السبت , أكتوبر 24 2020

صلاح الأغبري يكتب :إطلالةٌ عَلَى التَّاريخِ؛ وَمَسارٌ يُصافحُ النُّجومَ

مِنْ مَفرقِ حَيْفان وَلَجْنا إِلَى دَوحَةِ التَّاريخِ، نُزِيحُ الخُطَا عَلى سَيَّارتِنا رُويدًا رُويدًا بِبُطْءٍ مُسْتَقْرِئٍ يُرافِقُنا هَسِيسُ السَّنابلِ عَلى جُنُبَاتِ الطَّريقِ المُتَوسطةِ وادٍ صغيرٍ مُسْنودٍ بِسلسلةٍ جَبَليَّةٍ، وَ المُمتدَّةِ ـ تدريجًا ـ مِنَ القاعِ إِلَى القمَّةِ، كَانتِ السَّنابلُ فِي مَرحلةِ (الجَهِيشِ) كما نُسَمِّيها فِي لَهْجَتِني المَحلِّيةِ وَ هي مَرحلةُ النَّضجِ قَبْلَ الحصادِ…
إِنَّ الغريبَ الآتي لهذهِ المنطقةِ لا يسعهُ إِلَّا أَنْ يمشي بِبُطْءٍ ـ رَغْمَ الطَّريقِ المُسَفْلتَةِ بإتقانٍ مُحكمٍ ـ وَ عَيْناهُ تُصَافِحُ القُرَى المُنثورَةَ عَلى السِّلسلةِ الجبليَّةِ كالدُّرِّ المنظُومِ، لِيُبْطِءَ المشي أكثرَ فَأكثرَ ـ كُلِّما تَوغَّلَ فِي سلسلةِ الجِبالِ ـ إجلالًا لِتاريخِ هذهِ المنطقةِ المُرصَّعِ بالنُّجومِ المُمتدَّةِ مِنَ قَاعِ الجبلِ إِلَى جَبينِ الشَّمسِ…
قَالَ دَليلُنا عَمِّي حَمود سعيد:
ــ هذا مَفرقُ الأعروقِ.
مَشينا قُدُمًا تَكسونَا عَظمةُ التَّاريخِ وَ بَهاءُ الْمكانِ إِذْ تَستقْبِلُكَ قريةُ (الشَّوافي) كحارسٍ أمينٍ عَلى المَدخلِ الَّتِي سَتعبرُ مِنْهُ إِلَى ذروةِ المجدِ، وَ مِنْ ثَمَّ لَاحَتْ لَنا (عُرارُ) بيوتًا يَحْتضِنُها الجَبلُ بِدفْءِ الحانِي؛ لأنَّها مِنْ ضِلعهِ نَمتْ وَ شَبَّ طَوقُها مَعَ فَجرِ النِّضالِ الأوَّلِ، فَردَّدْتُ فِي سِرِّي مَقُولةَ الأستاذ/خالد الرويشان: ” الأعروقُ عروقُ الذَّهبِ” أمَّا أنا فقد أضفتُ لعبارةِ وزير الثقافة الأسبق، الأعروقُ عروقُ الذَّهبِ، والأصالة والفنِّ والنِّضالِ المُشرقِ، كُنتُ حِينها أتذكَّرُ سُؤالَ الرئيس الحمدي للأُستاذ النُّعمان زعيم الأحرار رحمهما الله، مَنْ كَانَ لهُ الدُّورُ الأكبرُ فِي حركةِ الأحرارِ وَ لمْ يُذكرْ؟ فردَّ النُّعمانُ قائلًا:
ــ لو أن الزبيري حيًّا وَ وجَّهتَ السُّؤالَ لَنا الأثنينِ لَقُلنا بصوتٍ واحدٍ: أحمد عبده ناشر العريقي. منطقةٌ عظيمةٌ بعظمةِ رجالها ونضالهم المُمتدِّ، أَعادني الدَّليلُ إِلَى الوعي بعد الشُّرودِ قَائلًا:
ــ وَ هذهِ بِلادُ (الحِروي) التفتْنا إِليها؛ بيوتًا مُتلأْلِئةً جَميلةً مُؤنَّقةً تُسبِّحُ اللهَ بينَ الهِضابِ المُلتفَّةِ حولها فقُلتُ: يَا لَجَمالِها! إِنَّها قَريةُ مَنْ عَلَّمَ النَّاسَ الأنَاقةِ فِي زمنِ العراءِ وَ (المَلاحِفِ)
وَ أنتَ تَعبُرُ هذهِ المنطقةَ مِنَ القاعِ إِلَى القمَّةِ لن تجِدَ قُبَّةً وَ لا ضَريحًا لِكَاهِنٍ يتَمَسَّحُ النَّاسُ حَولهُ وَ يطلبونَ مِنْ رُفَاتِهِ أَنْ يصنعَ لهمْ مَا لَا يَقْدرُ عَلى صُنْعِهِ (المسيحُ عليه السَّلام) هُنا فِي مَنطقةِ حَيْفان لَن تجِدَ أيضًا درويشًا يبيعُ التَّمائمَ والرُّقى، حتَّى مُتصوِّفو هذهِ المنطقةِ قد فَهِموا الحياةَ بِناءً وَ عملًا وَ إعمارًا، هُنا في حَيْفان ستستمعُ للفنِّ والجمالِ وَ الحياةِ ستستمعُ للخُلودِ يرنِّمُكَ في مُنحنياتِ الجبلِ، أُمَّةٌ ركلَتِ الخُرافةَ منذُ الوهلةِ الأولى؛ “فأضحتْ قُرآنًا يَمْشِي عَلى الأرضِ”
لَن أَتحدَّثَ عن تُجَّارِ مَنطقةِ حَيْفان وَ رِجالِ أعمالها وخيِّرِيها فبُطونُ الجياعِ وَ المُحتاجينَ أكثرُ معرفةً بهمْ مِنْ كُلِّ العارفين.
هُنا سَتُقابلُ آلافَ المُناضلينَ شُعراءَ و أُدباءَ وفنَّانينَ، أساتذةً وقادةً ورِجالَ تُنويرٍ تغَافلَ عن ذِكرِهم دُعاةُ التَّنويرِ، هُنا فِي حَيْفان سَتُقابلُ سُفراءَ وَ وزَراءَ ودُبلماسيينَ وَ أكاديميينَ دكاترةً و أخِصَّائِيين مُدراءَ وعُمداءَ الجامِعاتِ، مُهندسينَ و مُهندسي النِّفطِ، وَ رُوَّادَ الصِّحافةِ والإعلامِ، وَ مُخترعينَ وَ رُؤساءَ، وَ قُضاةً مُشرِّعينَ، وَ مُؤسسي أوَّلَ حِزبٍ سياسيٍّ بعدَ ثورةِ النِّضالِ السبتمبرية الخالدةِ الَّتِي حَيَّكُوها مِنْ خِيوطِ الشَّمسِ.
هُنا سيُقَدِّمُ لكَ ـ(محمدُ الزغير العريقي) صَانعُ الأعوادِ والعُطورِ ـ عِلاجًا حسبَ وصفةِ المُتصوِّفِ العَلمِ أبي حامد الغزالي: “مَنْ لَمْ يَهُزُّهُ الرَّبيعُ بأزْهارِهِ، وَ العودُ بأوتَارِهِ؛ فَهُوَ فَاسِدُ المزاجِ وَ ليسَ عِلاج” لِيقولَ لكَ: تَداوا بالفنِّ والجمالِ والذَّوقِ الحَسنِ؛ وَ لا تَحملوا حِقْدًا عَلَى هذهِ المنطقةِ الَّتِي عَلمتكمُ الحَياةَ وَ الحُرِّيَّةَ…
وَ مِنَ (الرَّاهِدةِ) إِلَى (مَصنعةِ الأغبري) تُرافِقُكَ قَصيدةٌ غِنائيَّةٌ عَذبةُ المذاقِ فَريدةُ النَّكهةِ ـ لِشاعرِنا القديرِ (عبدالمجيد محمد مقبل الأغبري) تَفنَّنَ فيها وأبدعَ وصفًا وَ جمَالًا، خَلَّدتها حُنْجُرَةُ الذَّهَبِ لفنانِ الأرضِ وَ الإنسانِ (أيوب طارش العبسي):
ــ طَلَّ القمرْ وَ اشْرقْ بِنورِ وضَّاحْ
عَلَى الْمَدَارَهْ وَ الْقُبَاعَه وَ الْجَاحْ
لَوْ كَانَ لِي بَيْنَ الضُّلُوْعِ أَجْنَـاحْ
لَا طِـيْـرَ لَكْ وَ يَا قَـمَــرْ بِحَـيْفَانْ…

هَذِهِ مُقدِّمَةُ القصيدةِ وَ هي مِنَ الشِّعرِ النَّبطي الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَى التَّسْكينِ حسبَ مَا يَقتضيهِ الْجَرسُ المُوسِيقيُّ، وَ نُسَمِّيه نَحْنُ بالشِّعرِ الحُميني أو الغِنائي…
يُرنِّمُكَ الشِّاعرُ بِطربيَّةِ آسرةٍ وَ هو يُحوِّلُ المناطقَ إِلَى مَقاطعِ صوتيَّةٍ وَ يَصُبُّها فِي قالبٍ إنسانيٍّ يُذْهِلُ المُتأمِّلِ، فيُعيدُكَ إِلَى البدايةِ بَيْنَما أنت فِي (نقيل الزُّرْبي) أو قريةِ رأس النقيلِ على وجهِ التحديدِ ثُمَّ يَتنقَّلُ بِكَ صُعودًا حَتَّى (المصنَعةِ) لِيُؤكِّدَ لكَ حضورَ المنطقةِ وعراقتها عبرَ الأزمنةِ قائلًا:
ــ يَا رَهِدهْ يَا زُرْبِي يَا مَـــدَارَهْ
يَا مُلْتَقَى الْأَمْوَالِ وَ التِّجَارهْ…
إِلَى نهايةِ القصيدةِ…
وَ لا يسعُكَ إلَّا أَنْ تَفْردَ حَمولَكَ وَ سط سوقِ حَيْفان كما قَال لك الشَّاعرُ، إِذْ كَانَتْ حَيْفانُ واحدةٌ مِنْ أَهمِّ المراكز الاقتصاديَّةِ والتِّجاريَّةِ الرابطةِ بَيْنَ الشَّمالِ والجنوبِ، تَمُرُّ القوافِلُ عبرَ جُمرُكَها غُدوًّا وَ رواحًا، فكَانتْ بِمثابةِ العاصمةِ الإداريِّةِ للمديريَّةِ كَكُل، مِمَّا أكسبها ألقًا وَ تفرُّدًا فرتبطتْ بـ(عدن) كمركزٍ تجاريٍّ وَ اقتصاديٍّ هَامٍّ وَ انطلقتْ مِنْ خِلالِها إِلَى العالمِ الخارجي؛ فَاتِحةً لأبْنَائِها آفاقَ النُّورِ وَ المعرفةَ…
هُنا حَيْفانُ المركزُ حيثُ القاضي المناضلُ (عبدالله عبدالإله الأغبري) وَالدُ السفير والهامة الوطنية (أحمد) وَ رفيقُ (النُّعمان) فِي سجن نافعٍ (بحجة) سيحدِّثُكَ طويلًا عَنِ الثُّورةِ الخالدةِ وَ فَجْرِ النِّضالِ، فقد أسسَ هو وشقيقه (عبدالقادر عبدالإله) أوَّلَ مدرسةٍ نموذجيةٍ في الشَّمال، وَكانَ مِنْ طُلَّابهِ الشيخ المُناضلُ( جازم محمد الحروي) إذْ كانتْ هذهِ المدرسةُ فاتحةَ النُّورِ والأمل بالخلاصِ مِنْ قيدِ الظَّلامِ والجهلِ والتَّخلُّفِ…
فِي هذهِ المنطقةِ العتيقةِ سَتَجدُ أَحياءَها الضَّيِّقةَ مُكتظَّةً بالأصالةِ وَ روحِ الانتماءِ وَ آلافَ النُّجومِ تُشِعُّ مِنْ شُرُفاتِ المجدِ وَ تُصافِحُكَ بوقارِ الأنبياءِ، ستجدُ شيخَ الصِّحفيينَ أو ديك الجنِّ اليماني (صالح الدَّحان) يتقدَّمُ الجُموعَ ليُطلِعَكَ عَلَى متحفِ الخُلودِ؛ بَيْنَما يَقفَ والدهُ المناضلُ الأكبرُ عَلَى مِنْسأَتِهِ بِهَيبتِهِ المعهُودةِ لَمْ يوهنْهُ سِجنُ نافعٍ إِذْ كَانَ أحدَ الدُّستوريين الأحرار و رجِالَ الجمعية اليمنيةِ الكبرى إِنَّهُ (عبده عبدالله الدَّحان) سيُحدِّثكَ على عُجالةٍ بَيْنَ الزِّحامِ عَنْ (نادي الاتِّحادِ الأغبري) وَ مُؤسسيهِ الأوائل وَ دورهِ في التَّنوير والنِّضال الفكري، إِذْ تأسسَ هذا النَّادي في 1937م فكَانَ لهُ بالغُ الأثرِ على أبناءِ حَيْفان فقدِ استطاعَ اعانةَ الدَّارسينَ والمُحتاجينَ فواصلَ نشاطهُ بكلِّ عزيمةٍ وَ تَحدٍّ إِلَىٰ أَنْ وصلَ بِهِ الرُّقيُّ لمرحلةِ ابتعاثِ الطُّلابِ إِلَى دولِ العالمِ فِي حِينَ كانتْ مملكةُ الشَّمالِ المُتوكليةِ بالكادِ تبْتعِثُ النَّفرَ والنَّفرينِ حسب احتياجاتِها، وَ حِينَ كانتْ كُلُّ مناطقِ الشَّمالِ خاضعةً لمملكةِ السُّلِ والجربِ وَ بِعُبوديَّةٍ مُطْلقةٍ كَانَ رِجالُ حَيْفان يَفْتحونَ لأبنائهم آفاقَ النُّورِ والمعرفةَ؛ وَ الأُمَّهاتُ يُرضعنَ أولادهُنَّ حليبَ الشَّمسِ وَ نقاءَ الحُرِّيَّةِ،
وَ مِنْ هُنا سأضعُ تاريخَ هذهِ المنطقةِ العظيمةِ كتحدٍّ لِمَنْ يُغلقونَ أعينهمْ عَنْ نضالِ و عظمةِ هذهِ المنطقةِ أو مَنْ يُقارِنُ تنوُّرَ فردٍ فِي مكانٍ ما بتنوُّرِ أُمَّةٍ بِأسرِها…

قُلْتُ: وَ مِنْ هذهِ الجِبالِ انطلقَ الجبلُ العظيمُ وَ الداعيةُ العالِمُ المُجاهدُ (عمر أحمد سيف الأغبري) حامِلًا رايةَ التَّوحيدِ يجوبُ بها أسقاعَ الأرضِ، لا يَخافُ في الله لومَةَ لَائمٍ، تَمَّ تعيِّنهُ خطيبًا للجامعِ الكبيرِ فِي (صنعاءَ) بعدَ الثَّورةِ، وذات يومٍ طُلبَ مِنْهُ أَنْ يَدعو للرئيس السلال عَقبَ كُلِّ جمعةٍ فاعتبرها رجعيَّةً وَ تقليدًا للإمامةِ لبائدةِ ثُمَّ تركَ الخطابةَ والجامعَ على إثرِ ذلكَ…
وقفَ في وجهِ الرَّئيس الإرياني صارخًا مُستكنرًا فِي حادثة اغتيال محمد علي عُثمان، مُعتبرًا الإرياني مَظلةً للمجرمينَ فتَمَّ اعتقالهُ مِنْ قِبَل الإرياني وَ إيداعهُ السِّجنَ حتَّى خرجَ في زمنِ الرَّئيس الحميدي، ثُمَّ اختلفَ معَ الحمدي، إِلَى أَنْ ترأسَ علي عبدالله صالح، ليستَميلهُ إِلَى صفِّهِ وحزبهِ؛ ولكن هَيهَاتَ للشَّيخِ أَنْ يُساوِمَ فِي مبدئهِ وعقيدتِهِ، فقد كَانَ ناصِحًا أَمينًا وَ داعيَةً غيورًا على أُمَّتِهِ وَ وطنِهِ وَ قدْ وقفَ مِنَ الرَّئيس صالحٍ موقفَ النِّدِ يومَ أَنْ غَزتِ العراقُ الكويتَ؛ وَ كانَ أكثرَ نِدِّيَّةً فِي حربِ 94م وَ هُنا كلَامٌ يَطولُ استِقْصاؤهُ ثُمَّ مَا لبِثَ أَنِ اعْتَزلَ الجميعَ ـ بعدَ ذلكَ ـ
بمَقُولتهِ الشَّهيرةِ السَّاخِرةِ: “دَخَلْتُ لِإصْلَاحِهمْ؛ فَأَفْسَدُوْنِي”

وَ نَحْنُ نَشُقُّ الزِّحامَ بَيْنَ النُّجومِ إِذْ يَحُفُّنا الرَّهْبُ لِمُقابلةِ الرَّئيس، استوقَفنا الصِّحفي والكاتبُ البارعُ (علي محمد عبده الأغبري) صاحبُ المؤلَّفاتِ الثَّريَّةِ، ثُمَّ بدَأَ يقرأُ لنا مِنْ كتابهِ (حكايات وأساطير يمنية) وَ بالكادِ انْفككنا مِنْ حِكايةِ “الجرجوفِ” الآسرةِ خِشيةَ أَنْ يُداهِمنا الغروبِ قَبْلَ اكمالِ المسيرِ، مَرَقْنَا بالسَّيارةِ مِنْ بَيْنَ الزِّحامِ لِنلتقِي بالرَّئيس (عبدالفتاح اسماعيل)
يعرفُ الجميعُ عبدالفتاح اسماعيل السياسي المُحنَّكِ، وَ القائدَ المُلهمَ الَّذي بلغَ حدَّ الأسطوريةِ؛ وَ لكنَّ النَّزْرَ القليلَ الَّذِينَ يعرفونَ عبدالفتاح اسماعيل الْقِيْلَ وَ الأديبَ والشَّاعرَ المُفكرَ وَ المتصوِّفَ، الَّذِي عاشَ للأُمَّةِ نِضالًا وَ فِكرًا، هُنا قَابَلنا فتَّاحُ الإنسان بابْتِسامتِهِ الودُوْعَةِ وَ حدسهِ المُستكنِهِ “للماورائيَّاتِ” فَدارَ بِنا فِي فَلكِهِ الزَّاخرِ بالعطاءِ المُتوقِّدِ بالبُطولةِ والنِّضالِ و المجدِّ، وَ مِنْ ثَمَّ قرأَ لنا مِنْ ديوانِهِ “نجمةٌ تقودُ البحرَ” قصيدةً ملحميَّةً كما هو جَليٌّ مِنْ عِنوانِها، فالعنوانُ دومًا يُعتبرُ لبِنةَ الأساسِ لأيِّ عملٍ أدبيٍّ هكذا عنونها “الكِتابةُ بالسَّيفِ؛ حديثٌ مُعاصرٌ لعمرو بن معد كرب الزبيدي” إِنَّ الاستدعاءَ التَّاريخي لشخصيةِ هذا القِيلِ العظيمِ، و الفارس الثَّائرِ والمُتمرِّدِ على فسادِ و هيمنةِ الارسطقراطية الإقطاعية للسلطةِ القُرشيةِ: هو استدعاءٌ للهويَّةِ اليمنيَّةِ والتعبيرُ عَنِ الحاضرِ مِنْ خِلالِها
وَ إِعادةِ قراءةِ الماضي بِها عبرَ الإحالةِ النَّصيِّةِ الَّتِي سيتولَّى فيها عمرو نفسهُ دحضَ الشُّكوكِ والأكاذيب الَّتِي لحقتْ بهِ وبالثَّورةِ اليمنيَّةِ الَّتِي سمَّاهَا الرُّواةُ بالارتدادِ عَنِ الإسلامِ…
يقولُ فِي المقطع الأول مِنَ القصيدةِ
استئْذان :
كاهْتِزازِ سَعْفِ النَّخيلِ
فِي اضْطرامِ العواصفْ..
سَبَحَتْ.. بَيارِقُ سَيفِ اليمانِيينَ
بركانَ رعدٍ؛ فتائلُهُ أُشعِلتْ
جذوةَ القهرِ والغيظِ.
فَأَطلَّ عليكم :
بوجهٍ ودودٍ؛ بَـراهُ عذابُ
صراعِ الزمانِ؛ طولاً وَعرْضًا
..هذى المرايَا
الَّتِي أَثخَنَتها الجراحُ
ضرِيبةُ أحلامِ؛ راياتِنا الحُمْرِ
باقاتِ أشواقِنا البيضِ
واخضرارُ الأماني.. شواطئ آفاقِنا.

ثُمَّ يقومُ بعرض شمَّاعةَ الاتهامِ النَّاعمةِ الَّتِي يرفعُها مُحاربو هذا النُّوعِ مِنْ الثَّائرينَ يقولُ:
ــ لِذَا قَالوا: إِنِّي داعي النُّبوةِ
لِلكفْرِ؛ وَ البدعةِ.. الزَّندقهْ
لِأَنِّي لَفظتُ سُموَّ الطَّوائفِ؛
مفخرةِ الابْتِزازْ..

أُريدُ التَّوقُّفَ كثيرًا عند هذهِ القصيدة وَ لكنَّ المقامَ لا يسمحُ لي بالإطالةِ هُنا وَ سأعودُ للوقفِ معها بقراءةِ خاصَّةِ.
الآن لا يسعُني إِلَّا أَنْ أنقلَكم لمقطعٍ آخرَ مِنْ مقاطها إِذْ يقولُ فِي مقطع سِفر التكوين:

ــ هَذِي الجراحُ؛ دمعُ المآسِي
فِيْنا.. فَجِيعتُها انْشقاقُ
كُسوفِ القمرْ
وَ النُّفوسُ؛ الفيافِي؛ العرَايا..
مَأْسَاتُها..
خُسوفٌ لِقِطعةٍ شَمسٍ
تُعشعِشُ فِينا طحالبُ سُوسٍ
كَوشْمٍ عَلَى الْوجْهِ؛ وَ الوجهُ وَجهانْ
آهٍ وَ مَنْبَعُ نَهرِ اليمانِيينَ.. وَاحدْ
تُمزِّقُنا خُطوطُ التَّواصلْ..
تُوحِّدُنا خُطوطُ التَّقاطعْ..
فَالوجهُ وجهانِ
وَ الأرضُ مَشطورةٌ وَ البشرْ.

بهذا الوعي الشُّعوري يفصحُ الشَّاعرُ عن مأساتِنا الأبديةِ كيمنيينَ، وَ مَا بَيْنَ كسوفِ القمرِ وانشقاقهِ وخسوفِ شَمسِنا دلالةٌ عميقةٌ عَلَى هذا الشرخ اليمني الَّذِي انساقَ كالقطيعِ وراء الخُرافةِ وَ نسي حقيقةَ شمسِهِ الَّتِي أفلتْ بسببِ هذا الانسياقِ..
ثُمَّ يتصاعدُ بِنا هذا الدفقُ الهادرُ عبرَ السَّاردِ فِي قصيدةٍ دراميَّةِ مسرحُها الأسى عَلَى شمسِ الحضارةِ اليمنيَّةِ الغاربةِ، الَّتِي آمنَ بشروقِها مُجدَّدًا مِنْ خِلالِ جيلِ الوعي الثَّوري المُلتفِّ خلفَ هويتهِ والمُنتمي ليمنيَّتهِ الخالصةِ؛ الراكلِ لمَا سِواها…

إِذْ يفصحُ لنا القائدُ المُلهمُ بعمقِ مأساتِنا بعد عرضِ صورةٍ مُتحركةٍ حيثُ يجسِّدُ واقِعًا مُؤلمًا مليئًا بالحسرةِ والفراغِ المُكتظِّ بغيرِ هويتِنا وَ وجودِنا كيمنيين؛ فَبقيَ هذا الفراغُ كصفحةٍ بيضاءَ كَتبَ فيها الآخرُ نقاءَهُ ورفعتَهُ وتركَ لنا سوادَ مأساتِنا، إِنَّ هذهِ الصفحةَ المليئةَ بأحزانا وجراحِنا ما هِي إِلَّا أرضنا الَّتِي فقدتْ نفوذَها الحضاري وأصبحتْ تابعةً خانعةً يومَ أَنْ تُركتْ لباذانَ وَ مَنْ على شاكِلَتهُ فخَلَّفتْ لنا هذا الحُزنَ الأسودَ المشئومَ، وليتنا استمعنا لهذا التَّحذيرَ بعدَ الاستفهامِ الدَّالِ عَلَى صدقِ الشُّعورِ والحدسِ المُحذِّرِ لأُمَّتهِ بإخلاصِ الأنبياءِ، قائلًا:
ــ وَ كاللَّيْلِ حِينَ يَلُفُّ النَّهارَ
تَهاوَى عَلى أرضِنا (ذُو يَـزنْ)
وَ صُورةُ (بَاذانَ) غَطَّتْ
شَوارِعَ صنعاءْ
وَ بَاذانُ..
هَلْ سَيعودُ إليْنا..
بألوانٍ أُخرى؟
لَا.. ألفُ لَا.. حَذَارِ…

هُنا.. اسْتنفذْنا كَاملَ الوقتِ بمعيةِ الرَّئيسِ القائدِ وَ هو يُحلِّقُ بِنا في سمواتِ النَّضالِ وَ المجدِ، وَ يُعيدُنا إِلَى نقطةِ الانتماءِ والتَّاكيدِ عَلَى الهويَّةِ أوَّلًا وَ أخِيرًا…
فَمالَ بِنا الأخ (بشير) بسيارتهِ عَلَى عُجالةٍ، يُسابقُ الوقتَ لِمُقابلةِ عَزيزِ اليمنِ وَ مُهندسِ الدُّولةِ اليمنيَّةِ الحديثةِ (عبدالعزيز عبدالغني الأغبري) وَ في مُنحنى مدْخلِ مَحِلةِ (حَجِرَة) مَسقطِ رأس العزيزِ، اضطربَ رأسي برأسِ الأخ (خليفة) فقالَ أُستاذُنا (عبدالجليل ناجي مسعد الأغبري) ما بكَ شاردٌ؛ أينَ حِسُّكَ؟! فشرحتُ لهُ أينَ كُنتُ شاردًا؛ فقالَ:
ــ قُلْ رحمةُ اللهِ عليهم جميعًا، فقدْ صنعوا تاريخًا مُشرقًا تَفخرُ بِهِ الأجيالُ. فَقُلْتُ لَهُ مُتعجِّبًا:
ــ وَ كَيْفَ يموتُ الخالِدونَ؟! فَردَّ ضاحِكًا:
ــ الرَّحمةُ جائزةٌ عَلَى الأحياءِ وَ المَيِّتِينَ.

وَ هُناكَ اسْتقبلَنا شِيخُنا المُوقَّرُ (عبدالغفور بن علي عبدالحق الأغبري) تَحدَّثنا طويلًا أثناءَ جلسةِ (القات) عَنْ قريةِ حَيْفان الَّتِي لا تزالُ مُحافظَةً عَلَى حِميريتها في بناءِ السدودِ الَّتِي تَمَّ تحديثها لخزَّاناتٍ أرضيَّةٍ بِجوارِ كُلِّ منزلٍ إِذْ تظِلُّ هذهِ الخزَّاناتُ المائيَّةِ عصبَ الحياةِ فِي هذهِ المنطقةِ الجبليَّةِ، فَقَالَ لنا: بأنَّ أبناءَ هذهِ المنطقةِ حكموا الشَّمالَ وَ الجنوبَ وَ شَرَّعوا القوانيينَ.
فَهززْتَ رأسَ الرِّضَى؛ مُقتنِعًا بِمقالهِ وَ قُلْتُ لنفسي:
ــ حتَّى عَلَى مُستوى التَّحكيمِ الرِّياضي سنجد أحدَ أبناءِ هذهِ المنطقةِ يسبقُ العالمَ ب12عامًا لإقرار تقنيَّةِ الفيديو، وَ الَّتِي تُعرفُ اليومَ بتقنيَّةِ (الفار)
إِنَّهُ الحكمُ الدِّولي (أحمد قايد الأغبري) وَ هذا السَّبقُ مُعترفٌ بهِ وَ مُسجَّلٌ باسمهِ وباسمِ اليمن.

وَ بعدُ حديثٍ ذِي شُجونٍ؛ امْتدَّ مِنَ التَّاريخِ إِلَى التَّاريخِ، قَرَّرْنا العودةَ؛ إِذْ لا يزالُ لدينا المعلمُ الأهمُّ وَ الَّذِي لَطالمَا تَشوَّقنا لِلُقْياهُ مِنْذُ أَنْ وَعتْ آذَانُنا سِمفونيَّةَ حَيْفان وَ تراتيلَ القمرِ فوقَ جِبالها، وَ بِسُرعةِ العاشقِ المُتشوِّقِ لِلِقاءِ معشوقَتِهِ انْطلقْنا إِلَى (مَصْنَعَةِ الأغابرةِ) وَ مِنْ ذُرَا المصنعةِ كَادتْ يَدايَ تُلامِسُ السَّمَاءَ فَحَجَبَها عَنِّي مَطرٌ كَثِيفٌ؛ فَطَأْطَأْتُ رأسي إجلالًا لِلْخالقِ العظيمِ وَ أنا أَتْلوا قَولَهُ الحقَّ: ﴿وَتَتَّخِذُوْنَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُوْنَ﴾
إِنَّها وَجهُنا الضَّاربَةُ فِي أَعماقِ التَّاريخِ؛ وَ السَّاخِرةُ مِنْ الزَّمَنِ عبرَ حِقبِهِ المُختلفةِ؛ وَ المُمْتَدَّةُ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ…
سَأَقفَ هُنا عَائدًا أدْراجي وَ لن أتجاوزَها إِلَى ما وراءَها حتَّى لا يتيهُ قَلمي فِي مَملكةِ السَّردِ العبسيَّةِ عِندَ رائدِ القصيةِ اليمنيَّةِ (محمد عبدالولي العبسي) فَمازالَ قلمي قاصِرًا عَنْ توصِيفِ نضالِ أبناءِ الأعبوس والأحكوم والأثاور، هَوِّنْ عَليكَ أيُّها القلمَ المُغامِرُ، مَاذا ستكتبُ إِذَا أردنَا الانتقالَ ـ بعدَ ذَلكَ ـ لِبَلدِ المقاطرةِ الَّذِينَ أَوقدوا مِشعلَ الحُرِّيَّةِ فِي ظُلُماتِ الكهنوتِ؛ فَأذاقوا الإمامةَ الويلَ فِي زِمنِ الذُّلِّ وَ الخُضُوعِ المُطلقِ..؟!
وَ كَيْفَ بِنا إِذَا طَوَّفْنا بأفياءِ (الحُجريَّةِ) المُكتظَّةِ بِرجِالِ النِّضالِ وَ التَّنويرِ؟! إِنَّنِي أُشفقُ عَليكَ مِنْكَ؛ وَ أَخْشى عَلَى نَفسي التَّيهَ فِي مَلكوتِ (النُّعمانِ) وَ نضالاتِ الحُجريةِ الزَّاخرةِ بالنُّورِ وَ الشُّموخِ وَ العظمةِ؛ فَفِي كُلِّ شِبْرٍ مِنْ هذهِ الأرضِ تُرْوَى قِصةُ مُناضلٍ دَوَّنَها الفجرُ؛ أَوْ صَيحةُ مُتنوِّرِ أيقظتِ الوجودَ؛ أَوْ حِكَايةُ شهيدٍ “مِنْ ثَراهُ يُطِلّْ؛ لِيَرَى مَا قَدْ سَقَى بِالدَّمِ غَرسَهْ”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: