أن جوارديولا لازال يعتقد أن انهيار برشلونة بدأ مع رحيله إلى بايرن ميونيخ ، و دماغه الناشفة ترفض الاعتراف أن تيكي تاكا تشافي و أنييستا مسألة جينات نادرة لا تتوفر في مفكرة (بيب)، ولا في الصيدلية المناوبة لنادي مانشستر سيتي ..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: