الثلاثاء , أكتوبر 27 2020

أ.د.سمير عبدالرحمن الشميري يكتب .. عقليات مريضة ومعقدة

هل يمكن لعقليات مثقوبة ومحشوة بالوهم أن تنير عتمة الظلام ؟ هل يمكن لشخصيات مريضة ومعقدة أن تغرس بذرة أمل في النفوس ؟ هل تستطيع الشخصيات المريضة الغارقة في الضباب و الشك والمصابة بتمزقات روحية أن تعالج علل الفكر والواقع بحفنة هواجس وأفكار متخشبة ؟!
فمعاناة و اضطرابات المرضى تختلف عن معاناة و اضطرابات المبدعين ، فالشخصية المبدعة رهيفة وقلقة وحساسة ولبيبة وتلعق أحزانها لوحدها ، وتمر بسلسلة من الأوجاع والآلام والتوتر العقلي النفسي والوجداني ، فتبدع إبداعاً فاخراً يمس شغاف القلوب .
فعالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت (1798- 1857م ) كان يعاني اضطرابات نفسية وروحية وحاول الانتحار ووصل غير مرة إلى حافة الجنون ، وتواكب مع محنته النفسية إنتاج فكري ثاقب أثرى المخزون الثقافي العالمي .
وعلى الغرار ذاته كان المفكر الألماني ماكس فيبر ( 1864-1920م ) مصاباً بتوعكات عصبية حادة تشله عن الحركة وتعكر صفوة حياته مابين الفينة والأخرى ، وأجبرته حالته النفسية على ترك منصبة الأكاديمي الجامعي ردحاً من الزمن ، وأبدع أعمالاً فكرية شديدة الوهج والجاذبية تصب في مجالات : الضبط الاجتماعي ، الأخلاق والقيم ، والقانون ، والسلطات وأنواعها ، وتنظيم الإدارة .
والفيلسوف شوبنهار (1788-1860م ) كان مصاباً بلوثة العظمة وعقدة الاضطهاد (البارانويا ) والغيرة الحسدية – مثل القاص يوسف إدريس (1927-1991م ) – خلف تراثاً فلسفياً عظيماً وله مساهمات ناصعة لا تخطئها العين .
فمعاناة و اضطرابات المبدعين في شتى حقول الإبداع لصيقة بإبداعاتهم الفكرية والأدبية والفنية والثقافية لأن ( المرض هو السبب الأساسي لكل إندفاعة إبداعية – حسب تعبير الشاعر هيني – وبالإبداع أشفي نفسي من أوجاعي وهمومي) .
أما غير المبدعين والمتوهمين بامتلاك الحقيقة والتفوق المطلق فأنهم يسرفون في استعمال أنانيتهم ويغلقون الأبواب في وجه العقل والتبصر والاستنارة ، فتشوب حياتهم التوهمات والشطحات النرجسية القاتلة ، فالنرجسي ( شخص يفقد القدرة على التعاطف مع الآخرين والإحساس بآلامهم ومشاعرهم ، وهو ذو نمط ثابت يتسم بالتعاظم المبالغ فيه ، والترفع ، والمبالغة في تقدير قيمته أو قيمة ما ينجز ، وهو كثير الانشغال بخيالات النجاح والقوة والألمعية ) ” د. عبد الستار إبراهيم ” .فالإنسان السوي هو الذي لا ينظر إلى الآخرين بعين من الأزورار ويحترم نفسة ويحترم الآخرين ( وقبل أن تكون مثقفا كن محترما، فالإحترام نصف الثقافة ) “يوهان هيردر “.
وعندما يسرف الإنسان في استخدام أنانيته لإرضاء غروره يتحول إلى مخلوق غريب يقدم على تصرفات مقززة وبغيضة ( لا يهمني أن أكون شخصا كاملا ، يكفيني أن أكون شخصا لا ينافق ، ولا يخون ، ولا يجامل، ولا يعرف الناس وقت والحاجة ) ” وليم شكسبير ” .
فالعقلية المريضة مصابة بلوثة التوهمات الحسية والبصرية والسمعية والذهنية ، تنزع للتغطرس الفكري والمعنوي الأجوف ولوك العبارات الجاهزة .
فالذات المعتلة تعاني إعتلالاً فكرياً ونفسياً ، وتعوزها اللياقة والاحتشام والمهارة الاجتماعية والذكاء العاطفي ، فتسعى للإثارة والمماحكات ، وتعيش حالة هلهلة ، فهي غامضة بهواجسها وشبكة مفاهيمها الضبابية في تفكيرها ، تطلق في السماء الهواء الفاسد المشحون بجراثيم السماجة والتبلد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: