الأحد , أكتوبر 25 2020

د. نيفين عبد الجواد تكتب :التدين الشعبي والمقاومة السلبية

إن التعلق بالمُنقذ ومعجزاته الخارقة التي تُبدل الحال فجأة وبدون مقدمات وبدون بذل أي مجهود هو بالأساس تعلق وجداني نابع من التواكل والاستسلام وتضاؤل القدرة الذاتية على المقاومة، ومن ثم فإنه لابد وأن تغذيه أفكار سلبية تنمي في النفس فكرة الاعتماد على من سواها كسبيل وحيد لإنقاذها فيُدعم ذلك يقينها بضعفها وبفقدانها القدرة على القيام بأي فعل إيجابي. وليس التعلق بالمنقذ الذي يمثل صورة من صور التدين الشعبي سوى نتيجة ملازمة للقمع السياسي وللقهر المجتمعي اللذيْن يُحدان من حرية الإنسان ويحجبان عنه بصيص الأمل في حياة إنسانية كريمة يشعر فيها بقيمته ويجد ذاته من خلالها.

ولماذا لا يكون هناك تعلق وجداني وفكري بمنقذ خارق القدرات وغير موجود بين الأحياء ما دام ليس هناك أي مُتنفسٍ مرئي يسمح بالتخلص من الشقاء النفسي والإنساني والاجتماعي؟ فما دام ليس هناك أي حل أو مخرج واقعي فلا بأس إذًا من أن ينسج الخيال الإنساني خلاصًا من وحي التاريخ بكل ما يحمله من شخصيات لها من الصفات الحميدة ومن السيرة النبيلة ما يجعلها في نظر الراغبين في الخلاص مُؤهلَّة لتقديمه لهم بلا مقابل، ومن ثم يُمْكنهم الاعتماد عليها اعتمادًا تامًا دون الحاجة إلى تكليف أنفسهم بأي عمل يُخرجهم من سجن السلبية والضعف والاستسلام إلى فضاء القوة الفسيح الذي له من الضياء ما لا تطيق أعينهم إبصاره.

وما أن يعتمد الراغبون في الخلاص على المنقذ صاحب الكرامات والمعجزات حتى يجدوا أنفسهم قد بدأوا طريق البذل له من خلال خُدامه وأتباعه الذين كلفوا أنفسهم بالتوسط بينه وبين مريديه فتنهمر عليهم التقدمات والنذور بشتى أشكالها وأنواعها، ليظل الخلاص له ثمن لابد أن يتم دفعه لأن كل فعل إيجابي لابد أن تكون له مشقته، فياليتهم كانوا إيجابيين واعتمدوا على تخليص أنفسهم بأنفسهم من عذاباتها الدفينة ولم يبدأوا رحلة طويلة ستظل تستنفذهم ربما دون جدوى فعلية باستثناء شعورهم الداخلي بقبول ما يقومون به بسبب انجذابهم العاطفي والوجداني لمخلصهم التقي الورع صاحب الكرامات والبركات والمعجزات.

وبالتالي فليس بالضرورة أن يكون المنقذ حيًا يتنفس الهواء مع هؤلاء الأحياء الذين يهرعون إليه ويستجيرون به، بل لا غرو أن يكون قد فارقها منذ زمن بعيد، إذ أن المهم هو أن يظل حيَا في القلوب والعقول. ومن قال إن الأحياء جميعًا هم من يعيشون بيننا على مرأى ومسمع منا، وليس منهم من يرقدون بأجسادهم تحت التراب بعيدًا عن أعيننا ولكن أرواحهم تظل على مقربة منا؟! أو ليس الموت هو حقًا الحال المناسب لذلك المنقذ البعيد عن العين وغير المرئي كي تُنسَج حوله الحكايات والأساطير التي تجذب الانتباه ويهيم بها الوجدان وتأخذ العقول بسهولة إلى عالم الخوارق والمعجزات؟!

وإذا كان الموتى فقط هم من لا يُسمَع لهم أي صوت، فالأحياء لابد أن يكون لهم صوت واضح ومفهوم، لذلك فهم دومًا يُعبرون بكل أدوات التعبير التي تكون أحيانًا غير مباشرة ما دامت حريتهم في التعبير المباشر قد تم تقييدها بقيود من حديد. وها هو صوت أنينهم ما زال مسموعًا أمام الأضرحة والمقصورات والمزارات المقدسة علَّ هؤلاء الموتى الذين لا يرونهم يسمعون منهم ما لم يُرد الأحياء سماعه أو الانصات إليه.

وذلك هو شأن الإنسان الذي يقاوم من أجل الاستمرار في الحياة، حتى وإن كانت تلك الحياة غير مُرضية له ولطموحه، إذ أن غريزة البقاء تدفعه على نحو لا إرادي إلى المقاومة وعدم الاستسلام. ومع ذلك فإن بعض طرق المقاومة يظل يتسم بالسلبية إن كان لا يؤدي إلى نتيجة واضحة من نتائج التغيير الملحوظ، وهل هناك ما هو أصعب من ذلك النوع من التغيير الذي يعجز الكثيرون عن تحمل تبعاته؟!

ومن وسـائل المقــاومة الشعبية السلبية التي لا تغير من الحـال بأي شكل من الأشكال ولا

تبتعد في توصيفها عن الاستسلام، ما هو سائد بين عامة الناس في كثير من البلدان من استعانة بالصالحين من القديسين والأولياء واللجوء إليهم بالشكاوى والأدعية لإزالة الكرب عنهم وتفريج همومهم وتخليصهم من آلامهم التي تكون في الغالب آلامًا نفسية ومن نتاج ظروف دنيوية. وإذا كانت هناك قلة قليلة فقط من المهمومين تلجأ إلى الأطباء النفسيين طلبًا للعلاج النفسي المبني على أساس علمي، فلا عجب أن يذهب الكثيرون من المكروبين من عوام الناس غير المدركين لفائدة العلاج النفسي إلى من يؤدون دور المعالجين النفسيين حتى لو كانوا غير مرئيين لهم، وذلك ما داموا يعيشون في مجتمع يعاني من القهر والاستبداد والتخلف ولا يرفع من قيمة العلم أو العلماء ولا ينشر الثقافة العلمية، وما داموا لم يجدوا سبيلًا آخر يقضي حاجاتهم غير ذلك السبيل الذي توارثوه عن آبائهم والذي وجدوا فيه الراحة لهم ولو معنويًا فقط.

إن الإنسان منا يظل حبيس مجتمعه وثقافته بكل ما فيهما من سلبيات وإيجابيات ما دام لم يُنَشَّأ على إعمال عقله، وما دام لم يتحرك بعيدًا عن حدود ذلك المجتمع الذي نشأ فيه وتلك الثقافة التي لا يعرف غيرها فلم يكتشف أي عالم آخر ولم يتعرف على كل ما هو مختلف وغير مألوف أو معتاد. ذلك أن حرية الحركة تساعد بالقطع على حرية التفكير لما تسمح به من سياحة في جنبات العالم الفسيح وما يصاحبها أحيانًا من رحابة في الفكر ورجاحة في المنطق، وذلك إذا ما كان العقل يرغب في الاستنارة بحق وإذا كان الضمير قادرًا على التمييز السليم.

أما هؤلاء الذين في حالة سكون حركي واستسلام عقلي وتسليم مجتمعي لكل ما هو سائد ومألوف ومعتاد، وفي حالة انقياد لكل قوة أو طغيان؛ فإنهم لا يملكون غير الضعف والسلبية والصمت والتبعية في ذلة وهوان. وهؤلاء للأسف يشكلون الغالبية العظمى في المجتمعات التي يسودها القهر والطغيان، والتي لا تتبنى العلم كأساس للتقدم ولا تعترف بالحرية والعدالة الاجتماعية كلبنة أولى في بناء الحضارة الإنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: