الثلاثاء , أكتوبر 27 2020

أتوق اليك الشاعرة التونسية جميلة بلطي عطوي

…… أتوق اليك ……

تلك الذّاكرة ، ذاكرتي المخزّنة في العلب المنسيّة كلّما نفضتُ عنها الغبار تراءت لي محطّات ونوافذ ، مغلقة حينا أو مفتوحة أحيانا . أنا المخبوءة بين السّطور أراقب الأفق ، أتحسّس الريح العاصفة . يرتعشُ قلبي خوفا على تلك النّوافذ أن يغزوها الغرباء ، أن تقتلع الرّيح خشبها المتداعي .أستعير انسِياب الثّعابين ، أزحف ، أحاذر كي لا أصدر صوتا . أخاتل الرّيح والعصف ، أتسلّل أغلق النّوافذ المفتوحة ، أطمئنّ أنّ المكان أضحى آمنا ، أتمدّد على حافّة الرّغبة ، شهوة عارمة في أن أنهل من جديد من تلك السّجلّات . تلك الدّفاتر التي أكل الزّمن لونها ولم يبق منها إلّا بصيص لهفة وإشارة . خطوط تقودني إلى المرابع الحالمة ، تغريني بل تفتح أمامي فسحا غريبة .
في اللّيل وقد هدأت العاصفة تتمدّد بي المسافة ، تنفتح النّوافذ المغلقة . أقفز دون أن أفتح المظلّة أو أحسب المدّة الزّمنيّة ، في تلك اللّحظة يستوي كلّ شيء ، أنا ، النّافذة والزّمن سرّ في ذاكرة الكون بل أنا نحلة تبحث عن وردة ، عن رحيق ضاع ذات غفلة ، عن ذاكرة غمرتها الأعوام فباتت محاصرة في قمقم الغربة .
على وقع خطاي يهزّ الزّيتون أغصانه ، تردّد أوراقه وشوشة قديمة ، صوت جدّي ، أبي وأمّي . البقرة في بيتنا حلوب مدرار وأنا أركض ، أمدّ يدي إلى ما طاب من الخيرات ، تغريني الوشوشة بالتّمادي ، أعتلي فرع شجرة الرّمّان تلك التي كانت عنوان التّورّد في ساحة بيتنا ، أمّي تهشّ عليها والأطفال يراوغون الصّدفة . يا لحمرة الرّمّان تغري الحرف ، تفتح شهيّة البيان بل يا لحمرة الرّمّان تذكي نارا ظننتُ أنّها خمدت فكانت في الرّماد تسترق الأوان .
ويستمرّ العرض لكن في عمق المشهد تُرفع الإشارة ، تراوغني الذّكرى تقول : انتهى الموعد اليوم . لملمي شتاتك واستعدّي ، قد أعود غدا وقد لا أعود . إن غبت غوصي في دفاترك، ستجدين الصّدى يردّد : أتوقُ إليك يا عاشقة الغياب.
تونس ….12 / 3 / 2019

بقلمي ….جميلة بلطي عطوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: