الثلاثاء , أكتوبر 27 2020

دراسة نقدية ذرائعية الناقد المغربي عبد الرحمن الصوفي

دراسة نقدية ذرائعية مستقطعة لديوان ” ثلاثة أرباع قلب ” ل ” سعاد بازي المرابط ” عنوان الدراسة النقدية المستقطة : ” فلسفة الانزياح نحو الرمز والخيال في قصائد ديوان ” ثلاثة أرباع قلب ” .

الدراسة النقدية من إعداد : عبدالرحمن الصوفي المغرب

أولا – التقديم :

اللغة العربية كائن مطاوع ، تتسع لكل أشكال اﻷدب والشعر الفنون ، ولها قدرة فائقة على المطاوعة المساعدة على التجديد والابتكار في أدبها وشعرها . لا يمكن لدارس أن يتجاهل التطور الكبير الذي عرفه اﻷدب العربي عبر التاريخ ، من خلال فعل الاحتكاك بثقافات أخرى . ولا يمكن لأحد ان يتجاهل أهمية الابتكار في مجالات اﻷدب والفن عموما ، فالابتكارات فيه تضاهي الابتكارات في المجالات العلمية ، لأن الأدب والفن يشكلان قاطرة ثقافية لتنمية رصيد حضاري ، لمجتمع مبدع ، يحركه هاجس الابتكار والخلق . كما أن تاريخ اﻷدب العالمي يشهد على أن الابتكار في اﻷدب والفن قد أسهم في التأسيس للعديد من الابتكارات ، والاختراعات التي أخرجت الإنسانية من عصر الظلمات ، وأدخلتهم إلى عصر الأنوار ، ويشهد التاريخ كذلك على أن الابتكارات اﻷدبية دعمت العلم والعلوم بالكثير من الإنتاجات أدبية التي هي من محض الخيال . لقد تطرق ” قدامة بن جعفر ” لموضوع التجديد والابتكار في الأدب العربي من خلال رأيه في ( المادة و الصورة ) ، حيث يقول : ” … المعاني كلها معرضة للشاعر ، وله أن يتكلم منها في ما أحب وآثر ، من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه ، فإذا كانت المعاني الشعرية بمنزلة المادة الموضوعة ، والشعر فيها كالصورة ، كما يوجد في كل صناعة ، من أنه لا بد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصور منها ، مثل الخشب للنجارة ، والفضة للصياغة ، وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى كان من الرفعة والضعة والرفث والنزاهة … أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة … ” ( 1 )
اللغة العربية تعيش مع المبدع كل أنواع أحاسيسه ومشاعره ، ومنها أنها تعيش معه حين يصارع أمواج القلق المتحرك ، وكذلك حين يكون على حافة التناقضات المتصارعة من أجل الوصول إلى المستحيل الممكن تحويله حقيقة ، فالحيرة مشروعة ، واللغة مفتاح مجال التأملات ، والحزن والقلق والتفاؤل النار الهادئة التي يستوي عليها الإبداع …
تعيش اللغة مع المبدع اللحظات التي تلف رؤاه التعب والحيرة والحقيقة والوهم والوضوح والغموض والقلق والفرح … لذلك نجد قلق الشاعر يفوق قلق المنتجين اﻵخرين في الميادين الفكرية والثقافية الأخرى .

ثانيا : توطئة :

يقدم ” عبدالرزاق عودة الغالبي رأيه حول الخيال وأبعاده ” : ” … فكرة البعد الرابع المكاني ووجود مكان آخر أعلى من عالمنا ثلاثي الأبعاد هي من أفكار الأوربيين خلال الثورة الصناعية الأولى والثانية في القرن التاسع عشر كما أسلفنا ، حيث انبثقت من تطور علم الرياضيات والهندسة ورياضيات المنحنيات والسطوح الأهليجية أو ما يطلق عليه علم الرياضيات والهندسة اللاإقليدية ، وتلعب الهندسة الإهليليجية دورًا هامًّا في النظرية النسبية وفي هندسة الفضاء الزماني . لقد ظلت هندسة إقليدس تمثل أسس علم الهندسة على مدى بعيد من السنين ، ومن أبرز مميزاتها أنها لا تستعمل سوى المسطرة والفرجال لإنشاء الأشكال ، ولا تأخذ بعين الاعتبار القياسات أثناء الحركة ، لكن التطور الصناعي والعلمي أدى إلى ظهور مسائل هندسية لم يتم حلها إلا في القرن التاسع عشر ، ومن هذه المسائل تقسيم زاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية ، إنشاء مكعب حجمه ضعف حجم مكعب معلوم ، وإنشاء مربع مساحته تساوي مساحة دائرة معينة ، وهذه المسائل يستحيل حلّها باستعمال المسطرة و الفرجال فقط . وحينما قسّم الله الوجود واقعًا وخيالًا ، الواقع مفهوم بزمكانيته الملموسة ، والخيال معروف بمكانيّة المجهولة لا تخرج عن العقل البشري بمقارنتها مع محتويات التكوينات وسكان الواقع ، لذلك ينزاح الخيال نحو الواقع لو توفرت الظروف المتشابهة في العالمين ، وما دام الواقع يمتلك سكانًا ومكونات ملموسة إذًا تصوّرها في الخيال يتمّ في العقل بشكل متباين ، والسؤال الذي يطرح نفسه :
– هل هناك خيال لا يمتلك مكونات الواقع…؟
– وهل بالإمكان تصوّر حدود هذا الخيال ومكوناته….؟ ” ( 2)
تعتبر هذه التوطئة منطلقنا النظري الذرائعيى في ذراسة ثلاثي ( الرمز والانزياح والخيال ) في نصوص ديوان ” ثلاثة أرباع قلب ” .

ثالثا – المدخل البصري لديوان ” ثلاثة أرباع قلب ” :

ديوان ” ثلاثة أرباع قلب ” ( الطبعة الأولى 2017 ) ، وهو الديوان الثاني بعد ديوان ” تأشيرة باب الحياة ” .
الديوان متوسط الحجم ، يضم 99 صفحة ، تجمع الإهداء والتقديم وتسع وثلاثين نصا شعريا نثريا ، نذكر منها : ( أتخشى الكلام ؟ / آخر اجتياح / أقاتلة أنا / الكياسة سياسة / أنا غائمة / بانتظار قصيدة متمردة / تلك هي ساعتي / ثلاثة أرباع قلب / حب على الرصيف / حب على المقاس…) .
أما علامات الترقيم في نصوص الديوان فتتوزع بين النقطة والفاصلة والحذف وعلامة الاستفهام ( لم لا تكتب لي من على صهوة حصان ؟ / لم لا تكتب لي من تحت مظلة بثقوب ؟ / أو مظلة شفافة ، قصيدة شفافة ؟ / وشما بصدور الذين فتحوا لي صدورهم ؟ / لم تنبض في وأنا لست ذكية ؟ / فهل أنتظر ؟ / لا تسألني لمن أكتب ؟ ) .
يقول جنان : ” … المجموعة الشعرية ” ثلاثة أرباع قلب ” متجانسة النصوص من حيث الموضوع أو ما يصطلح عليه بالوحدة العضوية للنصوص . بمعنى أن المجموعة الشعرية يربط نصوصها خيط ناظم ضمن رؤية واضحة .
و المجموعة الشعرية ( ثلاثة أرباع قلب ) تدخل ضمن هذا القسم . إذ نجد بناءها مثل خيمة تحتوي على :
– العماد الرئيسي أو ما يصطلح عليه في العامية ب : (الْحُمَّارْ)، و تمثله القصيدة التي تحمل نفس عنوان المجموعة .ص 27 = الأوتاد التي تشد العماد و هي أربعة .
1 – الهجوم : و تمثله القصائد : – أتخشى المواجهة ؟ ص 110 / أقاتلة أنا ؟ ص 15 .
2 – النفي / الرفض : و تمثله القصائد : – لن أغادر المكان . ص 58 / لن أكون ناعمة . ص 61 / لن ألتفت . ص 63 .
3 – السؤال الحلم : و تمثله القصائد : – هل أتعود على الرغد ؟ ص 79 / هل أنتظر ؟ ص 81 / و لا أكتب إلا لك . ص 89 .
4 – الرضى : و تمثلها القصائد : أنا غائمة . ص 20 / بانتظار قصيدة متمردة . ص 23 / طوق الوفاء . ص 45
و باقي النصوص هي مؤثثات تناسب كل وتد من الأوتاد الأربعة . لتختم الشاعرة المجموعة بقصيدة تلخص الحكاية : لو سألوك ص 95 …) . (3 )

رابعا – السيرة الذاتية للشاعرة ” سعاد بازي المرابط :

– من مواليد مدينة تطوان
– أستاذة : اللغة العربية
– صدر لها ديوان ” تأشيرة باب الحياة ” ، وديوان ” ثلاثة ارباع قلب ”
– كاتبة عامة لجمعيتي : – جمعية البهاوي لداء الصرع .
– جمعية صانعات الحياة
– تنشر بجرائد ورقية وإليكترونية .

خامسا – العتبة / العنوان / تناص الدهشة العنوانية :

عتبة العنوان هي صنع الدهشة البعيدة عن محاكاة الحياة بقواعدها ورتابتها ، بل الدهشة التي تجعل المبدع يعيد ويجيد الصناعة والخلق ، والغاية طبعا إدهاش القارئ من خلال الإمتاع ، وشده لبؤرة عنوان ” معقد ” يدخله إلى عالم نصي واضح المعالم ، أي احتواؤه على رموز صغيرة متشابكة تصنع منظومة ثقافية مدهشة ، فتغدو معها النصوص صامدة أمام الزمن محمية ببوابة عنوانية عتيدة ومدهشة .
يمكن أن تحلينا الاحتمالات المتحركة لمضمون العنوان إلى الإرث في الإسلام ووضع المرأة فيه . فنجد المرأة بعد وفاة الزوج :
” تأخذ الزوجة الربع كاملا ، ثم تبقى ثلاثة أرباع : للأب ربعان ( وهما النصف ) وللأم ربع ( وهو نصف النصف ) فتتساوى مع الزوجة ، بينما أعطاها ظاهرُ القرآن ثلث التركة كاملا ، والثلث أكبر من الربع ، وأكبر من نصف النصف …” ( 4 )
يمكن أن تحلينا الاحتمالات المتحركة للعنوان على الموسيقى خاصة “… مقام الراست : يعني بالفارسية والكوردية : المستقيم التحويلات : مي نص بيمول + سي نص بيمول وعند العودة من الجواب تعزف سي بيمول .. أما الأبعاد بعد – ثلاثة ارباع البعد – ثلاثة ارباع البعد – بعد – بعد – ثلاثة ارباع البعد – ثلاثة ارباع البعد .. وسمي بالراست (المستقيم) لأنه يصعد على السلم الموسيقي ويهبط بشكل أبعاد متساوية.
البياتي ري : أي التحويلات : مي نص بيمول + سي بيمول الأبعاد : ثلاثة ارباع البعد – ثلاثة ارباع البعد – بعد – بعد – نص بعد – بعد – بعد …( 5 )
ويمكن أن تذهب بنا الاحتمالات إلى تناص لثلاثة أرباع مع مكونات كثيرة ، نذكر منها :
-يتكون سطح الارض من اليابسة والمياه ، حيث ان نسبه المياه 3/4 واليابسة 1/4 من الكرة الارضية . اليابسة على سطح الكرة الارضية . ومذلك نسبة السوائل ( الماء ) في جسم الإنسان . وكذلك نسبة السوائل في قلب الإنسان وغيرها من الاحتمالات الكثيرة .
يقول ” عبدالعزيز حنان ” في لوحة الغلاف : ” في العديد من الإصدارات تأتي صورة الغلاف الأولى بعيدة عن مضمون النصوص ، المهم صورة تؤثث الغلاف قد تكون لها جاذبية لكن ، لا ارتباط لها بعالم مضمون الإصدار .
و في كثير من الأحيان تأتي قراءة هذه الصورة ( صورة الغالاف ) مناقضة لهذا المضمون . بعض الإخوة الذين يتفضلون بهذه القراءة ، يطنبون في المدح و لَيِّ مضمونها لتناسب الإصدار ، أو دون تقديم العلاقة بين النصوص و الصورة .
في المجموعة الشعرية ( ثلاثة أرباع قلب ) أول ما يمكن تسجيله أن صاحبة اللوحة التشكيلية ، هي الفنانة ” أمامه سحر” . إذ تتماهى الفنانة التشكيلية مع رؤية الشاعرة من خلال الانتماء النوعي .
فمن خلال اللوحة نلمس استضمار الفنانة التشكيلية للنصوص و أنها تشربت دلالاتها من خلال مواقف الشاعرة لتنتهي إلى وضع معالم اللوحة .
أرضية اللوحة أخضر . قوي على مساحة المحيط خفيف على صدر اللوحة . و كأن ما ينطلق من ذاتَيِ اللوحة يؤثر على قوة اللون دون أن يلغيه .
فالأخضر لون الحياة ، و تأثيره على النفس عميق ، كما توصل العلماء إلى قرار قاطع من أن اللون الوحيد الذي يجلب السرور إلى النفس و الانتعاش في الفكر هو اللون الأخضر الذي يتواجد في أكثر من مكان في الطبيعة . و من الملاحظ أن هذا اللون يتوسط ألوان الطيف السبعة في قوس قزح .
في اللوحات القديمة استخدم الأخضر بكثرة ، فلا تكاد لوحة تخلو منه ، حتى لو رسم الفنان وجهاً لشخصية معروفة ، أو متخيلة يأتي المشهد الخلفي بالأخضر أساسيا في اللوحة ، والذي غالباً ما يكون منظراً طبيعياً، مثل
لوحة «إليدا والبجعة» للفنان ليوناردو دافنشي ، «عذراء الصخور» . كما استخدمه الفنان مايكل أنجلو حين رسم على سقف كنيسة «سيستان» في الفاتيكان، في أكثر من منطقة مثل شجرة التفاح التي طردت آدم من الجنة. وعموماً فإن الاستخدام لهذا اللون متعدد ، وقد يبدو أساسيا ، فعندنا يستغني الفنان عن الطبيعة ، قد يكسو به خلفية لوحته .
اللوحة : تحت الظلال ، هو يمد يده نحو الأعلى يقطف الثمار أو يستجمع باليد اليسرى الأقرب إلى القلب ، أطياف النور / الأمل المنبعث يتدفق منه أليها من خلال إمساكه بالمعصم حيث النبض قويا و ليس باليد كلها .و غلالة نور تحيط بهما تحول اللون الأخضر إلى طيف خفيف .
ملامح الوجهين تطفح بالبشر و ابتسامة رضى تشكل الشفاه . و لا بد من ملاحظة الإيشارب يمتد من صدر النثى للجيد لكتف الرجل لساعد يده .
ألوان باقي المكونات متناسقة بلا نشاز البني يجانب الأبيض ثم الأسود فالبنفسجي ، ألوان تليق بالعمر المفترض لشخصتي اللوحة من خلال الشعر الأسود بلا أدنى شهرة شيب .
إلى هنا اللوحة متناغمة لكن ، هل اعتباطا أو صدفة أن يأتي طول الْهُوَ أكبر قليلا من طول الْهِيَ ؟؟؟
و هل اعتباطا أو صدفة أن تستند الْهِيَ على كتف الْهُوَ ؟؟؟
ركزوا على اللوحة و أنتم تسافرون مع النصوص لاستجلاء الأمر .
قد يكون مجرد سؤال لعله يستفز المتلقي لطرح أسئلة مغايرة و إعطاء إجابات غير متوقعة من خلال لوحة الغلاف الأولى .
و هذا هو فِعْل القراءة ، و سواه مجرد عبث …
الوجه الأخير من الغلاف : استمرار سيطرة اللون الأخضر امتدادا للصفحة الأولى مع اختيار لمقطع من القصيدة العُمدة ” ثلاثة أربع قلب ” تؤطر العلاقة أو جزء من العلاقة بين الْهُوَ و الْهِيَ .
هذا المقطع يشكل الخطوط العريضة للرحلة أو قل هي المرشد الذي يبين للقارئ مسالك و دروب الحكاية … ( 6 ) .

سادسا : فلسفة الرمز / تكنيك الصناعة الرمزية في ديوان ”
ثلاثة أرباع قلب ” :

1 – تكنيك الصناعة الرمزية :

احتلت فلسفة الرمز في قصائد ديوان ” ثلاثة أرباع قلب ” مكانة مهمة ، ونقصد بها الفضاء الفلسفي الذي يوحي به الرمز الشعري ، ولا نريد هنا بالفلسفة التأسيسَ على قواعدها الصارمة المرتكزة على العلة والمعلول ، والاستقراء والاستنتاج ، والتنظير والتقعيد ، وإنما نقصد الكيان الفلسفي بمضمونه التأملي الأقرب إلى فضاء الشعر وعوالمه الرحبة . تعتمد الصنعة الشعرية عند ” سعاد بازي ” تيكنيكا يزيل الخصومة والحدود بين الشعري والفلسفي . حيث يصبح الشعر الحقيقي في جوهره فلسفة أصيلة ، وأن الفلسفة الحقيقية هي في جوهرها شعر أصيل … ( 7 )

لنتأمل معا نص ” لن أغادر المكان ” / الصفحة : 58

لم أكن أرتب كلمات قصيدة ،
فأنا لا أحب القصائد الأنيقة
بربطات عنق
وبدلات ماركات بتوقيع
ولا بقمصان مكوية .
كنت فقط أرتق إزار الغياب الشامل
تلك الثقوب يتسرب منها البلل
يتسرب منها الملل .

نلاحظ في قصيدتها بعدين في رمزيتها الفلسفية التأملية : الانطولوجي (الوجودي) ، كظاهرة بارزة في هذه القصيدة وغيرها من القصائد الأخرى ( غادر تلك المنطقة الوسطى / غادر ذلك الحذر المريض / دع تلك الخطط وطرق التنفيذ / مزق رداء عاطفة صقيعية / ص 56 ) . رموز شعرية تتنوع باختلاف الموقع ( البؤرة والهامش ) ، ولونا وحركة وسكونا ، وسوادا وبياضا ( فضاء الورقة ) ، وهدا يدل على أن الشاعرة عمّقت في ديوانها فلسفة منحاها الرمزي الواضح…

لمن أحكم الأقفال على الحواس
مدثرة بتلابيب راهبة
من دير يجدد البيعة
جثة بلا كفن
مشدودة الحزام
كجندي مرابض عند حدود وهمية

أما البعد الثاني فيتجلى في البعد الإبستمولوجي / المعرفي ، أي أن فلسفة الرمز في قصيدتها ، ليست تجريدية بحتة ، فهي تمزج بين الرمزية الوجودية و الرومانسية ، مصحوبة بالواقعية ، وهذا التكنيك يتجول بنا بين الذاتي و المجتمعي …

ونقرأ لها في نص ” على خد الحرف ” / الصفحة 47

قبلة واحدة على خد الحرف
تكفي
ليرش حرفي ” شانيل ” أنوثته من محابر
المداد
تكفي
ليقضم حرفي حبل المسافات
ليجتاح المسافات
ليجتاح المدى
ليقطع وريد البعاد .
قبلة واحدة على خد الحرف تكفي

يطبع فلسفة الرمز عند الشاعرة الإبهام الذي لا يُربك ولا ينفر المتقي ، وإنما يجذبه ليدخل طقوس القصيدة …فبعض القصائد تبدأ واقعية ، ثم تنتهي رمزية وجودية ..

ستغادر حروفي البرك الراكدة .
ستجلس على حافة جدول رقراق
تشرب قهوتها
تنفث سجارتها .
وتضاهي قصائدك التي ترمي لها
طعم الغواية .

الرمز الشعري إذن يحضر المعنى بطبيعة تتعدد أوجهها ، حيث تخضع للتأويل ( تحكما وضبطا ) ، أي يتحكم في توجيه مآلاته الدلالية . يلعب الرمز في بعض نصوص ديوان ثلاثة أرباع قلب ” دور رابط ووسيط الذي ينظم الخيال والانزياح والصورة الشعرية
يقول أدونيس :” … بعيدا عن تخوم القصيدة ، بعيدا عن نصها المباشر ، لا يكون رمزا. الرمز هو ما يتيح لنا أن نتأمل شيئا آخر وراء النص . فالرمز هو قبل كل شيء معنى خفي وإيحائي ، إنه اللغة التي تبدأ حين تنتهي لغة القصيدة ، أو هو القصيدة التي تتكون في وعيك بعد قراءة القصيدة . إنه البرق الذي يتيح للوعي أن يستشف عالما لا حدود له ، لذلك هو إضاءة للوجود المعتم واندفاع صوب الجوهر …” (8 )

2 – تكنيك الرمزية وهواجس الكتابة :

اتخذت الشاعرة لنفسها هواجس للكتابة ، فبعض القصائد في ديوانها ” ثلاثة أرباع قلب ” تبدأ واقعية وتنتهي رومانسية ، وأخرى تبدأ رومانسية وتنتهي وجودية أو واقعية ، هو تكنيك شاعرة متمردة على صيغة التدوينة الواحدة ، أو انتظامها في سياقات كتابية وحيدة تتموقع داخلها ، إن كتاباتها لا تختارها مسبقا ، أي كيف ينبغي أن تكون ، وبهذا فهي لا تخضعها لخريطة طريق ، فعمق العملية الإبداعية عندها سيرورة للكتابة .

تقول الشاعرة في نص ” رغما عني ” الصفحة 39

لن أقول أن المشوار مضن
لن أصدق أن الطائرة نفذ وقودها
والمطار بعيد عني .
السفينة ستجد المرفأ
سأحتفي بالوصول
بيني وبيني .
من قال لست حائرة
بين شوقي وظني
لن أخنق فرحة قلبي
وقد كان يأمل يوما أن يغني

لقد ابتدعت الثقافة الذكورية المتسلطة في مجتمعاتنا العربية دونية المرأة ، فخلقت ما سمي بالأدب النسوي . في الإبداع لا يعنينا في النظرية الذرائعية جنس صاحبه ( ذكر أو أنثى أو عمره … ) .فالكتابة هي الكتابة ، والنص هو النص ، والمحك الحقيقي للحكم عليه هو محك جمالي .
إن وظيفة فلسفة الرمز عند الشاعرة في قصيدتها ليس محاكاة للواقع رغبة في تجميله ، بل وظيفتها تعريته ورؤيته من الداخل ( سأستورد كلمات من لغة موليير / سأستورد من لغات ليست من شأني / لن أعود لسجني / سأعيش الحياة / كنت قبلها مت أو كأني ) . الشعر قادر على فتح طرقات جديدة وآفاق تسألنا وتسائلنا . يقول “عبدالعزيز حنان ” حول التجربة الشعرية لسعاد بازي : “… كتابة نسائية تتجاوز التصنيف . و لولا بعض الإشارات الطفيفة لما أمكن التمييز هل الكتابة لامرأة أو لرجل ، ويمكن تقسم هذا الصنف المنفلت من التصنيف إلى نوعين :
– نوع تعمد اختيار هذا المسار بدعوى تكسير الطابوهات و الارتقاء إلى تحطيم كل الفوارق الوهمية حسب قناعاتها و الدخول فيما يسمى – الحداثة – بكل جرأة و الانتصار لمبادئ التقدمية بكل شعاراتها . و هذه الكتابة نجد فيها إغراقا في تمثُّل النماذج الغربية ( مثلها مثل الرجل في مرحلة ما بعد صدمة الحداثة كما يعبر عنها أدونيس في الجزء الثالث من مؤلفه الثابت و المتحول ) . فكان المضمون يغلب على الجانب الإبداعي حيث تأتي الكثير من الكتابات على شكل بيانات .
– نوع استلهم الانتماء الإنساني كمدخل لكتابه فكان هذا الوعي بالانتماء مدخلا للكتابة و الإبداع . فعبّر بإبداع متميز عن هذا الانتماء و كان إضافة نوعية للإبداع الإنساني بلمسة تتجاوز الارتكان للنوع … ( 9 )

سابعا : الانزياح / نظرية التقابلات الرياضية في ديوان ” ثلاثة أرباع قلب ” .

والانزياح الشعري يمتاز عن غيره من أشكال الانزياحات الأخرى ، في كونه يحقق قيمة جمالية ، ترتبط ارتباط مباشراً بالدلالة وفواعلها النشطة ، ولهذا يرى البعض ” أن التعرف على المعنى يتأتى من بيان الموقف الذي يقال فيه الكلام ، وآخرون يحددونه بمجاورة الكلمة لغيرها من الكلمات في السياق ؛ في حين أن المعنى يتولد – بفعل الخرق للاستعمال العادي للغة ، هذا الخرق الذي يشحن اللغة أو الخطاب الشعري الشعري بطاقات أسلوبية جمالية تحدث تأثيراً خاصاً في المتلقي ؛ وهو ما نجده في الفنون الأدبية كالشعر مثلاً ، أي لا يهتم الشاعر في حديثه بالحقيقة بقدر ما يهتم بإدخال البهجة في نفس المتلقي ، فينتج عن هذا انزياح لغوي ، واضح تتراوح معه الدلالة من معنى إلى آخر ، باعتبار أن الكلام هو تحقيق لهذه اللغة فقد ساعد على حصر مجال الأسلوبية بالبحث في العبارة ، أو النص ، أو الرسالة ، أو الخطاب ، لأجل تقصي الأثر الذي تتركه في نفس المتلقي ؛ هذا الأثر الذي يختلف في كل مرة استناداً لمقام استعماله ، ما ينجر عنه عدول تركيبي لغوي يعدل معه المعنى. وتتحقق معه الصفة الإنسانية للغة ؛ باعتبار أن الإنسان في جهد دائم لتطوير لغته ؛ لأن هذا الثراء الدلالي يكسب اللغة قيمتها هذا بالإضافة إلى خصائص أخرى تتميز بها اللغة … ” ( 10 )

تقول الشاعرة في قصيدة ” ثلاثة أرباع قلب ” الصفحة : 27

ثلاثة الأرباع لك
والربع لي عنك ممنوع
ثلاثة الأرباع لك
الربع لي حق مشروع
سأترك لك فرصة الرجوع
لا أريد خسارتك
قد يعيدك الفضول
لشبر أغوار الممنوع
قد تعرج غرب الحكاية
قد تغمرك رمال تلك الصحراء
جنوبا بلا نهاية

نؤكد على أن الانزياح التقابلي الرياضي متجذر في الفكر البشري ، فنجدها جسمت في أشكال هندسية تدعى بالمربع المنطقي ، وهذا الأشكال الهندسية كان لها دور كبير في تعيين مواقع الحدود ، وطبيعة العلاقات فيما بينها . والسؤال الذي يطرح نفسه ، هل عرف الشعر العربي التقابلات الهندسية أو تقابلات رياضية (( قصائد تتخذ شكل رسوم هندسية ) أو انزياحات لتقابلات رياضية ؟؟ ))

قد تستيقظ شرق الكحلية
كل الاتجاهات مفتوحة
مشرعة أبواب الغواية
معذور
لأنك لم تمسك خيط البداية
سيبقى الربع مواريا
أكسر به هر الملل بهذه الحكاية
من يدري ؟
قظ تعود من جديد
لن يكون غيرك بطلا للرواية

ليس غريبا أن تعيش انزياحات في بعض نصوص ديوان ” ثلاثة أرباع قلب ” على حافة القلق المتحرك ، وعلى حافة التناقضات المتصارعة من أجل الملموس الكوني الوجود البعيد المنال ، فالحيرة مشروعة وهي مجال تأمل ، والحزن يعقبه التفاؤل ( طوق الوفاء بمن يليق ؟ / يليق بك / أنت من يخفض جناح الحب / أمام العناد / الذي لا يبر حني / إلا ليسكنني / طوق الوفاء بمن يليق ؟ / ص 44 ) ….
يقول جون كوهن : ” .. الأسلوب هو كل ما ليس شائعًا ولا عاديًّا ولا مَصُوغًا في قوالبَ مستهلكة…، هو مجاوزة بالقياس إلى المستوى العادي ، فهو إذًا خطأٌ مُراد …”. (11 )
ومن أكثر التعريفات الواردة تعريف فاليري، الذي قال: ” إن الأسلوب في جوهره انحراف عن قاعدةٍ ما “. ( 11 نفسه )
يرى ريفاتير أن الانزياح : ” …يكون خرقًا للقواعد حينا، ولجوءا إلى ما ندر حينا آخر، فأما في حالته الأولى، فهو من مشمولات علم البلاغة، فيقتضي إذًا تقييما بالاعتماد على أحكامٍ معيارية، وأما في صورته الثانية، فالبحث فيه من مقتضيات اللسانيات عامة، والأسلوبية خاصة … ” ( 12 )

تقول الشاعرة في نص ” أنا غائمة ” الصفحة : 20

غائمة فوق المعتاد
لن أنثر ورودا على حافة الطرقات التي
لم تضع ختما بجواز جنوبي
لن أهجع لمقعد بذاك القلب الذي
يرفض سهودي
يتبرم من صمتي
غائمة أنا دون أن أمطر
سأمطر قطنا
أضعه بأذني
أريدني ” بيتهوفن”
في هذا الزمن النشاز

انزياحات تشد من أزر الشاعرة ، وتضيء لحظات سأمها ويأسها وفرحها وسعادتها ، تحدد وصفاتها من خلال ترابط كلي ، تتوغل فيه اﻷحاسيس ، وفي الاستبطان الحلم الذي تستشعر فيه الشاعرة الحاضر ، ليسلك بنا طريقا حلزونيا نحو الماضي . من منطلق ان البداية متوهمة ، والنهاية محتملة من خلال عناصر دلالية متداخلة مشدودة إلى تمثل الماضي واستشراف المستقبل …

غائمة أنا ألوك حروف عتاب أبله
لبس كسوة أقسى من احتمالي
شجرة احتمالي لن تورق بعده
غصيناتها مثقلة بتمائم بحروف النداء
وعلامات استفهام عن عوانس البلد
نسيت أن تخضب أكفها بالحناء
نسيت أن تمنطق خصرها
بحزام عيد دون غصة
غائمة أنا ( ص : 21 )

إن أفضل فائدة للانزياح هي حفظ اﻷفكار ، بحيث يكون الفكر داخل كلمات النص متجليا من خلال علامات ودلالات ورموز … واللغة من حيث هي لسان لا تتحقق إلا في شكل مؤسسة اجتماعية تتخذ شكل نسق من العلامات والرموز ، ومن هنا لا يمكن للمبدع أن يكتب نصوصا من خارج وجود مجتمعي ( لازالت ذاكرتي تأخذ سلة للتبضع / تتبضع كل ليلة حلما للوقاية من الجنون / تتبضع حلما أراك فيه / مرابضا فوق صخرة الصبر / بانتظار عودتي من رحلة الحياة / فاشلة كنت أم مظفرة / أنا لازلت مبعثرة / ص 44 ) .

ثامنا – فلسفة الخيال في ديوان ثلاثة أرباع قلب :

ينشطر العقل إلى محتويين ، وهما الأفكار ويقابلها العقل ، والأفكارويقابلها الخيال ، وما يميز الشاعر الإنسان عن غيره هو ما يتمتع به من رد فعل طبيعي يأخذ مسلكين : من الواقع إلى الخيال ، ومن الخيال إلى الواقع ، الشاعر مستجيب للأحداث التي تؤثر في أحاسيسه . وتلعب فلسفة الخيال في غالب الأمر دورا كبيرا في دعم الانسجام والتوازن وربطهما بالبعد الانفعالي عند الشاعر الإنسان . يقول الدكتور ” عبدالرحيم الساعدي : ” … علينا الاعتراف انه لا توجد امة لا تتمتع بخيال ما ، واذا قدمت هذه الأمة حضارة ما ، فذلك يعني ان خيالها على مستوى الأفراد والمجتمع انما هو خيال فعال ومتميز وراق، اما التي لم تقدم فافتقرت الى الشروط التنموية للابتكار والعلم … ” ( 13 )

تقول الشاعرة في نص ” ها قد عاد ذاك التمرد ” الصفحة 73

ها قد عاد ذاك التمرد يدب في أوصالي
أريد حفنة عزلة
شبر مسافة
لن أضع يدي في يد الآخر
الآخر كله أغلال
اريد حفنة خلاص
أريد تضليل الحزن
وأنا أراه حاملا عباءته
ينوي أن يلفني بها
من شمالي إلى جنوبي
أريد حفنة عزلة
أنوي تصفية مؤسسة الهواء
أنوي تهريب مياه النهر
إلى قنوات للتصفية
سأسقي مساحات بقلبي

تغمر الشاعرة القوة والحماسية لممارسة الخيال بفاعلية ، وبنفس متجدد من سطر إلى آخر ، فممارسة الحياة دون خيال واسع لا قيمة لها ، لأنه هو من يضفي مسحة جمالية وقيمية عليها ، وهو من يوسع أفق الانسان والوجود والحياة . الخيال رياضة عقلية وفكرية لا غنى للإنسان عنها ( حدثني نفسي عن نفسي / وجدتني أجهل أحوالي / متجردة مني / أحرقت جواز السفر / إلى متاهتي / ذاك الدخان / قد أتبع خيطه / الواهن / ليدلني على هويتي / ص 36 ) . فلسفية الخيال تثير الانفعال وتنظم الذات وتحفز الفرد على استعادة توازنه في الحياة ، وتحويل آلامه التي سببها له الواقع ألى مصدر قوة ( سأقول بعدها لقلبي : / عمت صباحا أيها القلب الذكي / لم تنبض في وأنا لست ذكية ؟ ص : 74 ) . إن قوة الخيال لا تكمن فقط إصدار انطباعات بل كذلك في إعادة صياغتها وتجسيدها ، وهذا ما يجعل الخيال انطباعا وتفكيرا في الآن نفسه . إن علاقة الإنسان بالأشياء الخارجية هي مصدر إما متعة أو ألم . لكن الشاعرة في خيالها تعطي قيمة للوجود وتحوله صورة مورفولوجية تركيبية ذات أبعاد جمالية .

تقول في نص ” ذلك الصمت ” / الصفحة : 37
ذلك الصمت
ملاذ مؤقت
لا لم أكن صامتة
كنت أصغي
كنت أحلق
كنت أسبح في جدل كزبد البحر
أسبح في مقامات الصخب
وأعود لشط الهدوء
ذلك الصمت
ملاذي المؤقت
لا لم أكن صامتة
كنت صحبة ذلك الغائب حتى يعود

ترتكز فلسفة الخيال عند الشاعرة في قصيدتها على التواشح والتقارب الموجود بين البشر ، الذي يقتضي الرأفة بالآخرين ، والعطف عليهم ، والتعبير عن آلامهم ، والإحساس بما يحسون ، فمنطق الخيال هو منطق الأخلاق والأعراف ، ويكتسي الخيال كذلك طابعا اجتماعيا بحكم اندماج الفرد في النسيج الاجتماعي الذي يطبع على قلبه أحاسيس متنوعة ومختلفة منها العدالة ، والحب …. ( كنت صحبة ذاك الغائب حتى يعود / كنت بانتظار إزاحة الستائر القاتمة / لأفتح نافذتي على شجر الليمون الأصفر / وذاك العشب البري الأخضر / سيعود أوان النور / لصوتي المخدوش شوقا / ص : 38 )
الخيال يزيد من التدفق العاطفي ، ويؤجج لغة الشعر وأثره وقيمته ، فالشاعرة تمتاز بالتعبير عن عواطفها من خلال عملية للخيال ، وتكييف للصور الذهنية مع الافكار والعواطف في شكل إعادة للصياغة . فهذه الطريقة في التعبير تغدو فيها الشاعرة العنصر الأساس الذي يخلق عالم المتعة .
فالشعر ينبع من روح خيال الشاعرة المشبع بطاقاتها الخلاقة المحاكية لصور العالم الخارجي ، وهنا يصبح الشعر عند الشاعرة ليس شكليا أو محاكاة كما هو الحال عند أرسطو ، …بل إن فعل الخيال في الشعر وازع داخل الشاعر من العواطف و والرغبات ، فيسعى هذا الوازع للتعبير عن نفسه أو عن محيطه ، أو هو الدافع القسري للمخيلة الخلاقة التي تشبه الشاعر نفسه ، في أنها تمتلك منبعها الداخلي للفعالية ، أي التعبير بصدق عن العواطف والقدرات العقلية..

تاسعا – خاتمة :

ونختم دراستنا النقدية المستقطعة بمقتطف من رأي الذرائعية في عمق النص الأدبي بالانزياح نحو الرمز والخيال بالمنظور القرآني والعلمي وهو كما يلي :” وقبل أن ندخل هذا الخضم الجنسي الأدبي المضمّخ بالخيال ، الذي يفوق الواقع روعة وبناء ، ولو أطلق العنان لكاميرات وريَش الرسامين من الأولين والآخرين في هذا العالم ، لما استطاعوا الإحاطة بعظمته واتساعه ، فالخيال عالم واسع يشمل ما أبدع الله في عوالمه ، ولم تصله يد أو عين مخلوق في الواقع بشكل ملموس ، هو تصوّر بمنظور ميتافيزيقي لحوادث وبنى ومخلوقات لا تسكن الواقع ولا تشبه محتواه الحركي والبنائي ، وتشكّل رؤيتها إثارة وانبهارًا لسكان عالم الواقع ، وتلك التصوّرات لا تسكن إلا العقل البشري ذا الأفق الواسع ، وأعني به الأديب ، وهذا التصور هو إطلاق العنان للعقل البشري بالسفر والتفكير في مجالات لا يقبلها الواقع لكونها ضرب من ضروب المستحيل ، لكنّ تلك الأفكار والتصورات تكون شرعيّة ومقبولة في حقل الأدب ، وتعد عمقًا أدبيًّا محمودًا ، يشكل في جميع مستوياته الدنيا والعليا ، مجالًا أدبيًا أو فنيًا ، يجسد من خلالها عناصر اللذة والتشوق ، حين تبثّ فيه الروح والحركة وقد تحدث تلك التصورات في الواقع المعاصر ، على سبيل المثال : كان القمر حلمًا من أحلام العشاق قبل قرن تقريبًا ، لكن عملية الوصول إليه جعلته ينتقل من الخيال إلى الواقع…. و(الموبايل) كان حلمًا أن تتصل بشخص من أي مكان كان فوق الأرض أو تحت أعماقها أو محلقًا في السماء ، وصار واقعًا ملموسًا ولعبة بيد الاطفال ، إذًا الخيال هو كل شيء يحلم به الإنسان ولا يستطيع بلوغه في الواقع المرئي والملموس ، فوظیفة اللغة في حیاة الإنسان لا تنحصر ببساطة في الدور التواصلي فالإنسان كیان معقد جدا تتفاعل في داخله المشاعر والأفكار والأحلام والعواطف ویرید أن یخرجها للوجود تعبیراً لغویا یتمثّل ذلك كلّه ، ولكنه یفاجأ بمحدودیة أدواتها وطاقتها اللفظیة فتضطر اللغة إلى التمسك بالخیال محاولة لاستمداد القوة منه لتستطیع تحمّل العبء التعبیري الثقیل الذي یحمّلها إیاه الإنسان([1]) ، فوسيلة الانتقال عبر الزمن كثيرًا ما تشغل بال الإنسان وخياله في عبور آفاق الزمن على أجنحة التأمل الممزوج بالتطورات والمكتسبات العلمية ، وأحيانًا تكون التصورات قريبة على الواقع الإنساني ، كتصوّرات المعوزين لحاجات لم يمتلكها إلّا الأغنياء ، وتصورات أخرى تخصّ العدل والحياة لم تسكن الواقع إلّا مرة أو مرتين مثل المدينة الفاضلة ، التي تعد ضربًا من ضروب الخيال السياسي لم يتحقّق قط في أي عصر مضى ، لكن ربما سيأتي يوم ونرى الانتقال عبر الزمن ، وفي المدينة الفاضلة بالذات ، والتي حلم بها الفارابي ، و قد يتحقق حلمه فعلًا ، حين تتوفّر ظروف هذا الحلم في الواقع ، كما توفّرت ظروف من سبقه من الأحلام الخيالية التي أصبحت واقعًا ملموسًا…. ”

المراجع والمصادر

1 – محمد ويس، الانزياح من خلال الدراسات الأسلوبية، المؤسسة الجامعية للدراسات، 2005، ص 82.
2 – النظرية الذرائعية في التطبيق / عبدالرزاق عودة الغالبي وعبير يحيي الخالدي
3 – قراءة نقدية / عبدالعزيز حنان
4 – ) باب المساواة في الإرث / ا بن الأزرق الأنجري / هسبريس 7 / 2 / 2019 .
5 – ويكليبيديا
6 – قراءة نقدية / عبدالعزيز حنان
7 – حني، عبد اللطيف- شعرية الانزياح وبلاغة الإدهاش في الخطاب الشعري الشعبي الجزائري، ص 23
8 – بخولة بن الدين- الانزياح الدلالي وأثره في تطور اللغة، جامعة حسيبة بن علي الجزائر، ص 81 و 82
9 – قراءة نقدية / عبدالعزيز حنان
10 – السد، نور الدين، 1997- الأسلوبية وتحليل الخطاب، ج1/ الجزائر، دار هومة، ص179.
11 – إسماعيل شكري، نقد مفهوم الانزياح، مجلة فكر ونقد، العدد 23، نونبر 1999.
12 – عبدالسلام المسدي، الأسلوب والأسلوبية، الدار العربية للكتاب، ط3، 103.
13 – ( كتاب فلسفة الخيال / د. رحيم الساعدي، استاذ الفلسفة الاسلامية المساعد في كلية الآداب ـ الجامعة المستنصرية ص : 83
14 – محاضرات بالمركز المغربي لتعليم النقد الذرائعيي التابع لحركة التجديد و الابتكارفي الادب العربي
15 – دور الذرائعية في سيادة الأجناس الأدبية / عبدالرزاق عودة الغالبي
16- الذرائعية اللغوية بين المفهوم اللساني والنقدي / عبدالرزاق عودة الغالبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: