الثلاثاء , سبتمبر 29 2020

القاهرة_30… المجتمعات التي فضت بكارتها… تعاني من هوس العذرية.

كتب :خالد طاهر

السينما مش هي انك تحكي حكاية… السينما هي ازاي تقدر تحكي الحكاية.. ازي تعبر عنها وتنقلها من الحكي بالكتابة الى الحكي بالصورة والموسيقي والإضاءة والمؤثرات الصوتية والبصرية والملابس والجماد.. علشان كده العمل السينمائي حتى لو مأخوذ عن رواية بيعتبر عمل مستقل بذاته ابداعياً وفنياً وسرديا وفي الحكاية كمان.. المخرج ممكن ياخد من الرواية كلها شخصية واحدة ويبني عليها الأحداث ويحذف باقي الشخصيات او يحولهم لسنيدة تابعين عكس العمل الروائي اللي عندك فيه مساحة حرية في الكتابة.. لكن السينما هي قدرة التعبير عن الحكاية بالغة السينما نفسها (الصورة والصوت والموسيقي والأضاءة).. مثلا في فيلم الكيت كات اللي مأخوذ عن رواية مالك الحزين لابراهيم اصلان.. داود عبد السبد أخد من الرواية شخصية الشيخ حسنى وخلاها هي الشخصية المحورية وغير في الأحداث.. علشان كده الفيلم اعظم من الرواية بمنتهي الصراحة مع تقديري واحترامي لأستاذنا ابراهيم أصلان.

صلاح ابو سيف واحد من سحرة السينما المصرية.. بيقدر يعبر عن اللي عايز يقوله بمنهى الذكاء ويلعب في الرواية الأصلية والأحداث بما يوافق رؤيته.. والذكاء الحقيقي انك ازاي تفلت من مقص الرقيب.. والرقيب دايما غبي.. بيشوف من زاوية واحدة.. المخرج الذكي اللي يقدر يلعب مع الرقيب لعبة الرمز والأسقاط دون ان يقع تحت رحمته أو مقصه.

في فيلم القاهرة 30 هاتكلم عن مشهد من حيث فنية وذكاء التصوير اللي استخدمه العظيم صلاح ابو سيف.. حيث الأسقاط بالرمز والاضاءة والكادرات والموسيقي العبقرية المعبرة لفؤاد الظاهري اللي فعلا لا يقل في عبقريته عن صلاح ابو سيف.. ومدير تصوير شاطر (وحيد فريد).

اللقطة بتبدأ ببطلة الفيلم (إحسان / سعاد حسني) مع اخواته الصغيرين وامها الراقصة المعتزلة وطبلية اكل عليها اربع اطفال بيتخانخوا على الأكل في الطبق .. هنا مش هاتكلم عن الحوار.. الصورة لوحدها حوار مع الموسيقي والتصوير.. وده اللي يهمني في المشهد .. بالطبع الحوار بديع.. بس الاسقاطات والرمزية اللي عملها صلاح ابو سيف في التصوير مع الموسيقي والإضاءة والكادرات معجزرة.

*******

بداية المشهد لقطة قريبة (close up) لطبق وايادي الأطفال بتتخانق عليه.. وبعد كده بيقفوا الأطفال يطلبوا من اختهم (إحسان/ سعاد حسني) انها تجيب لهم اكل.. بيمهد صلاح ابو سيف من اول الفيلم لسقوط احسان.. بداية من اسمها اللي وهبه لها نجيب محفوظ وعبر عنه بصدق صلاح ابو سيف مع مصممي الأزياء (ليلي جرجس/ سوسن الصاوي).. التمهيد ده بيخليك تتعاطف مع احسان.. المجتمع اللي بيحرضك على الرذيلة.. المجتمع اللي بيدهسك… المجتمع اللي بيطلع فيك اوسخ ما فيك لأنك مش هاتعرف تتعامل معاه بطبيعتك.. الأم اللي تحرض بنتها على البغاء.. قابلت ناس كتير في حيات بطبيعة عملي ممكن تعمل اي حاجة نظير انها توصل للي هي عايزاه.. اباء بيحرضوا بناتهم على علاقات علشان يصرفوا على نفسهم او ينجحوا في جامعاتهم.. وللاسف الأباء دي بتكون متدينة.. او ظاهريا تبدو متدينة.. وبنات مستعدة تعمل اي حاجة نظير النجاح او الوظيفة او الراحة في الشغل او مكاسب تانية.

صلاح ابو سيف من اعظم المخرجين اللي بيعمل في الكادر الواحد اكتر من حالة وزاوية بدون ما يحتاج لـ(cut) بيسحب الكاميرا سحبة خفيفة لليمين (pan right) وسعاد حسني بتتحرك لغايو ما تقف ويعمل على وشها ( close up shot).. وهنا بتظهر موسيقي فؤاد الظاهري حيث الالات الوترية (بيانو وكنترباص وكمان) تعبريا عن التوتر اللي داخل سعاد حسني .. البانو سيد الموقف والآلات حيث اشارة الى اصابع القدر اللي ماسكها العازف مع المخرج والمصور بتساعدهم في شرح التوتر اللي جوة صدر وقلب الضحية احسان.

بيعمل (كت) لأحسان ماشية في الشارع هاربة مهزومة ضايعة مش عارفة هي رايحة فين مع صوت الكمان الأقل حدة وتعبير عن الحزن وبتنسحب بالراحة الكمان علشان يظهر البيانو تاني بس بيظهر اقل حدة كانها خلاص في طريقها للاستسلام فعلا.. بيقطع ده كله صوت كلاكس نشاذ لعربية الباشا (قاسم بك) أحمد مظهر بعربيته وبحركة بسيطة بتظهر العربية وبيظهر بعدها صوت موتورها كتعبير عن أن قاسم بيه ما هو الا موتور جنسي هو الآخر بيتحرك لدهس إحسان.. وفي الكادر بيظهر باهت بائع بطاطا وهو اسقاط أخر على ان احسان نفسها زي البطاطا (معسلة وحلوة) ومحتاجة نار للتسوية.. ونار التسوية هي عيلتها وبيئتها السيئة اللي سوتها على نار وسخة ودفعتها للي هي فيه.. وقاسم بيه بيقف لها وبيستغل هروبها وضعفها وضياعها وبيفتح لها باب عربيته وبيطلب منه الركوب كحيوان مفترس بيمهد لأكل فريسته بنعومةو وهدوء.. وبتستمر الموسيقي الوترية للظاهري لغاية ما بتنسحب العربية وبفضل في الكادر عربية البطاطا اللي بيحطها البياع علشان يسويها على النار والمدخنة بتعبر عن الدخان والضباب اللي جوة احسان نفسها والنار اللي محضرها لها قاسم بيه علشان يسويها عليها.. او على الأدق يغتصبها.

بيقطع (cut) ويدخل على كادر جديد لـ(إحسان) في بيت (قاسم بيه) وملابس جديدة مرمية على الأرض كاغراء لاحسان واستغلال فقرها زي ما الصياد بيستغل جوع الفريسة ويوقعها في الفخ.. واحسان بتداري شرابها وجزمتها المقطعة وقاسم بيه بيغريها بهدوم كتير .. حتى الملابس هنا لها اسقاط حيث البالطو جلد نمر.. اسقاط للمفترس قاسم بيه والفريسة (الغزالة) احسان.. وفي الخلفية نار في المدفئة وبيكمل المشهد بعرض الشيكولاته المحتوية على خمر لأستكمال الفخ المنصوب للفريسة وهي في حالة انبهار بكلامه وحواره الكاذب المخادع… كل ده بيعمله صلاح ابو سيف بدون ما يعمل اي (Cut) بس سايب الكاميرا تعمل سحبات بسيطة يمين وشمال كانها بترقص بهدوء وبدون اجهاد .. لو مخرج غيره كان عمل أكثر من (كت) في مشهد زي ده.. وبينتهي بان المفترس بيدفع الفريسة لدخول الفخ لأستكمال الأغواء.. حجرة النوم وهنا بيستخم شوت عبقري اسمه الرؤية من خلال عين الله.. حيث المخرج هنا يحل محل الرب ذاته في شوت (God’s eye view shot). حيث ان كل الأشارات والأسقاطات قبل الدخول للغرفة حسب نظرية فرويد للاشكال الدائرية للتحف المعلقة على الحائط حيث أن الشكل الدائري عند فرويد اسقاط للعضو التناسلي للانثى.. وتماثيل عارية كما سيتحدث لاحسان بعد قليل.

(God’s eye view shot)

المجتمعات التي فضت بكارتها .. تعاني من هوس العذرية.

بتدخل احسان الأوضة.. ولقطة من فوق كأن عين الله ترصد الحادث (High-angle shot) حيث الغرفة واسعة.. السرير واسع.. كل شئ واسع على احسان الأتية من كل شئ ضيق ليشعرك بانبهارها.. ثم يقوم بعمل (كت) لقاسم بيه بيفتح زجاجة ويسكي اسكتلندي بمفتاح حلازوني يشبه المبرد وهو اسقاط لما سيحدث واتباعا لنظرية فرويد.. حيث العضو المستطيل اشارة للعضو الذكري والدائري للانثوي.. المفتاح يدخل في الغطاء الفلين للزجاجة وكأنه عملية (فض بكارة) لأحسان قبل الزجاجة.. والويسكي اسقاط للتخبط والتخدير الذي يرتب له قاسم بيه لتستسلم احسان.. ثم (كت) لأحسان تلبس (شراب فوال) (Voile) وهي ترفع قدميه اسقاط اخر لما سيحدث حيث لا اغتصاب دون رغبة من الأنثى او تخديرها واغوائها واستغلال حاجتها وصورة لقاسم بيه تستقر على (كوميدينو) يتلصص الي عرتها التي لم تتضح في الكادر.

(كت) وبيرجع لقاسم بيه بيقطع تفاحة.. احسان شحاتة هي ذات التفاحة التي ستقطع بعد قليل.. التفاحة الطازجة المؤهلة للاكل بعد قليل.. والسكين وهي تقسمها نصين كما سيفعل.. السكين هنا كنظير للعضو الذكري والتفاحة باستدارتها العضو الأنثوي.. وحتى بعد شقها لنصفين تتضح اكثر.. ولا شئ اقرب الى جيم المراة من الأسفل مثل التفاحة بنصفيها يستثر بينهما عضوها التناسلي كما التفاحة بالضبط… وتدخل موسيقي فؤاد الظهري الوترية لتتغير بين الات النفخ والوتر كتعبير عن ان الضحية ستنفخ كما ينفخ في الالة .. او يعزف بها كما يعزف بالوتر.. الموسيقي هنا تشبه رقصة المسطول.. كأنها صوت حركة احسان الدائخة التائهة الضائعة كما يتخبط السكران والمسطول بين (كت) كلما غيرت ملابسها وفستانها ليتماشى مع لون التفاحة وتعمد ارتدائها الملابس بدون (سوتيان) لتظهر حلمات صدرها صغيره كإثبات لبكارتها وصغر الحلمات التي لم تستعمل بعد وتأكيد على تعمد الفريسة ان تجعلها بلا سوتيان ((Bra ثم قاسم بيه يصب الويسكي في كأسين لما ينتويه لأفراغ شهوته في إحسان وفقدانها عذريتها تحت تأثير الخمر الذي قطع فيه التفاحة أو احسان ذاتها.. لينتهي المشهد بالضحية تستسلم للمفترس وحوار عن المجتمع والكريز والخواجة (عالم الاجتماع أوجست كونت)وهو اسقاط اخر نظير لفعل الماضي (كان) و(كنت) .. لينتهي المشهد بالمفترس (قاسم بيه) وهو يقول للضحية إحسان شحاته:

– رحت في داهية يا خواجة كونت.

لتذهب إحسان نفسها في داهية وتذهب بكارتها وعذريتها.. لتستسلم بعدها لباقي الرحلة كفريسة بين من اغتصب (قاسم بيه).. وبين من استغال الاغتصاب (محجوب عبد الدايم) والأهم.. الأغتصاب الأكبر من المجتمع ذاته أول المغتصبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: