الأحد , أكتوبر 25 2020

قراءة تحليلية الناقد اليمني بشير حسن الزريقي

قراءة تحليلية في قصيدة “خذني اليك ” للشاعرة السورية (مرشدة جاويش )
ا/بشير حسن الزريقي

خذني اليك

هل يستحق القلب هذي المغفرة…
بعدما ارتكب النداء
شكراً لطيف قد تباعد في دمي
لي مع سلال العطر لوثة كبرياء
إذ حين يشرد من عذوبته
سأقترف اللقاء
سأرجئ كل أشيائي لتخرج من تفاصيل القصيدة بي إليك
أنا بانتظارك مع مغادرتي رحيلك
واقفة على جسر بقلب بارد
علّ مااشعلت من جمر يدفيء وحشة الخطوات
يغريني عزائي
حين حالفني الرجوع إليك مني
محمولة كنت
وكنت الحامل الشفوي كتف الليل
كيف أريح أكتافي ولم يدنو النهار
أيها العابر فصل الريح في طقس الضياع
” أوليسُ ” يكسر موجة رعناء
كانت تحتفي بالبحر عكس الإتجاه
فاكسر شرود البسملات
بدرب نعشي
ثم امشي
يلقاك بين متاهة الأضداد رمشي
قانتاً في حضرة الأحداق
أخاتل الألوان لاحزنا ولافرحا
لقد اجترحتُ مواهب العطرالجليل
ليجرح فيك ريحاً غافله
إلقِ حجابك استريح من الوضوح
وبين شهد الظل خلف الشمس
خلف بيادر الضحكات تلقاني أنوح
فانقر صلاة الغيم في شفتين ماطرتين
بالكلم الصريح
خذني إليك لأستريح

مرشدة جاويش
القراءة :

” خذني اليك” هكذا قالت الشاعرة السورية ‘مرشدة جاويش وهي تفتح المخيلة لعطائها المتدفق ‘في صورة جمالية تتبدى لك وأنت تلتقط عباراتها المفعمة بالعاطفة الجياشة والعواطف المتدفقة والغزل الرفيع الرقيق الذي يهز المشاعر ويدغدغ الأحاسيس دغدغة حبيبية ساحرة ‘تسري في النفس نسمة ثمل ‘ وتفعل في الوجدان فعلها ‘وتترك أثرا لايحد ولايمحى .
هكذا قالت المرشدة ..وماأدراك ماستقول !! وهي حين تطلق العنان لقلمها تقطف الزهر من متن الحرف وللسفر الكوكبي تراسله باليواقيت وتغمره بالعصافير والشجر العاطفي وتنشد القصيد في صدر القرنفل بالإنسجام بعد أن تطريه تعبير أنفاسها ويعشوشب بلمسات أناملها بكيفية أكثر كفاءة في بلاطها الشعوري المسكون بسلطة الإلتياع .
“خذني إليك ” اشارة سيميوطيقية يلفت رسمها العملاق النظر على جدار عتبة النص وبدايته وإشارته الأولى ومدخل الى عمارة النص وإضاءة بارعة لإبهائه وممراته المتشابكة ..ولقد أخذ عنوان الشاعرة في هذه الزاوية وظيفة اغرائية تضع القاريء في مواجهة موجة من الشجون ‘تدفعه الى قراءة النص تلذذا وتفاعلا . .كما جاء يضيء البؤرة الشاملة للنص ومحمولاته الدلالية وشغله الجمالي ‘بمعنى انه بؤرة تركيبية وقراءتنا له تسعى الى استنطاق النص بمجمله . .وهو التحول والإنفتاح الذي تضمنه التركيب التام في صورة الجملة الفعلية مصدرا بالفعل الدال على الطلب ‘وجملة الطلب هنا صيغة من صيغ الإنشاء يطلب فيها المتكلم من المخاطب تنفيذ فعل ماعلى صفة الإيجاب في الفعل والتزام المخاطب به ‘ ويتمركز هذا الفعل الطلبي وفق منظومة تامة من العلاقات والروابط التي تعزز رغبة الشاعرة العارمة في التواصل مع الآخر /الحبيب ‘لأن مثل هذا الفعل يحدث في الجملة أثرا اتصاليا مباشرا عن طريق الرغبة والتمني كما في سلسلة طويلة من الأفعال الطلبية منها :
اذكريني – عانقي حلمي الشهي – اضحكي .. .الخ
ونجد هنا …خذني اليك …كما تصدرت به الشاعرة نصها ‘كموطن للضراعة والإبتهال بين يدي الحبيب .
استوى القال الجاويشي الآن الذي خول له التحكم في لجام الحرف والكلم :
هل يستحق القلب هذي المغفرة
بعدما ارتكب النداء

امتازت الكلمة في لغة جاويش الشاعرة بإنزياحها عن النمط اللغوي المألوف حينما تتشكل في أداء مجازي كالتشبيه والإستعارة والتشخيص ‘إذ تعبر عن حالة ومشهد عارم وفق منظومة من المفردات والمركبات المشحونة بالشعرية الخالصة التي تصل بها الى سقف الإبداع بكل جدارة ..كهذا النص الذي يمتد في فضاء الرومانسية الحالمة والتوظيف الفني والإمتاع الجمالي ..وحينما بدأت لعبة الشاعرة البنائية الجميلة بإستهلال استفهامي كانت غايتها من وراء ذلك رسم الإنسجام النسقي الذي يليه ليضفي على القصيدة منذ البدء جوا مفعما بالحميمية والشجن ..والمغري أن امتهان الشاعرة للكلمة في لغتها التي اسهمت في توليد جمل ومفردات في استخدام متوالي للمركبات بإشاعة الحيوية وتفجبر الصور وتكثيفها مما زاد من ايحاءاتها وقوة تأثيرها بحيث تأخذ القاريء, بنشوة شعرية ترافقه حتى نهاية القصيدة ومابعدها وهو مايسمى بالدوي الخاص الذي يشكل البرهة التي تنبض بالشعرية وتجعل المتلقي يتجول في ردهات نص الشاعرة منذ بدئه حتى منتهاه .
هل يستحق القلب هذي المغفرة /بعدما ارتكب النداء
استهلال استفهامي عميق المغزى النفسي والتكثيف الدلالي له ..وهو الأسلوب الذي صارت لمونيماته شأن في عالم الإيقاع الخاص به ‘وانطلقت منه شخصية صوتية مكينة ‘شاءت للنص في هاتين الوحدتين وفي جمل المقطع التي انتمى اليها بأن يكون التعويل على التصويت الشديد والإيقاع المثير ليفضي بك الشعور بأردية الشجون من طور فصل الى طور كتاب ..فإذا تفردنا بتحليل البيت الأولى الإستفهامية فإننا اذ نلفي الصورة الفنية تكاد تتفرد بنفسها بالقيمة على ترابط عضوي بين الصورة في البيت الأول وبين صنوتها في البيت الثاني ولاتفتقر كل منهما الى الأخرى وهو الأساس المتين الذي انماز وماجاوره من اسلوب سردي في التعبير الحي لقدرته في الثلث الأول من النص على التبليغ الصادق لمافي نفس الشاعرة من كوامن من خلال خيط الوحدة العضوية الذي بدأت الإمساك به من كيان البيت الأولى الى منتهى القصيدة …وللتذكير فيما تم التركيز عليه كعينة لذات النص في مستهله الإستفهامي ‘ألفيت ثمة صورتين فنيتين جميلتين ولبراعة الشاعرة في توظيف اللغة وصورها الفنية بدأت بتأسيس صورة فخمة لخطابها الشعري وميزتها انك لو نقلت البيت الأولى عوضا عن الثاني والعكس ‘ تعطي ذات الصورة الفخمة ويبقى الزمن هو ذات الزمن الذي يعينة الظرف بعدما ‘فتحذو العلة بالمعلول والعكس ‘سواء :هل يستحق القلب هذي المغفرة /بعدما ارتكب النداء,
أو على الصورة :
بعدما ارتكب النداء /هل يستحق القلب هذي المغفرة ‘
يعني وكأن احدى الحركات تسبق صنوتها ثم تؤوب لتلاحقها في شكل شاعري عجيب .
بعد ان ولجت الشاعرة قصيدتها في المقطع الاول بصوت قوي للفت انتباه الوجدانات ‘انتقلت الى المقطع الثاني حيث ابتدرت فيه خميرة الثناء في صيغة كرنفالية للجوب في ماراثون لاينده الكلل ولاالسأم لطالما أغراها العزاء في تسخير كل مامن شأنه يدني بها الى الملاذ الأخير وهي الصيغة الموجهة مسيرة الغواية ومؤسسها .. المسيرة التي تتكفل بنقل الوقائع المباشرة والغير مباشرة المحمولة على دعامة سردية الى القاريء, التي تميزت بإيقاع سردي متسارع يميل الى الإنبساط وتسريع تنامي الزمن ‘ سأرمي – سأقترف ….الخ’ كما جرى في هذه المساحة ان استبطنت الشخصية الشاعرة وعيها الداخلي وأفشت انفعالها ومشاعرها الداخلية ليمكننا التعرف على مزاجها النفسي ودوافعها وحيرتها الى ان تضعك في محك حدثها المركزي بالإستدراك الإستفهامي الآخر في نهاية الثلث الثاني من النص ‘ ب كيف تريح اكتافها والليل لم ينته بعد ولم يدنو النهار ‘
لتكاد تقرر في هذا الموضع ماهو المطلوب
الذي اجتازت مساحته الى مساحة النداء ‘أيها العابر … ورفدها بالجمل الطلبية المتلاحقة وتوخيها في معظم هيكل الكيان الشعري الأخير وذلك لحلحلة بنية التوقعات والأحداث داخل حقل الفاعلية في نفس المتلقي ويريحه بنقله من حيوز محاصرة الى حيز بأسبابه الرهيفة التي تسهم في تشكيل الناتج الدلالي مما يعني توخي اقصى درجات الدقة والإنسجام ‘لإعتبار ان الجملة المحورية التي دخلت عالم الشاعرة وشكلتها بكثير من احساسها ومشاعرها المرهفة عبر الترتيب الشاعري والبناء التركيبي السلس تتخلق للتو ‘مثلما احتفرت في وجدان الشاعره وتنقب بالشفيف في تأملها .
كل الود والتحايا والتقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: