الثلاثاء , سبتمبر 29 2020

ابراهيم الإعسير يكتب … الهروب من الجحيم ..قصة قصيرة

قصة قصيرة
(الهروب من الجحيم)

في نهارات القرية الواقعة على ضفة النيل الأزرق ، حينا يكون الناس ذهبوا لعملهم ودراستهم وأمكنة عطالهم بين لعب القمار و مخيمات القهوة ، كان يتمشي بعقل غائب باحثا عن لا شيء ، مرزوق سامي هو شاب ثلاثيني غير متزوج ، كثير الأحلام ، لذا غيابه العقلي ولد من ذلك ، أما ممدوح طارق رجل في أواخر الثمانين من عمره ، يحب تعاطي السياسية كتعاطيه للتمباك في شدة فقره وفراغه الموضوعي الدائم ، حيث يأخذ نصف يومه بين دكان العاقب محسن ليلعن سياسات الحكومة الفاشلة أو ليتحدث عن الزمن الجميل حينا كان شابا يافعا متمردا ضد سياسة عبود ونميري والصادق المهدي وعمر البشير والرئيس العاطل الآخر أو الأخير الذي تم جلبه من أوروبا بواسطة شلة سياسية غبية لا تختلف إلا قليلا عن بقية النظم السياسية التي حكمت البلاد ، بعقل البندقية والإنتنوف والوعود الكاذبة ، أي الوعود التي تنثر الأحلام الوردية المغلفة بالكذب والنفاق، أو كذلك الوزير العاطل الذي وعد شعبه بحل أزمة الخبز في مدى إسبوعين كقدر كبير أو بعيد جدا متفائلا فيه بغباء ، ثم فشل كما فشلت جميع حلوله الغبية حول وزارته ، قد يجده هناك أو قد يجد هذا الرجل تحديدا في العادة أو كعادته الدائمة هناك ، سوف يحدثه بغضب لم يعتري إنسان من قبل: بأن حكومة الحرية والتغيير هي حكومة عاطلة سياسيا وإقتصاديا وخططيا ، وخطفت الثورة أو السلطة إن صح التعبير – لكن ليس بدبابة – ولن تعيد دماء الشهداء الذين سقطوا في الخرطوم وعطبرة والقضارف والأبيض ونيالا ، ولن تمنحكم الحياة التي تجدونها الآن في عالم العرقي ، أو تحقق لكم العدالة التاريخية التي هي في حلم ذلك المفكر الذي هجر البلاد مؤخرا بحثا عن حرية تعبيره ؛ إذ كانت هذه الحكومة ليست بمقدورها أن توفر الخبز والغاز والجاز والبنزين والدواء ووظائف العمل لبعض العاطلين عن العمل من أمثالك ، أو لشعبها المسكين الملعوب به غير المحسوب في تعدداها السكني ، سوف يحدثه كذلك عن أن الناس أصبحوا يفكرون في الآكل والشراب والدواء غير المتوفر في الصيدليات وليس أكثر من ذلك ، وفي هذا الوقت الذي تعمل فيه بعض شركات الدول الكبرى بصناعة روبرت يحل مكان العامل تخفيفا لعبء الصرف الرأسمالي الذي لن يغيره إلا الله نفسه بوحي أو إرسال حل من السماء يعمل على إجهاضه ، نحن حينها نكون لا زلنا نبحث عن توطين عقد إجتماعي يمنحنا حق المواطنة ، والحياة الكريم ، والحرية ، والسلام الذي لن تحققه إلا ذات الحلول المبعوثة أو المرسلة من السماء ، فهذه الدولة يا جميل قسمت منذ زمن طويل لدويلات على خارطة وضعت بأيدي مستعمر له المعرفة والعلم والذكاء الخارق والكافي في كيف يضع مخزونه الإستراتيجي الإقتصادي بين دول لم يحسن فيها الإنسان إدارة مورده.
وهل تظن بأننا دولة نالت إستقلالها السياسي والإقتصادي في معرفتك الضليعة؟

  • قد لا تظن لأنك خريج جامعة الخرطوم كجامعة فاشلة في إنتاج عقل بشري بقيمة ستيفن هوكينج أو تشارلز بابيج أو مارتن كوبر مخترع الهاتف المحمول.
    كذلك لا يمكنه أن ينسى بتحديثه عن أن العقلية السودانية تعاني من بيولوجية فكرية ، قادتنا لأن نكون أفقر من شجرة تثمر الأشواك أو أفقر من الفقر نفسه إذ لم أكن مبالغا.
    هكذا يختم ممدوح طارق حديثه – كما هو متوقع – قبل أن يذهب معه إلى جلسة تدخين البنقو في صالون منزل الشاب المضحك القرن جكسا الذي سجل نفسه في سجل الموتى الأحياء برصاصة العطال والبؤس والفقر ، ليقول له حينها:
  • يا شاب يا جميل ورح تم غيابك العقلي في صالون قرن جكسا.
    لم يبالي له بكلمة ، لكنه إصطحبه من يده نحو الوجهة التي حددها له ، أو الوجهة التي يخبر تفاصيلها القاتلة جيدا أو ما يسمونها كازبلانكا ، منذ أن تخرج من الجامعة وأصبح بلا عمل أو بلا حياة أو أوكسجين يشعره بأنه موجود في هذه الخارطة من الدولة .. وليس مستغربا أن يكون حماد سيجة جالسا هناك وهو يلتف أو يعد في سيجارة أو سيجارات من البنقو التي يتم إعدادها من ورق الكتابة مع خلط بعضا من نيكوتين سجاير البرنجي مع مادة البنقو ، لتعطي صاحبها أجنحة تجعله محلقا بين رؤية الحياة بجمالها الزائف والمتخيل .. وليس كعادة الشباب الذين يتوسطهم الرجل المسن ممدوح طارق مشاركهم الأنس والسخرية في إنتقاد الحكومة والنخب السياسية في البلاد ، وجدهم برفقة صديقه السكير غير مغيبيا عن الوعي ، بل كانوا يتجاذبون أطراف الحديث عن تفكيرهم الجاد ؛ هذه المرة بالهجرة عبر السمبك إلى أوروبا ، أو هم على أعتاب الخروج من صالون القرن جكسا متوجهين نحو سوق ليبيا لعبور الصحراء المؤدية إلى ليبيا أو إلى رصيف البحر الأبيض المتوسط ، عبر سيارة التاتشر ، التي تحمل أحيانا عشرات الهاربين من جحيم أفريقيا ؛ أي تحديدا من أريتريا أو أثيوبيا أو أفريقيا الأوسطى أو تشاد … في رحلة عنوانها قوارب الموت ، كما يسميها الإعلام بذلك ، ويسميها بعض الغاضبين المقهورين رحلة الهروب من الجحيم ، ليحدثهم حينها ممدوح طارق بعد تحية السلام عن مخاطر الرحلة: بأنها تمثل إنتحار وفناء لعمر عابث إذا صحبتكم سلامة الوصول ، وأنتم ما زالتم في مقتبل العمر والمستقبل أمامكم إذا أحسنتم إدارة الوقت وإدارة أنفسكم ؛ أي يمكنكم أن تذهبوا للزراعة فهناك العديد من الأراضي الزراعية التي هي بإنتظاركم ، ويمكنكم أن تذهبوا إلى الصناعة حتى ، إذا أحسنتم عقولكم ، أو التجارة ، أو تنقيب الذهب ، أو الصيد ، ويمكنكم ، فلا تذهبوا إلى المجهول ، أنا على إمتداد عشرين سنة أقضتيها متنقلا ما بين الهجرة إلى أوروبا والإغتراب إلى الكويت ، لم أجني غير الزل والإهانة ، لا تكرروا تجربة رجل أفنى عمره في اللاشيء ، لأن أوروبا التي تتصور لكم في الخيال كجنة هي ليست أوروبا الحقيقية التي سوف تفترش لكم الورود بين طرقاتها ، إنها خدعة كبيرة إفترضتها العولمة التي تبعث لكم صورها الجميلة المخادعة عبر الهواتف الذكية ، لا تصدقوا هذه الأكاذيب المعزوفة على وتر الأحلام.
    حملق فيه مرزوق لثواني معدوادت وهو يجتذب نفسا عميق من سجارته الحمراء ، ثم قال بهدوء نشأ معه منذ نعومة أظافره: إذ كانت أوروبا جحيما فاليذهبوا إلى ذلك الجحيم إذن ، وإذ كانت نار الآخرة نفسها فاليذهبوا لها.
    ضحك الشباب ضحكات كبيرة ومستفزة لهذا الرجل الذي إعتبروه صانعا للآمال الزائفة ، ثم ألقوا عليه تحيات الوداع وهم يرتسمون إبتسامات ساخرة كسخريتهم المبتذلة بين كل يوم على فشل الحكومة المتكرر ، أو كما يصفونها كمثل غافلة لا تحسن السير أماما ، لكنها تفردت في إبداع السير خلفا.

إبراهيم أحمد الإعيسر

السودان – ولاية الجزيرة – ألتي.

١١/٩/٢٠٢٠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: