السبت , أكتوبر 24 2020

ملحمة “جلجامش” : ما بين الحقائق التاريخية والخرافة والأسطورة ، والصراع من أجل البقاء !!! / بقلم الشاعرة تغريد بو مرعي

ملحمة “جلجامش” : ما بين الحقائق التاريخية والخرافة والأسطورة ، والصراع من أجل البقاء !!!

ما بين الأسطورة و الخرافة فوارق هامة فالأسطورة تلتزم بمكان وزمان وبقوانين المرحلة الزمنية التي تتحدث عنها، لذلك تعد الأسطورة وثيقة تاريخية وعادة ما تكون الشخصيات فيها حقيقية تقوم على حقيقة ما، وهذه الحقيقة قد تكون تاريخية أو علمية أو اجتماعية أو دينية أو غيرها :فهي التاريخ لأنها تحكى قصة كائنات علوية مقدسة واحداث تاريخية وقعت بالفعل ،كما أنها المعرفة لأنها تخبر بأصل الموجودات بدءا من الكون إلى التأمل والتفكير ، وهي الأخلاق إذ هي تقدم من خلال التاريخ والدين والمعرفة مثلا أعلى للتصرف والسلوك يتم إحياؤه وإخراجه إلى حيز الوجود من خلال حفظ الأسطورة قولا وفعلا .

فالأسطورة إذن قصة حقيقية عند بداية ظهورها ثم تضاف إليها بعض التفاصيل فتبدو بعد ذلك خيالية في نظر الأجيال التالية لذلك كانت الخرافة قصة افتراضية لا نجد سوى اختلاف واحد بينها وبين الاسطورة ألا وهو (الحقائق التاريخية)، يعرف فيكتور هوجو الملحمة بقوله :(هي التاريخ ينشد على باب الأسطورة) .

فمصطلح: “ملحمة” يعبر عن أعمال عسكرية كبرى ويعبر أيضا عن الأدب الذي يضم هذا النوع الأدبي. حيث تحتفي الملحمة وتخلد أعمال البطل وتجعل منه أسطورة، قد تحتوي الملحمة على أساطير ، وقد تدخل الأسطورة في نسيج الملحمة ولكن لا تتداخل الملحمة مع الأسطورة فالفرق الجوهري بينهما هو أن أبطال الأسطورة من الآلهة أما أبطال الملحمة فهم من البشر.

إذن الملحمة هي قصة شعرية طويلة او حكاية بطولية مليئة بالأحداث غالباً ما تقص حكايات شعب من الشعوب في بداية تاريخه تصل أحيانا لدرجة ان تكون نموذج يُحتذى به، وكذلك جعل البطل نفسه النموذج الفرد الذى يمكن لأية شخصية فى الجماعة أن تتشكل وفقه وتسير على منواله، ليغدو المجتمع فريقاً من الأحرار، والبطل بتطوره الشخصي من الفردية الفوضوية إلى الجماعية المنظمة إنما يحدد المسار الذى يجب أتباعه من اجل حرية الفرد في مسيرته الانسانية والاجتماعية والعقائدية ، ومن أجل الوصول الى المعرفة ( معرفة الذات ومعرفة الكون ومعرفة الإله ) .

بالرغم من اتخاذ مواضيع الملحمة من التاريخ، إلا أن العلاقة بين الحقاىق التاريخية والملحمة تبقى متغيرة بشكل كبير لدرجة ان القصيدة الملحمية تتضمن احيانا بعدا ساخرا فينتقل من التاريخ الى الأسطورة ومن الأسطورة الى التاريخ بطريقة يظهر فيها البطل بشكل مبالغ فيه فيظهره في صورة مثالية .
قال هيغل الذي تكلم عن “إنجيل الشعب” أن الملحمة تملك بعداٌ تأسيسياٌ قوياٌ وتحكي “حلقة متصلة بالعالم الكامل لبلد أو لفترة من الزمن “فتكون” الأسس الحقيقية للوعي”.

ملحمة جلجامش والتي صنفت على انها ملحمة سومرية مكتوبة باللغة الأكادية ويحمل في نهايتها توقيعا لشخص اسمه شين ئيقي ئونيني، تعد ثاني اقدم النصوص المتبقية من تلك الفترة بعد نصوص الأهرام الدينية، فوفقا لعالم الكتاب المقدس وعالم الآشوريات ألكسندر هايدل، إن تأثير الملحمة في الكتاب المقدس معترف بهِ ومقبول أكاديميًا، والعديد من المواضيع وعناصر الحبكة والشخصيات في الملحمة لها نظائر في الكتاب المقدس العبري— ولا سيما مواضيع جنات عدن، النصيحة في سفر الجامعة، الطوفان في سفر التكوين.
إن هذا التصنيف لهذا النوع الأدبي ( ملحمة) لم يكن الا بسبب الأبعاد التأسيسية وأهميتها الكبرى في ثقافة شعب اوروك وارتباط الأحداث بالحقائق التاريخية ..

فبطل هذه الملحمة، يختلف عن أبطال الملاحم الأغريقية، فهو ليس شخص خيالي بل كان وجوده حقيقي في التاريخ ، إذ تشير سجلات السلالات الحاكمة لممالك ما بين النهرين، إلى أن جلجامش حكم أوروك حوالي عام 2700 قبل الميلاد،فهو من سلالة الوركاء الأولى، وهي السلالة الثانية التي حكمت من بعد الطوفان، وكانت سلالة “كيش” أول سلالة حكمت بعد حادثة الطوفان مباشرة، ويأتي ترتيب حكمه في سلالة الوركاء الأولى خامس ملك وقد حكم 126 عاماً, وفقاً لـ”إثبات الملوك”، وبقي صيته ذائعا حتى بعد وفاته كبطل شجاع وفارس لا يهاب، وكذلك كمشيد للأعمال الهندسية، أما أوروك فقد كانت من أشهر مدن ما بين النهرين، وقد عثر على بعض آثارها بالقرب من بلدة الوركاء جنوب العراق بين البصرة وبغداد.

الملحمة بالرغم من أنها مؤلفة من عدة أجزاء مختلفة المواضيع ،لكنها تعتبر وحدة متكاملة من حيث السرد القصصي خاصة النسخة الآشورية وهي من خزانة الملك آشور بانيبال ، وتعتبر الأجزاء المهمة القصص الدائرة حول بطولات جلجامش ومغامراته مع صديقه أنكيدو ، وقصة الطوفان وأيضا قصة وصف العالم السفلي او عالم الأرواح كما شاهده أنكيدو .
“جلجامش” ملك أوروك كان ملكا جائرا ، متباهيا بقوته وجبروته، مارس لهوه وعبثه فاتكاً برجالها وشبابها، مغتصباً فتياتها، فهو الملك المفوض من الإله “انليل” بالحكم، فاستنجد أهل اوروك بالآلهة من اجل قمعه ، فخلقت الآلهة ندا له وهو أنكيدو فتصارعا وكانت الغلبة لجلجامش الذي تركه يمضي في سبيله، غير أن “انكيدو” ناداه بكلمات وقعت في نفسه حسناً، وكانت بداية صداقة دائمة بين الطرفين، أدرك خلالها جلجامش أن الحرية الفردية لا معنى لها إن لم تتعاون مع حريات أولئك الآخرين وتتحدد من خلالها، ومع تلاشي أحلام الحرية المطلقة أتى التفكير في مسألة الحياة والموت والخلود .

إن صراع “جلجامش” مع الآلهة “عشتار”, هو صراع بين الديانة الأمومية الأنثوية القديمة وبين الجندرية الذكرية او السلطة الشمسية الذكرية ، فثورته على الطقوس وما فعله بالثور المقدس السحري, تمثل انهياراً للثقافات الأمومية وصعود الثقافات الذكرية، فغلبت الشمس القمر، فهو الذي يبني ويأمر ويشيد وهو الذي يتغلب على الطبيعة ولا يستسلم للآلهة ،
فينتصر على “عشتار” وثور السماء بمساعدة صديقه أنكيدو الذي كان خلق شخصيته واتصاله الشهوي المعرفي قد حدث من خلال سلطة الألوهة الأنثوية، تلك السلطة التي استطاعت أن تجد لها نصيراً في صراعها مع السلطة الشمسية الذكرية الممثل لها بالملك “جلجامش” ليتغير مسار الصراع بين “أنكيدو” و “جلجامش” بعد ذلك ويتحول إلى علامة شمسية بعد نمو الصداقة بينهما، أن ثورة “جلجامش” على الطقوس وما فعله بالثور المقدس السحري, تمثل انهياراً للثقافات الأمومية وصعود الثقافات الذكرية، غلبت الشمس القمر،
ليفجع بعد ذلك بنهاية مأساوية لـصديقه ”انكيدو” الذي تقرر باجتماع الآلهة هيمن عليه الإله “انليل” بإنزال العقوبة عليه واغتياله، فتنهار عوالم” جلجامش” ليبدأ رحلته في البحث عن معنى الحياة والخلود، وفي كل مرحلة من مراحل رحلته كان يكتسب معرفة وحكمة، فهل موت صديقه هو السبب الرئيسي لقيامه بمغامرات البحث عن سر الخلود ومحاولة هزيمة الموت، ام ان هذه الرغبة كانت كامنة في نفس البطل الأسطوري الذي كان ثلثاه من الآلهة وثلثه الآخر من البشر !؟ وهل خلقه على هذه الصورة القوية المقدامة وتوسده سدة الحكم جعله يرفض الموت الذي يدفنه في الأرض!؟ أ
وفي الواقع أن الجشع الذي جبل عليه الانسان هو الذي يدفعه الى التشبث بالحياة ومحاولة إبعاد شبح الموت عن مصيره ، الذي لن يفلت منه لا محالة ، من هنا نجد جلجامش يسعى لامتلاك سر الخلود ولعل الدافع الاقوى كان رؤيته صديقه أنكيدو وهو ينازع ويلفظ انفاسه الاخيرة دون ان يستطيع دفع المرض والألم عنه، فكانت صدمة له وما أتبعه من ألم الفراق فقرر البحث عن عشبة الحياة وهو يقول :

إذا ما مت ألا يكون مصيري مثل أنكيدو ؟

ملك الحزن والأسى روحي

وهل أنا أهيم في القفار والبراري

خائفا من الموت

إن فكرة الخوف من الموت ورفض الموت قد لازمت الانسان منذ بدء الخليقة، وما بناء الهياكل الضخمة والاهرامات الشاهقة والتماثيل العملاقة سوى محاولة لإبقاء الانسان حيا او مستعداً لقيامه مرة أخرى في هذه الحياة ، لكن “جلجامش” بعدما سرقت منه عشبة الحياة تيقن أن الأمل في الخلود قد تبدد، وأن الموت قدر مقدور على بني الانسان، وعليه الا يتطلع الى محاكاة خلود الآلهة الذين لا يموتون ابدا ، ليعود بعدها الى مدينته كبشر يخضع لقانون الحياة والموت.

وللحديث بقية، في مقال قادم بإذن الله .

*****

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: