الثلاثاء , أكتوبر 20 2020

قصة قصيرة : الضباب / بقلم الكاتب رضا عفيفي السيد

قصة قصيرة

الضباب

نافذة الغربة مهما كانت لامعة ومبهرة المناظر .. تظل نافذة حجرتي في منزلنا البسيط بإحدى القرى النائية.. جلسات الصيف وهوائها العليل ونحن مجتمعين حول بعض ثمار المشمش من شجرتنا الوارفة ..وشوارعنا الدافئة في الشتاء،
لها وقع ساحر على روحي المتعطشة لأية مشاعر حقيقة لا زائفة مادية ..
لا شيء يضاهي الحوار والجدل الذي دار بيني وبين أبي سنوات . وكان هو منقطعا عن أي شىء يخص المتغيرات الإنسانية.. يتهمني دائما بأنني منعزل لا أهتم بغير نفسي ولا أقتنع إلا بما قرأت وعرفت من الكتب،والمقالات ،القصص.. التحليل المنطقي للتاريخ. .

كل هذه الأشياء بالنسبة له ارتكبت جريمة عدم اقتناعي بالآراء والأفكار التي امتزج بها عقله ورسمت خارطة سنوات عمره.
ورغم خيبة أمله،التي حاول كثيرا إنكارها عقب تسريحه من العمل كان يدخل غرفته وحيدا لساعات ..ويوما سمعته يردد
.. خمسة ألاف جنية حصيلة شقاء أربعون عاما في خدمة النظام.. لا تكفي . لا تكفي . بناء مستقبل لأي أحد من أولادي
سأكتب الآن رسالة إلى الزعيم.. كثيرا كان يخطب أن بابه مفتوح للجميع، ولكنه بكل تأكيد زعيمنا لديه ما هو أكبر من مكافأة نهاية الخدمة . أو مستقبل أولادي . هذه فكرة نابعة من غضب لا يجب الانسياق خلفها
ثم يردد مرة أخرى وقد انحنى متقوسا:
.. خمسة ألاف جنيه لا تكفي على الإطلاق!
للأسف التهمت هذه الأفكار الزمن بين ميلاده وموته
العجيب أنه لم يدخر جهدًا كلما دار بيننا حديث أن يتلاعب بكل ما علمت جاهدًا كي أتعلمه.. وأن يقنعني بوضع السور الحديدي الخاص بي ..قبل أن يتسبب الصدأ في انهياره تماما.. كما هو حال جميع سكان مدينتنا

فكل من أعرفهم- كما هو حال أبي- تراهم يسيرون وهم يضعون أمام عمق ذواتهم قضبانًا لها صفات خاصة.. قضبانا تحدد ما يدور في عقولهم وتنطق به مخاوفهم .

من أجل هذا كان كل حوار مع أبي ينتهي إلى شجار ويعلو صوته كأنه يخطب بين جدران مقر الحزب الأوحد عن ثوابت لا وجود لها غير داخل عقول مستنسخة . تتحرك . تتحدث . بلسان مبرمج.
لكن ذات يوم طرحت سؤالًا على نفسي:
ربما كان أبي على حق وأنا من لا يعير الآخرين أي اهتمام..
وقد ورد سؤالي لنفسي عندما هاجمني أحد أعز أصدقائي وجار لي تخرج هو من الهندسة وأنا من الحقوق
عندما حاولت إقناعه بعدم صدق كل ما يتم بثه عبر الفضائيات والجرائد وغيرها .
كان هجوم صديقي وجاري عنيفًا وحادًا وصل حد الشتم بألفاظ سوقية.
.. هاء،هاء،هااااء،.. اذهب إلى الجحيم أنت وما تؤمن به ،وما تقول مجرد فحيح ثعبان . إنك أعمى لا ترى ما نمر به من تقدم .
كان الرد من جانبي حادا مغلفا بعدم التجاوز والحفاظ على ما كان بيننا يوم
.. الحقائق لا تحتاج إلى إيضاح تحتاج إلى عقل لديه قدرة البحث والتقصي لا يدمن كؤوس خمرة الخنوع
هكذا سألت نفسي لماذا لا أفكر مثل أبي ومن حولي يرددون كالببغاوات..؟
هل أنا الوحيد الذي يرى القضبان الحديدية تحاصر داخل كل من أعرفه..؟
وتذكرت كم مرة حدث بيني وبين أبي خلاف.
مرة أجعله يصرخ وأخرى بنظرات العيون الغاضبة بيننا من طلبه مني شراء السجائر له والتي يدمن تدخينها.
كنت خائفًا على صحته وكان يراني عاصيًا أجهر بمخالفة قناعاته وهو يخاطب أمي الحائرة دائمًا بيننا:
.. انظري كيف يرمقني ابن الكلب بنظراته..
ثم يوجه حديثه إلي بذات الكلمات عبر سنوات كثيرة ونفس النظرة ج
وعيناه تمتلئان بتعابير الخشية والقلق.
.. عندما أطلب منك شراء السجائر من نتاج عملك افعل بي ما تشاء .. أتظن أنني جاهل أنا أعرف أشياء أكثر منك .
ودائمًا كان يتقدم نحوي في الصغر ويصفعني وعندما تقدمت في العمر كان يكتفي بنظرة حادة كارهة كأني عدوه اللدود الذي يريد أن يحرمه من الأمر الوحيد القادر على اتخاذ قرار حر فيه دون حساب للعواقب وهو التدخين . ينفث من خلاله مخاوفه على نفسه وعلينا .. هكذا فهمت انفعالاته مؤخرًا.
مرت السنوات .. وبعدت المسافات بيننا ..ظل أبي على حالة الرفض رغم ظهور كثير من الأدلة والبراهين بصدق وواقعية الآراء التي كنت أنادي بها ، دأب على قوله أنني ذو عقلية مزعجة متسلطة الرأي .
والأغرب هو استمرار من يقيمون في قريتنا يسيرون وكل منهم يحمل قضبانه الخاصة والتي أصبحت تحاصر الانفاس
والحديث مع أبي يزداد صعوبة مع تقدم أكثر في العمر.
وآخر مرة كالعادة أغلق الهاتف غاضبًا
وتساءلت :
.. كيف أصبح الإنسان في بلادي مسلوب الهوية ومتى تكون له؟

#كتب
#رضا_عفيفي_السيد
#الشارقة
25/12/2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: